يا الله.. بسم الله.. الله أكبر.. أصوات وزمجرة غضب لم أر لها مثيلاً من قبل!

حينها أيقنت وتأكدت أن الانقلاب فاشل، كانت هذه الصرخات والتكبيرات من الشباب والشياب والنساء يهرولون إلى الساحات العامة تلبية لنداء قائدهم رجب طيب أردوغان الذي لم تستطع أيدي الغدر والخيانة أن تمنعه من مخاطبة شعبه.

كيف بدأت الحكاية؟

أجلس مع أصدقائي في المنزل المجاور لمبنى الأمنيات في إسطنبول حيث اجتمعنا لتناول العشاء سوية، وكالعادة دائمًا أحمل جوالي أقلّب فيه بين الحين والآخر أتابع كل جديد، انقبض قلبي عندما رأيت إشعارًا بـ"خبر عاجل" وقد أغلقت مجموعة من الجيش التركي أحد خطوط جسر البوسفور.

كانوا يشيعون أن هناك عملية إرهابية وقد تدخل الجيش لإحباطها بدعوى أن الخط الآخر من الجسر ما زال مفتوحًا، في خطوة لكسب الوقت، توجست خيفة في قرارة نفسي وكتبت الخبر على شبكة أخبار تركيا بسرعة لنرى ما ستؤول إليه الأمور حيث إن تدخل الجيش كان مستغربًا جدًا.

بعد دقائق سمعنا خبر المروحيات تحلق في سماء العاصمة أنقرة ومدرعات بدأت تتجول في أنحاء إسطنبول خاصة على الأطرف وداخل الثكنات العسكرية، وهنا تأكدت أن الانقلاب قد بدأ فعلاً، قلت لأصدقائي: "يبدو أن هناك انقلاب عسكري في تركيا"، من هول الصدمة لم يصدقوا ما أقول فقد كانوا مشغولين بالعشاء أو أنهم لم يريدوا تصديق ذلك، لأن تخيل الأمر كان كارثيًا، فما بالك لو نجح الانقلاب فعلاً!

بعد لحظات بدأت الأخبار تنهال من كل حدب وصوب عن تفاصيل تحركات الانقلابيين ومدرعاتهم، ارتعش جسد صديقي واغرورقت عيناه بالدموع وصرخ يا الله! لا أصدق! أين سنذهب الآن! هيا نفعل شيئًا، وذلك مع دعوات من حزب العدالة والتنمية عبر وسائل الإعلام الاجتماعي للتجمع في الساحات العامة والتجمهر للوقوف بوجه الانقلابيين.

لم أكن حينها متزوجًا، كانت خطيبتي آنذاك في مدينة تشاناق قلعة وكانت تجهز نفسها وقد اشترت تذكرتها للسفر إلى إسطنبول، اتصلت بي تسألني: "ماذا يجري؟ لقد انقطعنا عن العالم"، قلت لها: "يبدو أنه انقلاب عسكري، لا تغادري مكانك حتى نستطيع فهم ماذا سيحدث، ولا داع لأن تخرجي من المنزل فأغلبية أهل هذه المدينة سيصطفون مع الانقلاب لو نجح"، وقد كانت على موعد سفر إلى إسطنبول لتجهيزات العرس بعد 3 أسابيع، أصرت على القدوم وقالت لي: "أريد أن أكون بجانبك، قد لا أراك مرة أخرى"، لكن بالطبع لم يكن خيار السفر تلك اللحظة منطقيًا أبدًا، لم يكن أمامنا إلا الانتظار.

الانقلابيون ينتشرون في المدن، قصف هنا وهناك، شهداء ودماء وأشلاء، مروحيات تحلق في السماء ومدرعات تنتشر على الأرض ودبابات تسحق السيارات التي تقف بوجهها.

بلغت القلوب الحناجر وتصببنا عرقًا، تقطعت أنفاسنا وصرنا في حيرة من أمرنا، هل فعلاً ينجح الانقلابيون في فعلتهم؟ وماذا سنفعل حقًا؟ أين سيذهب ملايين اللاجئين؟ ماذا سيفعل أولئك المتعصبون عندما تخلو لهم الساحة؟ بالطبع كانت كل السيناريوهات كارثية!

استمر الترقب والحذر الشديدان ونحن نتابع الأخبار لحظة بلحظة حتى خرج الرئيس رجب طيب أردوغان على إحدى القنوات مناشدًا شعبه الوقوف بوجه الانقلابيين وطمأنهم أنه بصحة جيدة وأنه سيكون رأس الحربة في مواجهة الانقلاب والخونة ودعا جميع أطياف الشعب التركي للوقوف بوجههم، وهنا بدأت الجماهير تزحف إلى الشوارع والطرقات، تكبيرات وتهليلات ودعوات للجهاد والمرابطة في الميادين والدفاع عن الوطن.

كان للمساجد دور كبير في هذه المواجهة بتوجيه من رئاسة الشؤون الدينية التي نشطت كثيرًا في السنوات الأخيرة، بدأت المآذن تصدح بالأذان والصلوات، تكررت النداءات، نزلت علينا بردًا وسلامًا لتعيد إلينا بعض الأمل، استطاعت هذه النداءات بعد منتصف الليل إخبار المواطنين بأن هناك شيء خارج عن المألوف وكانت سببًا مباشرًا في تجييش الشعب ضد الانقلابيين.

حالة استنفار عامة هنا قرب شارع الوطن عند الأمنيات، لم نستطع البقاء في المنزل، ركبنا السيارة نحاول الوصول إلى مقر القناة التركية حيث كان يعمل أصدقائي، الطرق مغلقة بالآليات الثقيلة التابعة للبلدية ولم أكن أعرف السبب حينها، تبين لي بعدها أنها محاولة للوقوف بوجه مدرعات الجيش ودباباته وتقطيعًا لأوصال المدينة حتى لا يستطيع الانقلابيون توصيل المساعدات والذخيرة إلى نقاط الاشتباك، وهذا ما حصل فعلاً.

أصوات إطلاق نار كثيف بالقرب منا، أحدنا يتلو القرآن ويردد الشهادة بصوت مرتفع فسيارتنا تحاول شق طريق لا يوجد فيه أحد، والمروحيات والطائرات الحربية تراقب إسطنبول عن قرب، الآخر يتابع الأخبار لحظة بلحظة، وذلك ساكت متسمّر على مقعده ينتظر النصر أو الشهادة.

لم تفلح محاولتنا في اختراق الآليات فقررنا العودة إلى الميدان، رجعنا إلى منطقة الفاتح، نزلت هناك وقد أضعت أصدقائي، بقيت وحدي تحت الطائرات الحربية التي كانت تخترق جدار الصوت لترعب المتظاهرين، كنت بينهم أوثق الحدث وأنقله وأشاركهم المصير.

لعلي رأيت الموت مرتين أو ثلاثة تلك الليلة، شاحنة مصفحة للانقلابيين تخترق الجموع تحاول دهسهم وقد توجهت نحوي مباشرة، هربنا جميعًا واصطدمت الشاحنة بالرصيف، لم تقو على الحراك من مكانها حتى تجمع عليها العشرات يحاولون قلبها، تكررت المحاولة عدة مرات من الانقلابيين حتى فروا كالجرذان عندما بدأت جموع من الشرطة التركية والمخابرات الموالية للحكومة بالقدوم من الأمنيات باتجاه شارع فوزي باشا وبلدية إسطنبول الكبرى.

كانوا يتحركون في جماعات تحمل أسلحة خفيفة ومتوسطة تهرول بسرعة ونرافقهم كلنا باتجاه البلدية حيث احتدمت المعركة هناك وسقط فيها عشرات الشهداء، كان لقدوم الشرطة الموالية للحكومة دورًا أيضًا في حسم هذه المعركة، فالذخيرة نفدت من الطرفين ولم يستطع الانقلابيون مدّ جنودهم بالذخيرة بسبب الشاحنات الثقيلة التي قطعت الطريق عليهم.

صرخات غضب وتحدٍ، تكبيرات وإطلاق نار، رجل عجوز ذو لحية بيضاء لا يفارق ذاكرتي، يقف وسط الشارع ويقول: "نحن أحفاد العثمانيين! نحن جنود محمد! والله لن نترك البلد".

تلونت الأرض بالدماء وامتلأت بفراغات الرصاص، الحرب قائمة والرصاص يأز أزًا، الطائرات تحاول مليًا إخافة المتظاهرين عبر اختراقها جدار الصوت والتحليق على ارتفاع منخفض جدًا، ولو قصفت صاروخًا واحدًا لكنا جميعا في عداد الشهداء.

لم استغرب أبدًا من وجود النساء والعواجيز في الميادين بعد منتصف الليل، فالأتراك يعرفون حق المعرفة ماذا يعني نجاح الانقلاب وماذا يعني أن يفرض العسكر سيطرته على الدولة.

اضطررت للعودة إلى المنزل لشحن الهاتف حيث أنقل منه الأخبار وأتابع تفاصيل العملية في العاصمة أنقرة، واستمر الوضع على ذلك المنوال حتى هدأ الأمر فجر ذلك اليوم.

الساعة الثامنة صباحًا استيقظت مذعورا، وجدت نفسي على الأرض من غير وسادة أو غطاء، الأصدقاء الآخرون أيضًا اتخذوا لأنفسهم زاوية يلقون عن نفسهم عناء تلك الليلة، تصفحت الأخبار بسرعة فهدأت، الأمور تحت السيطرة، التصريحات الحكومية مطمئنة والجماهير الغفيرة محتشدة في الميادين العامة، عمليات اعتقال للمئات من رؤوس الانقلاب وعناصره في مختلف المدن التركية، القيادة السياسية في أمان وعلى رأس عملها، وهكذا ثبت أن المرحلة الأخطر من الانقلاب قد فشلت حقًا.

هناك بدأ يوم جديد، وكان عيدان بين عيدين! عيد الفطر فعيد النصر فعيد زواجي فعيد الأضحى، اللهم لك الحمد.