قطعت البشرية شوطًا كبيرًا في المجال الطبي خلال القرن الماضي، وأحدثت ثورة حقيقية بعدما تمكن البشر من علاج العديد من الأمراض المستعصية والخطيرة، عن طريق تطويع التكنولوجيا لخدمة الطب، ومن خلال الاكتشافات العلمية التي أحدثت تقدمًا هائلاً وملموسًا، الأمر الذي أدى إلى تحسين الخدمة الصحية المتاحة وقلة عدد الوفيات مقارنة بالسابق.

لكن رغم كل ذلك، يبقى جسم الإنسان لغزًا مبهمًا، وما قد يتقبله اليوم قد يرفضه غدًا، لذا فإن الطرق العلاجية المستخدمة الآن، قد يتم تغييرها أو وقفها واستبعادها في المستقبل، أو استبدالها بطرق وعقاقير أخرى تُظهر كفاءة أعلى وأعراض جانبية أقل.

وبمعرفة بعض العلاجات التي تم استخدامها سابقًا ولم تعد تُستخدم الآن، والوقوف على مدى غرابتها وصعوبتها، نظن أننا من ذوي الحظ الحسن، لأننا لم نضطر لتجريب هذه الممارسات الغريبة المؤلمة، لكن من يدري، فمن الممكن جدًا أن تصبح علاجات اليوم أضحوكة القرن القادم، وقد ترى الأجيال القادمة أن الحقن أو بخاخات الاستنشاق أو الأقماع الشرجية، علاجات غريبة ومؤلمة.

في هذا التقرير نتناول بعض أغرب وأكثر العلاجات الطبية "غباءً" والتي طبقت واستخدمت بالفعل عبر التاريخ.

قبلة الحياة: حقنة شرجية بدخان التبغ Tobacco Smoke Enema

حقيبة الحقن الشرجية المستخدمة للعلاج بدخان التبغ وتحتوي على أنابيب مطاط ومنفاخ

في القرن الثامن والتاسع عشر، استخدم المعالجون في أوروبا الحقن الشرجية المملوءة بدخان التبغ من أجل إنقاذ حياة الغرقى، أو من يعانون من قصور في الجهاز التنفسي، كتقنية من تقنيات الإنعاش.

حيث كان يُعتقد آنذاك أن هذه التقنية التي أُخذت عن الهنود في أمريكا الشمالية، تتسبب في رفع درجة حرارة الجسم، والنيكوتين الموجود في التبغ، يعمل كمحفز للغدد الكظرية التي تنتج الإدرينالين، ومن ثم إنعاش القلب.

لاحقًا تم استخدام هذه التقنية الغريبة لعلاج نزلات البرد وتخفيف آلام الفتق وآلام الأمعاء وعلاج الصداع والتيفويد والكوليرا.

في أوائل القرن التاسع عشر، تم إيقاف هذا العلاج بعدما تأكد الأطباء من فشله وعدم جدواه، وتعرف الآثار السامة للتبغ على كل من القلب والرئتين.

علاج البواسير: وضع الحديد المتقد في مؤخرة المريض Curing Hemorrhoids by Hot Irons


علاج البواسير بوضع قضيب من الحديد الساخن في مؤخرة المريض

الكثيرون من مرضى البواسير اليوم يحاولون تجنب الجراحة رغم وجود تخدير، عبر استخدام العقاقير والدهانات الموضعية، رغم أن علاج البواسير اليوم صار عبر جراحات الليزر، الأمر الذي يجعلنا نتساءل ماذا كان يفعل المرضى في السابق حين كان علاج البواسير في العصور الوسطى عبارة عن إدخال قضيب من الحديد الساخن جدًا والمتقد كجمر في مؤخرة المريض، وتكرار هذه العملية عدة مرات حتى تتحول البواسير إلى قطعة من اللحم المحترق.

وبالطبع لم يكن هذا العلاج فعالاً على الإطلاق، بل كان يتسبب في صدمات عصبية من شدة الألم، وحدوث خراريج في المنطقة المصابة، وانتكاسة للحالة وعودة البواسير بصورة أسوأ من ذي قبل، وانتهاءً بالوفاة بسبب حروق الدرجة الأولى التي تصيب المؤخرة.

مفتاح الخلود الأبدي وإكسير الحياة: الزئبق Mercury

سائل الزئبق

كان الإمبراطور الصيني الأول تشين شي هوانج، أول من آمن وصدق في فوائد الزئبق، لدرجة أنه ابتلع كميات كبيرة من هذا السائل السام، أملاً في أن يبقى خالدًا وألا يموت أبدًا، لكن تشين شي هوانج لم يهنأ بهذا الأمل الكاذب ومات بفعل الأثر السام للزئبق قبل أن يتم الـ40 من عمره.

وقبل اكتشاف البنسلين penicillin  في الأربعينيات من القرن الماضي، كان الزئبق العلاج المعتمد في حالة الإصابة بمرض الزهري، ورغم أنه كان يتسبب في حالات هلوسة وهذيان وتشنجات تنفسية وآلام في الصدر ومشاكل في القلب وفقد الأسنان وفشل كلوي وفشل كبدي وميول انتحارية للمريض المعالَج به، فإن الأطباء والمعالجين كانوا يُرجعون هذه الأعراض إلى مرض الزهري لا إلى التسمم الناتج عن استخدام الزئبق.

واستخدم الإغريق الزئبق كمطهر عام وفي علاج حالات الإمساك والحد من تلوث الجروح، ودخل في صناعة مستحضرات التجميل والمحاليل الملحية، ثم استفاق الأطباء والعلماء فجأة، وأعلنوا أن هذا العنصر سام فعلاً ويسبب أضرار جسيمة قد تفضي للموت وليس له فائدة طبية تُذكر.

ثقب الجمجمة لطرد الشياطين وعلاج الأمراض العقلية Trepanation

ثقب جمجمة أحد المرضى العقليين للسماح للشياطين بالخروج من الجسد

هذا التدخل الجراحي المرعب كان يتم لعلاج الأمراض العقلية قبل 7000 عام، حيث كان يُعتقد أن أعراض الهلوسة والهذيان والفصام تسببها أرواح شريرة أو شياطين محبوسة داخل جسد المريض، فكان المعالجون الروحانيون يقومون بثقب وحفر الجمجمة من أجل فتح عين ثالثة، تسمح بزيادة الوعي لدى المريض وتنفس الدماغ، والسماح للشياطين بالخروج ومغادرة الجسد، وبالطبع كان هذا الإجراء المرعب يتم دون تخدير المريض.

وعثر علماء الآثار على آلاف الجماجم المثقوبة التي أُجري عليها هذه المعاملة في العديد من المناطق حول العالم، مثل اليونان القديمة وأمريكا الشمالية والجنوبية وإفريقيا، واتفقوا على أنها أُجريت بغرض طرد الشياطين والأرواح الشريرة أو كطقس من الطقوس الوثنية القديمة.

بعض الجماجم المعثور عليها وبها ثقوب

وما زالت هذه التقنية تمارس في بعض المناطق المعزولة والمتطرفة من إفريقيا رغم أنها توقفت قبل عام 1900 في معظم الأماكن التي كانت تُجرى فيها.

وحاليا تُستخدم تقنية طبية مشابهة بواسطة جراحي المخ والأعصاب من أجل تخفيف الضغط على الدماغ بعد إصابات الرأس، ولكن بطرق حديثة وآمنة جدًا، ويعرف هذا الإجراء باسم "Craniotomy".

الصدمات الكهربائية لعلاج العجز الجنسي Impotence Shock Therapy

العلاج بالصعق الكهربائي للأعضاء التناسلية

شاعت هذه الممارسة في القرن الثامن عشر، عندما اعتقد بعض العلماء والأطباء أن الكهرباء تحمل بعض الخصائص العلاجية، وظنوا أن تعريض الجسم للصعق الكهربائي قد يحمل الشفاء التام من كل الأمراض.

وفي هذا الوقت كان يُعتقد أن العادة السرية تتسبب في إحداث عجز جنسي، وشاع حينها أن الصدمات الكهربائية للأعضاء التناسلية الذكورية قد تعالج هذا العجز، وبيع الكثير من هذه الأجهزة "أحزمة تولد صعقات كهربائية بسيطة" في ذلك الوقت لعلاج هذا النوع من العجز.

لكن الصعق بالكهرباء لم يساعد بالشكل المطلوب، فلجأ الأطباء في القرن التاسع عشر إلى إضافة بعد العلاجات الأخرى مع الصعق الكهربائي للوصول لنتيجة مرضية، وكانت هذه الإضافات تتمثل في تناول نوع من الذباب الإسباني وحساء الضفادع وتحفيز تدفق الدم عن طريق لدغ الأعضاء التناسلية عن طريق النحل أو الدبابير، أو بحقن بسم عنكبوت.

الكوكايين: لا غنى عنه في كل بيت Cocaine

مخدر الكوكايين

في عام 1884، لاحظ طبيب العيون النمساوي كارل كولر أن وضع بعض الكوكايين على قرنية أحد المرضى، أدى إلى عدم الإحساس بالألم أو الضغط الناتج عن الجراحة، مما جعل إجراء الجراحات أسهل وأقل خطورة.

وبعدما نشر كولر هذه المعلومة، قرر الأطباء استخدام الكوكايين كمادة تخدير في كل الإجراءات الطبية، حتى إنهم بدأوا في وصفه كمسكن للألم.

وحاول البعض حينذاك لفت النظر إلى احتمالية إدمان الكوكايين، لكن الأطباء سخروا من هذه الاحتمالية مؤكدين أن الإدمان عليه لا يتعدى إدمان الشاي والقهوة والمنبهات الأخرى كافة.

وفي عام 1900، كان يمكن لأي مواطن أمريكي أن يسير إلى الصيدلية القريبة من بيته كي يشتري واحد جرام من الكوكايين النقي مقابل 25 سنتًا، ليعود ويخلطه بأي شراب ويتناوله كمادة مسكنة للآلام.

وتم وصف الكوكايين من قبل الأطباء لعلاج البواسير وعسر الهضم وقمع الشهية والتعب العام والتهابات الأسنان، وأنتجته شركات الأدوية على هيئة حقن ليسهل على المرضى استخدامه في المنازل.

في عام 1902، تم إحصاء نحو 200.000 أمريكي مصابين بالإدمان على الكوكايين، مما جعل الحكومة الأمريكية تتدخل لتجريم استخدامه وتداوله.

غيبوبة الأنسولين: تشفي العليل Insulin-Coma Therapy

مريض نفسي في غيبوبة إنسولين

هذه الممارسة الطبية العجيبة تم اكتشافها عن طريق الصدفة البحتة كحال معظم الاكتشافات الأخرى، ففي عام 1927 أدخل طبيب نمساوي يدعى مانفريد ساكل، أحد مرضاه في غيبوبة أنسولين عن طريق الخطأ، هذا المريض والذي كان يعاني من إدمان المورفين، استيقظ بعد فترة ليكتشف أنه قد شُفي من إدمانه.

الأدوات المستخدمة في العلاج بغيبوبة الإنسولين

بعد فترة، جرّب الطبيب النمساوي هذه المعالجة على مريض آخر، وحصل على نفس النتائج، فاعتمدها الأطباء النفسيون لمرضى الفصام والذهان والأمراض النفسية الأخرى، وادعوا أن هذه الممارسة خففت آلام المرضى وأعراضهم المرضية، لكن الطب لاحقًا بيّن أن هذه الغيبوبة تُسبب تلفًا في الدماغ وخفض لكفاءته، مما يُعطي إيحاءً للمريض بذهاب آلامه.

وفي الستينيات من القرن الماضي، تم إيقاف هذه الممارسة الطبية العجيبة لما سببته من أضرار شديدة.

البول: المشروب السحري Urine Therapy

بول آدمي

آمن العديد من البشر عبر التاريخ بالقوى الشفائية العجائبية للبول، سواء كان تناول البول هذا خاص بالشخص نفسه، أو عبر شُرب بول شخص آخر.

فاستخدموا البول كدهان واقٍ من الشمس وحروقها، واستخدموه كغسول للفم وكمضمضمة للحد من التهابات اللثة ووجع الأسنان وتبييضها، وشربوه في البلاد الآسيوية من أجل رفع القدرة الجنسية وكمشروب للطاقة.

وعلل بعض الأطباء مفعول البول الشفائي، بأن اليوريا مضادة للجراثيم والفطريات والفيروسات، لكن ورغم استخدام هذا العلاج المقزز في حالات الإصابة بالربو والأمراض الجلدية وحتى السرطان، فإنه لم يثبت أي نفع أو فائدة يسببها، بل على العكس لا ينصح بشرب كميات كبيرة منه، فقد يتسبب في حدوث أضرار جانبية لا يُحمد عقباها.