يقصد بمصطلح الدول الإسكندنافية أو بلدان الشمال، بتلك الدول التي تقع في شمال قارة أوروبا، وتشمل كل من النرويج والسويد والدنمارك بالإضافة إلى فنلندا وآيسلندا، وفضلا عن كونها تقع في شمال القارة فهي تتمتع بتقارب تاريخي وحضاري وترتبط بعلاقات ثقافية بين بعضها البعض.

النجاح الذي حققته تلك البلدان لافت للانتباه ويجعل من الجدير بالاهتمام دراستها والاستفادة من تجاربها، فلا يكاد يخلو مؤشر اقتصادي إلا وتوجد تلك البلدان فيه بالقمة، كما أثبتت اقتصاداتها مرونة عالية إبان الأزمة المالية العالمية 2008 في الوقت الذي واجهت اقتصادات العالم ركود كبير ومشاكل بقيت مدة طويلة تعاني منها، ففي الوقت الذي شهدت كبرى اقتصادات العالم معدلات نمو سلبية بعد الأزمة، حققت تلك البلدان معدلات نمو إيجابية، بنسب متفاوتة.

وعلى الرغم من أنها ليست أغنى البلدان في العالم إلا أن أمور الحياة والمعيشة ميسرة جدًا بفضل التشريعات والقوانين التي يسرتها حكوماتها، التي تصدرت بفضلها قائمة الدول الأكثر سعادة في العالم خلال السنوات السابقة، وبحسب التقارير فإن مستوى الثقة بين السكان في الدنمارك على سبيل المثلا تعد عالية، وحين يفقد الشخص عمله بإمكانه الحصول على مخصصات اجتماعية، وعند المرض يتعالج في المشافي تجنبه الوقوع في المشاكل بعد ترك العمل.

تتربع الدول الاسكندنافية بسهولة بدء كيان جديد أو شركة ناشئة وتصنف في أول 10 مراكز من القائمة

الثروة والمال ليست كل شيء هناك بالنسبة للمواطن، كما هو سائد في بلدان العالم الثالث، فإذا لا يملك المواطن أموالا فإنه لا يعيش حياة مرفهة، ولا يحصل على مقومات الحياة الأساسية من علاج وتعليم والتي إن وجدت فإنها تدفعه للنجاح ونحو مزيد من الإنتاج والريادة في الأعمال. في حين أن مقومات السعادة لدى المواطن الاسكندنافي شبه مؤمنة من قبل الحكومة بأفضل المعايير، إيمانًا منها بأن الاهتمام بالإنسان هو أحد مقومات النجاح.

اقتصادات الدول الاسكندنافية

يبلغ عدد سكان الدنمارك نحو 5.6 مليون نسمة، ويقدر الناتج الإجمالي المحلي لاقتصاد البلاد، بنحو 258.7 مليار دولار، ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي قرابة 45.709 ألف دولار فيما تبلغ نسبة البطالة نسبة 6.3% ونسبة التضخم عند 0.5%، وقدر متوسط نسبة النمو في السنوات الخمس الماضية حوالي 0.7%.  

فيما يبلغ عدد سكان السويد 9.8 مليون نسمة، ويقدر الناتج الإجمالي المحلي فيها بـ473.4 مليار دولار ونسبة دخل الفرد من الناتج المحلي قدرت بحوالي 47.922 ألف دولار، وبلغت نسبة البطالة في السويد حوالي 7.4% ونسبة التضخم عند 0.7% أما عن معدلات النمو فبلغ متوسطها في السنوات الخمس الماضية، حوالي 2.0%.

وأخيرًا، يبلغ عدد سكان النرويج حوالي 5.2 مليون نسمة، ويقدر الناتج المحلي فيها بـ356.2 مليار دولار ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي 68.403 ألف دولار. ويقدر معدل البطالة في النرويج بحوالي 4.2% ونسبة التضخم قدر بـ2.2%. أما معدل لانمو السنوي للخمس أعوام الماضية فبلغت 1.7%.

النموذج الاقتصادي للبلدان الاسكندنافية

أولا، وقبل البدء في ذكر الفكرة الرئيسية التي قامت عليها اقتصادات تلك الدول، لا يصح القول أن تلك البلدان معصومة عن الخطأ والحياة فيها تشبه الحياة في المدن الفاضلة لا تشوبها شائبة، فالمؤكد أن تلك البلدان تتعرض لأزمات ولديها مشاكلها الداخلية، إلا أن طريقة تعاطيها مع تلك الأمور هو ما يميزها، فضلا أن الأساس الذي قامت عليه هو الذي مكنها لتتمتع اقتصاداتها بمرونة عالية تتحمل صدمات وأزمات داخلية وخارجية عالمية.

وبينما تتخلى دول العالم الثالث عن القطاع العام عبر خصخصة المؤسسات، يقوم النموذج الاقتصادي لبلدان الشمال الأوروبي، على تطوير القطاع العام وتحقيق إصلاحات حقيقية بما يجعله أكثر كفاءة واستجابة لتوجهات الدولة، وهي أولى الميزات التي تمنح المواطنين مساواة وعدالة من حيث التعليم والعلاج والتمتع بالخدمات.

الاهتمام بالموارد البشرية من الرجال والنساء، من لحظة الولادة وحتى الممات، مهد ليكون أحد العوامل المهمة في النمو الاقتصادي كما يشير لذلك تقرير السياسات الاقتصادية الاسكندنافية في العام الماضي 2016.

الأمر الآخر، هو النظام الضريبي؛ للدول الاسكندنافية الذي يؤمن عائدات ضريبية كبرى تزيد على عائدات دول تفوقها في المساحة وعدد السكان مثل الولايات المتحدة. حيث تصل نسبة العائدات الضريبية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في الدول الاسكندنافية إلى 49% في حالة الدنمارك، وفي النرويج والسويد وفنلندا قرابة 45%.

ولدى مقارنة تلك النسب مع دول الخيج العربي، يلاحظ أنها لا تكاد تذكر! إذ لا تتجاوز 5.3% في أفضل الأحوال في السعودية، وتتراوح بين 1 و 3% فقط في بلدان الخليج الأخرى، على الرغم من أن الناتج المحلي الإجمالي متقارب في حالة السعودية والسويد، وفي حالة الإمارات والنرويج.

النظام التعليمي في الدول الاسكندنافية الذي توفره مجانًا لجميع المواطنين كعائد أساسي على الضرائب التي يدفعها المواطنون، يعد من أفضل النظم في العالم وأقواها

نسب الضرائب المرتفعة المفروضة في الدول الاسكندنافية لم تكن سوى لخفض الفجوة بين الأغنياء والفقراء عبر نظام ضريبي يعيد توزيع الثروة بين أفراد المجتمع بشكل عادل. وجنبًا إلى جنب مع القطاع العام الضخم الذي تديره الدولة وفق أفضل المعايير، فإن حكومات تلك الدول أعطت هامشًا مريحًا للشركات والاستثمارات، فمن الطبيعي أن تطرد الشركات عمالها لأزمة ألمت بها أو لتخفيض التكاليف. إلا أن أولئك العمال سيحصلون على تأمينات اجتماعية سخية من قبل الدولة ورعاية خاصة بعد فصلهم من العمل إلى أن يجدوا عملا آخر.

لذا فالنموذج الاسكندنافي يقوم على مزيج من اقتصاد السوق الحرة والمصلحة الاجتماعية والذي أفسح المجال ليتمتع المجتمع بخدمات من الدرجة الأولى، فضلا عن التعليم والرعاية الصحية المجانية وتعويضات تقاعد سخية.

النظام التعليمي في الدول الاسكندنافية الذي توفره مجانًا لجميع المواطنين كعائد أساسي على الضرائب التي يدفعها المواطنون، يعد من أفضل النظم في العالم وأقواها، حيث تشير تقارير عديدة عن جودة التعليم، إلى وجود الدول الاسكندنافية بالكامل ضمن أفضل 25 نظامًا تعليميًا على مستوى العالم.

نسب الضرائب المرتفعة المفروضة في الدول الاسكندنافية لم تكن سوى لخفض الفجوة بين الأغنياء والفقراء عبر نظام ضريبي يعيد توزيع الثروة بين أفراد المجتمع بشكل عادل

وتشير تقارير دولية حول سهولة تأسيس كيان جديد أو شركة ناشئة في مختلف الدول الاسكندنافية، حيث تصنف في أول 10 مراكز من القائمة، في الوقت الذي تظهر فيه أعلى دول خليجية، الإمارات في المركز 31، ثم البحرين في المركز 65، وقطر في المركز 68، بينما جاءت السعودية في المركز 82 في القائمة التي ضمت 189 دولة.

النموذج الممأسس في الدول الاسكندنافية رفع من اقتصادات تلك البلدان لتصبح من بين البلدان المتقدمة في العالم، كما منحت المواطن هناك حياة مرفهة بما تحمله من مقومات مهمة، كالتعليم والعلاج، ويبقى أن نشير أنه هذه التجربة تستحق النظر أكثر وبالأخص في بلداننا العربية التي عصفت بها أزمات اقتصادية وتحاول إعادة صياغة نموذج جديد لاقتصاداتها بعيدًا عن موارد الطاقة.