هنا حيث تضخم الصغيرة، وتصغر الكبيرة، لا صوت يعلو على النقد الذي غالباً ما يكون هدامًا لا بناءًا، حيث وجد بصيص أمل يوأد، ويشيع، ويكبر عليه اربعا. ينتظر أحدهم عثرتك، ليطبل لها ويزمر، وتزداد نشوته، لان ظنه الخائب خاب. تجدهم متذمرين حتى من أنفسهم التي بين جنباتهم، فاذا لم يصح لهم أن يذكروا أحد بسوء، ذكروا أنفسهم السيئة. هنا مشروع عاطل، وذاك متوقف، وثالث أصابه الفساد، ورابع لا وجود له، وخامس حلم لا اكثر، وسادس مرهون بالتوافقات السياسية، وسابع لن ينفذ، وثامن وتاسع لن يكونا أفضل حالاً ممن سبقهم.

العيون ها هنا عمياء شديدة العمى، بصرا وبصيرة، فهي لا ترى الا السواد يحيط بجنبات المكان. ينزعج أحدهم حين يرى مشروعا حيوياً يعمل بشيء يسير من طاقته الاستيعابية، وتصيبه الجلطة الفكرية، والذبحة الصدرية، حين يعمل المشروع وكأن شيئا لم يكن، فكيف تحكم أيها القلب المريض. سياستهم التعميم والتغليب والكثرة والأغلبية، ولكن أكثرهم لا يعلمون. عيونهم قاصرة النظر، لا تبصر الا ظلاما دامسا يحيط الزمان والمكان، فاذا أخبرته عن بصيص أمل ولى مستكبرا، مصدودا خائبا كسيرا حسيرا ظمي.

ما هكذا تورد يا هذا الابل.. العين الباصرة الناقدة، ترى اللوحة كاملة، بالوانها وخطوطها، وملامحها، وحتى ما بعد المنظور، وعين قاصرة أخرى لا ترى الا ما ترى، لكنها في الاخير لا تهدي الى سبيل الرشاد. المشهد في موصلنا ليس قاتما بهذه الدرجة ففيه خير كثير، وفير، تجاوز حدود المعقول، وابتعد أكثر ليصل اللا معقول. فهنا شباب متطوعون، لا يعرف أحدهم ليله من نهاره، ينتقل بين هذا الحي وذاك، ويضع روحه على كفه، وهو ينقذ حياة مدني اصابه ما اصابه، أو في طريق أن يأكله الذئب ونحن عنه غافلون، واعداد هؤلاء الشباب اكبر من أن تحصى وتعدادهم لا نعرفه، لان الله يعلمهم، وهم من ايدولوجيات مختلفة، وافكار متفقة، وغير متفقة، لكن ما جمعهم موصل اصابتها البلوى كما عشعش فيها الدمار.

فرحة التحرير ونهضة شباب الموصل في اعادة بناء المدينة رافقتها آفة النقد من بعض الأبواق المأجورة التي سخرت كل إمكانياتها لمعول الهدم دون أن تجود ولو بالقليل من وقتها للتفكير في البناء فضلاً عن الشروع فيه

ليس الشباب المتطوعون وحدهم من يقود الان، ولهم الصدارة، فثمة أمثالهم كثير، وهم يتوزعون في كل شرائح المجتمع العراقي والموصلي على وجه الخصوص. فهنا طبيب ترك العيش الوفير، وراحة البال خارج العراق، ولبى نداء الواجب المتمثل بخدمة الموصل واهلها، وهناك مهندس، وآخر مفكر، وبين هؤلاء تخصصات أخرى يعلمها من يقدر التخصص والتضحية.

"أشتغل بفلس وحاسب البطال" مثل يعرفه اهلي في الموصل بلهجتهم الدارجة وهو من اهم المعارف التي ينبغي أن يتزود بها المنتقدون وغيرهم. ما الاثر الذي تركته في المدينة بعد التحرير؟ ما اهم المشاريع التي خططت لها ونفذتها؟ هل تشعر بالرضا عن شيء قدمته لاهلك؟ كم تستغرق من الوقت لانتقاداتك التي اصبحت اسطوانة مشروخة؟ لماذا لا تشغل نفسك بما يعود بالخير عليها وعلى الموصل؟ أين ترى نفسك الأن؟ مشروع انساني، ام خدمي، أم غير ذلك؟

اسئلة كفيلة بمعرفة اين أنت اليوم أيها المنتقد؟ ولمواقع التواصل الاجتماعي بصمة: في البقعة الموصلية ثمة مواقع يقع على عاتقها ابراز الوجه المشرق لكل الاعمال الايجابية التي تنهض بالمدينة وتعود بها الى سابق عهدها. لعلي هنا لن استدعي اسماءها لانها كثيرة واغلبها تجاوزت متابعتها حاجز المائة الف او يزيد. ختاما: ما نكاد نرى ظلمة تنجلي إلا ورافقتها نغصة تعكّر صفو الفرحة لتطيل علينا العتمة ساعة أخرى من نهار.

ينبغي أن نثني على المقدم. ونلوم المتعثر، ونأخذ بيد الخادم بل ونساهم معه لبناء موصل بالعمل لا بانتقاد المجرد الذي لن يكون الا معول هدم ينخر في موصلنا ويعيدها الى القرون الوسطى

فرحة التحرير ونهضة شباب الموصل في اعادة بناء المدينة رافقتها آفة النقد من بعض الأبواق المأجورة التي سخرت كل إمكانياتها لمعول الهدم دون أن تجود ولو بالقليل من وقتها للتفكير في البناء فضلاً عن الشروع فيه. وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على تلك النفوس المريضة التي ملأها الحقد والغل والتي ساءها أن ترى الموصل تتطلع إلى الريادة من جديد بسواعد أبنائها وتلاحمهم.

فكما لا نلمع المقصر ينبغي أن نثني على المقدم. ونلوم المتعثر، ونأخذ بيد الخادم بل ونساهم معه لبناء موصل بالعمل لا بانتقاد المجرد الذي لن يكون الا معول هدم ينخر في موصلنا ويعيدها الى القرون الوسطى بل المتأخرة، شكراً ثم شكراً للعاملين من مدراء عامين ورؤساء اقسام ومسؤولي شعب، وموظفين وعمال، يدكم بيضاء بانتظار ان تتلون الاخرى بلونكم لتكتمل الصورة.