في صيف لعله الأشد حرارة في تونس تشتعل حرائق كثيرة بعضها في غابات الشمال والشمال الغربي وبعضها في كواليس السياسة، وبين الحريقين يحترق أناس كثر بألم الصبر على مكاره السياسة التي تشعل الحرائق وتتساءل عن مصدر الدخان، من يحرق تونس غير بعض بنيها وماذا يريدون من حرقها؟ ألا تكون لغيرهم ولو من بني جلدتهم.

إنها حرائق كاشفة لزيف التوافقات السياسية بين فرقاء المشهد، ففي قمة حديث الانسجام الوطني والاستعداد للانتخابات يشعل البعض حريقًا شاملاً عن ربطة عنق راشد الغنوشي ليشغل الناس عن سبب حرائق الغابات وعجز حكومة الكفاءات عن إطفاء حريق منها لم تحص خسائره بعد ولكن قد تتجاوز الخسائر ربع المساحة الغابية التونسية التي يفوق عمر بعض أشجارها خاصة من الفلين (الخفاف) القرنين من الزمن.

حرائق مسترابة

الحرائق الغابية ليست حالة طارئة في تونس، ففي أغلب الأصياف يشتعل حريق أو أكثر في مناطق الغابات وغالبًا ما يعزى ذلك لأسباب طبيعية نتيجة اشتداد الحرارة وهبوب الرياح الجافة ولطبيعة بعض الشجر الذي يملك قابلية اشتعال ذاتي (كالصنوبر الحلبي).

انتشرت ظاهرة حرق الزوايا والأضرحة سنة 2013 (زمن حكم الترويكا) ونسب الأمر إلى التطهير السلفي ولم يتم القبض أبدًا على حارق زاوية وقيدت كلها ضد مجهول

ولكن حرائق هذا السنة تحمل بصمة مختلفة، لقد انطلقت في أماكن كثيرة ومتباعدة في ذات الوقت وانتقلت من الغابة الكبيرة في عين دراهم (أعلى نقطة طوبوغرافية في جبال الشمال) وقفزت إلى غابة بنزرت شمالاً ثم إلى غابات القصرين في الوسط الغربي (والتي لم تشتعل سابقًا رغم ما يقال عن لجوء الإرهابيين إليها)، وهناك ميزة أخرى لهذه الحرائق فقد مست الجزء الأقدم من الغابة وهو غابة الفلين المعمر والذي لا يصلح حتى كحطب وقود.

عندما بادر بعض شهود العيان من أبناء المنطقة إلى القول في بداية المحارق المتنقلة إن الحرائق متعمدة شكك البعض من فكرة المؤامرة التي يلتجئ إليها للتحليل الكسول، ولكن بعد أسبوع من الحرائق التي لا يمكن أن تكون جمرًا متنقلاً بالريح عاد الجميع إلى السؤال من يفعل هذا بتونس وبثروتها الغابية العزيزة؟

لقد تم الربط بين أفعال مماثلة في أزمنة مشابهة، لقد انتشرت ظاهرة حرق الزوايا والأضرحة سنة 2013 (زمن حكم الترويكا) ونسب الأمر إلى التطهير السلفي ولم يتم القبض أبدًا على حارق زاوية وقيدت كلها ضد مجهول ولكن أدت فعلها السياسي كاملاً، لقد صرف النظر حينها عن فضائح الهدايا الإماراتية وتم شيطنة النهضة التي تحمي السلفية مما مهد لقبول رواية الاغتيالات بيد سلفية وبتوجيه نهضاوي.

وفي نفس السنة تم إشعال حرائق مماثلة في أماكن كثيرة وقيدت ضد مجهول وإن تبين لاحقًا أن تجار الحطب كانوا يختارون غابات الصنوبر ليقاولوا لاحقًا على حطبها بأبخس الأثمان مع إدارة الغابات وهي الجهة العمومية المسؤولة عن الغابة والثروة الغابية في البلاد.

من يفعل هذا بغابات تونس وخضرتها التي تشهرها؟ من العسير إقامة دليل على وجود جهة سياسية تشعل الحرائق ولكن كما في كل جريمة يوجد مستفيد أول والمستفيد هنا من يرى نفسه خاسرًا في الاستحقاق الانتخابي القادم، ولا حل أمامه إلا خلق أكبر قدر ممكن من الفوضى في الشارع عبر التخويف المنهجي المبرمج لينتهي الناس الخائفون بين يديه إما أصوات في الصندوق أو نكوص عن خصمه الذي يجب أن يخسر.

يوجد مشهدان أو مشهد مركب من وجهين، وجه السياسة النخبوية وانشغالاتها في العاصمة ووجه الكوارث خارجها

لقد جُرّبت حالة الفوضى فأنتجت تنازلات سياسية وغطت تلاعبًا حقيقيًا بثمرة الصندوق الانتخابي ودخل البلد في توافقات سياسية مغشوشة أنتجت الوضع الحالي الذي يندس فيه النظام القديم في صفوف الناس ويشعل الأرض من تحتهم لإرهابهم واستعادتهم إلى حظيرته قطيعًا خائفًا لا قرار له ولا سلطة له على نفسه.

البلد على أبواب موعد انتخابي مهم جدًا ومحاولات إفساده أو تأجيله متواصلة، فلقد تم التهرب حتى الآن من تكملة الهيئة الانتخابية وهو معطل قوي للانتخابات ويجري الآن تخويف الناس وترهيبهم بالنار للانكماش عن كل محاولة تغيير قد تحملها البلديات.

الأناقة الحارقة

في أثناء حريق الغابات اشتعلت بلاتوهات الإعلام وحبرت مقالات كثيرة عن ربطة عنق راشد الغنوشي الذي صار فجأة الأستاذ راشد بعد أن كان لأربعين سنة الشيخ راشد، لقد خرج الرجل من جبة الشيخ إلى طقم الأستاذ وذهبت التأويلات كل مذهب وأهمها أن الرجل ينوي تقديم نفسه لمنصب الرئيس في 2019.

أخذ الحديث عن ربطة عنق الغنوشي (الرئيس المحتمل) أكثر مما أخذ حديث الحرائق والخسارات، واصطف الناس ضد احتمال لم يعلن بعد ولكنه تخمين أن الغنوشي رئيس تونس، هذا حريق قادم لا يمكن السكوت عنه هكذا تصرف الإعلام وهو نفس ما كان يفعله ضد الرئيس المرزوقي طيلة فترة حكمه.

وبين المرزوقي والغنوشي وشيجة كلاهما ريفي قادم من الجنوب البعيد وليس لهم مكان في السياسة المتوارثة منذ عهد الحفصيين، حيث لا تحكم العاصمة والبلد إلا من سليل ملوك أو بايات عثمانية، هذه الوشيجة أداة تحليل ضدهما لذلك قبل أن تكون هناك نوايا ترشح حقيقية قفز أعداء الاحتمال إلى ترشيح يوسف الشاهد رئيسًا ورغم أنهم لأسبوع مضى كانوا يرونه أقل من رئيس حكومة ناجح فصار في أقل من ساعة من ظهور الغنوشي بربطة العنق رئيسًا للبلاد.

حرائق السياسة هي سبب حريق الغابة

وضع الحدثين متقابلين هو مفتاح قراءة المشهد الراهن.

يوجد مشهدان أو مشهد مركب من وجهين، وجه السياسة النخبوية وانشغالاتها في العاصمة ووجه الكوارث خارجها، آلام وكوارث إنسانية تعتبر الحرائق بعض وجوهها لا كل وجوهها، ففي غير غابات الشمال توجد حرائق البطالة والتهميش واعتصامات المفقرين في الجنوب الغربي وأزمة مياه الشرب والري في كامل البلاد.

الحكومة التي تستلف لشعبها أجور موظفيه، والموظفون الذين يعرفون أن حكومتهم تستلف لهم أجورهم ليسوا بقادرين على اختيار رئيسهم

بتركيز شديد ألخص المعضلة التونسة تحت سخام الحرائق:

النخبة تتصارع على قضايا هامشية وتافهة مثل هل لبس ربطة العنق إعلان ترشح لرئاسة الجهورية في 2019، بينما الشعب المجهول (القطيع الانتخابي عند الحاجة) يعاني حرائقه وحده بلحمه الحي، فمشاهد ساكني الغابات يهربون حفاة عراة من أمام النار وقد تركوا بيوتهم رمادًا مشهد يغير السياسات ويسقط السياسيين، ولكن النخبة مشغولة بربطة عنق الغنوشي ولو كان لهم أن يروا ملابسه الداخلية لحولوها مشغلة وطنية، فقد انشغلوا سابقًا بطقم أسنانه القديم.

هنا تونس وفي الحقيقة تونس المقسومة إلى شعبين، واحد يحترق بنار حقيقية والآخر يجد من الوقت والفراغ ما يجعله يتدفأ على نار التخمينات السخيفة بشأن مستقبل يعرف عند لحظة الحقيقة الفاجعة أنه ليس من يختار رئيسه بل يفرز له رئيس فينتخبه مدعيًا أنه من اختار، فالحكومة التي تستلف لشعبها أجور موظفيه، والموظفون الذين يعرفون أن حكومتهم تستلف لهم أجورهم ليسوا بقادرين على اختيار رئيسهم وإن لبس ربطة عنق إنما يزيد نار فقرهم سعارًا أن بعضهم يحرق البعض ليحكم رماد المكان ويتغنى بخضرته في الأغاني.

هل أنا متشائم؟ كيف يمكن أن يتفاءل مواطن يعيش مع نخبة سياسية إذا تعاركت سوت ربطات عنقها وأحرقت البلد الذي ينوون حكمه؟