ترجمة وتحرير نون بوست

مؤخرا، تزايدت المخاوف، بشأن الخسائر البشرية لحملة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لاستعادة السيطرة على عاصمة تنظيم الدولة، الرقة، نظرا لأن العديد من التقارير أفادت بأن الغارات الجوية قتلت وأصابت مئات السوريين. وتثير هذه التقارير، التي لا يمكن تأكيد صحتها بشكل قاطع ولكن يعتبرها مسؤولو الأمم المتحدة موثوقا فيها، عدة تساؤلات عن مدى التزام الولايات المتحدة بحماية المدنيين في المعركة، وسط محاولات ترامب الفاشلة في تخفيف الاشتباكات.

وفي شأن ذي صلة، قال أغيد الخضر، أحد كبار المحللين في منظمة "صوت وصورة"، وهي منظمة تملك شبكة سرية من المراسلين في عاصمة تنظيم الدولة، "إن التحالف لا يتخذ أي احتياطات لتجنب وقوع ضحايا بين صفوف المدنيين". كما أضاف الخضر، "لا يتخطى عدد مقاتلي التنظيم 500 فردا، بيد أنه إذا أرادت قوات التحالف قتل أحد عناصر التنظيم فستدمر مبنى سكنيا وتزهق  أرواح جميع من فيه. ففي كل مرة يريدون قتل عناصر تنظيم الدولة، والإطاحة بهذا التنظيم، وتحرير المدينة، يقتلون عناصر التنظيم والسكان على حد السواء".

في الواقع، بدأت معركة تحرير الرقة، منذ شهرين، وتزامنت مع غارات على المدينة نُفّذت من قبل القوات الديمقراطية السورية، وهي اتحاد كونفدرالي تهيمن عليه وحدات حماية الشعب الكردية بمساعدة ميليشيات عربية. ويدعم هذه الحملة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي يُسلح قوات سوريا الديمقراطية، ويطلق مئات الغارات الجوية دعما للقوات البرية.

 في مدينة الرقة، إذا لم تمت من الضربات الجوية، فإنك ستموت بقذائف الهاون. وفي حال لم تلقى حتفك بقذائف الهاون فستموت بطلقات أحد القناصين

وتجدر الإشارة إلى أن ذلك قد جاء عقب حملة برية محكمة التخطيط للإطاحة بتنظيم الدولة وطرده من الأراضي الكبيرة المحيطة بالمدينة، ما أدى إلى نزوح مئات الآلاف من المدنيين، الذين فروا من بطش المقاتلين المسلحين، وأقاموا في مخيمات اللاجئين أو مع أفراد قبائلهم في شرق سوريا.
في الحقيقة، يُعتقد أن قوات سوريا الديمقراطية تسيطر على حوالي نصف الرقة، ولكن معركة استعادة بقية المدينة من المرجح أن تتطلب جهودا جبارة بسبب استخدام التنظيم للدروع البشرية والفخاخ المتفجرة على نطاق واسع. والجدير بالذكر أنه لا يمكن للمدنيين الهروب إلا من خلال دفع مبالغ ضخمة للمهربين. علاوة على ذلك، تقول منظمات الإغاثة إن المدنيين المحاصرين يفتقرون إلى الأغذية والأدوية اللازمة لعلاج الجرحى.

وفي شأن ذي صلة، أوردت فانيسا كراموند، المنسقة الطبية لتركيا وسوريا في منظمة أطباء بلا حدود، التي عالجت 415 مريضا في الرقة والمناطق المحيطة بها منذ حزيران/ يونيو، "لقد احتجز بعض مرضانا خلف الخطوط الأمامية طيلة  أيام وحتى أسابيع".

من جانب آخر أفاد أحد الجرحى المصاب بشظايا قنبلة، الذي يبلغ من العمر 41 عاما، بأنه "في مدينة الرقة، إذا لم تمت من الضربات الجوية، فإنك ستموت بقذائف الهاون. وفي حال لم تلقى حتفك بقذائف الهاون فستموت بطلقات أحد القناصين. وفي حال لم تمت من القناص فإنك ستتوفى بسبب عبوة ناسفة". وتجدر الإشارة إلى أن هذا المريض فقد سبعة من أفراد أسرته خلال المعارك. وأضاف المصدر نفسه، "إذا استطعت البقاء على قيد الحياة، فإن الجوع والعطش سيحاصرونك، لأنه لا يوجد طعام ولا ماء ولا كهرباء".

في المقابل، قوبل التقدم الذي أحرزته هذه الحملة العسكرية بسلسلة من التقارير المعادية، التي كشفت أن الغارات الجوية قد أسفرت عن مقتل عشرات المدنيين في الأسابيع الأخيرة، ودفن بعض العائلات تحت الأنقاض. وبالتالي، أثارت هذه التقارير العديد من التساؤلات حول ما إذا كان التحالف يتخذ الاحتياطات الكافية لحماية المدنيين، وكيف يمكن أن تحقق الرقة الاستقرار بعد دحر تنظيم الدولة.

وفي هذا الإطار، تقول جماعات حقوق الإنسان إنه يجب على التحالف أن يكون أكثر شفافية في كيفية اتخاذ قرارات الاستهداف، إذ يبدو أنه استهدف في بعض المناسبات مقاتلي تنظيم الدولة، مثل القناصة، الذين يتمركزون على أسطح المباني السكنية، مما يعرض مجموعات كبيرة من المدنيين للخطر في محاولة لقتل مسلح واحد.

قدرت منظمة "الحروب الجوية" أن حوالي 119 طفلا قتلوا في حملة تحرير مدينة الرقة، من أصل ما يقدر بحوالي 340 إصابة في صفوف المدنيين سجلت في شهري حزيران/ يونيو وتموز/يوليو

وحيال هذا الشأن، صرح نديم حوري، مدير برنامج مكافحة الإرهاب في هيومن رايتس ووتش، الذي زار مؤخرا محافظة الرقة، "هناك بالتأكيد دواعي للحذر والقلق، والحاجة إلى إعادة النظر في العملية التي يتم من خلالها اختيار الأهداف". والجدير بالذكر أن حوري أجرى تحقيقا في سلسلة من الضربات الجوية التي أجراها التحالف وتسببت في وقوع إصابات في صفوف المدنيين.

وفي سياق متصل، أضاف نديم حوري، "نحن نعلم أن تنظيم الدولة يحارب في المناطق المأهولة بالسكان، وفي بعض الأحيان يستخدم المدنيين كدروع بشرية قصد حماية عناصره". وأورد نفس المصدر قائلا، "إن التحالف ما زال ملزما بالحد من الخسائر في صفوف المدنيين، ومطالب باعتماد آلية قوية هناك. وفي حال فشل في ذلك، فإن العواقب ستكون وخيمة بالنسبة للمدنيين، لذلك من الضروري إجراء تحقيق في هذه الغارات".

وعلى ضوء هذه المعطيات، لم تستطع صحيفة الغارديان أن تتحقق من مدى صحة التقارير التي تسلط الضوء على عدد الضحايا بشكل مستقل، بسبب عدم القدرة على الوصول إلى الرقة والمناطق الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة. من ناحية أخرى، أفيد بأن أفراد أسرة مكونة من سبعة مدنيين قد قتلوا عندما قصفت غارات جوية منطقة سكنية في الرقة بتاريخ  4 تموز/ يوليو، بينما قتل 16 مدنيا يومي 16 و17 تموز/ يوليو في غارتين منفصلتين منفذة من قبل قوات التحالف.

من جهة أخرى، أعلن ناشطون محليون عن أن هناك تفجيرين آخرين للقنابل من جانب التحالف، جَدَّا في أواخر تموز/ يوليو وفي الأسبوع الأول من آب/ أغسطس، قدا أسفرا عن سقوط عدد ضخم من الضحايا. بالإضافة إلى ذلك، قيل إن 62 شخصا قد قتلوا في غارات جوية وقعت يوم 26 تموز/ يوليو في مناطق سكنية، وبعد يومين، لقي 15 شخصا من نفس الأسرة، بمن فيهم الأطفال، نحبهم في منطقة شماس.

أكد التحالف، في تقريره الشهري عن الخسائر الصادر في أواخر الأسبوع المنقضي، أنه "يأخذ جميع التقارير المتعلقة بسقوط الضحايا من المدنيين على محمل الجد"، إلا أن مجمل عدد القتلى منذ بدء العملية في آب/ أغسطس سنة 2014 لم يتجاوز151 قتيلا

 

وفي آب/ أغسطس، أفاد ناشطون بأن حوالي 50 شخصا، معظمهم من النساء والأطفال، قد قتلوا في حي بوسريا بعد غارة شنتها قوات التحالف على مبنى سكني. وفي هذا الشأن، بينت منظمة "الحروب الجوية، التي تعنى بتتبع عدد ضحايا الحملة، أن ما بين تسعة و50 مدنيا لقوا مصرعهم في هذا الهجوم. وفي نفس اليوم، قيل إن 11 شخصا من نفس العائلة قد قتلوا في قصف نفذه التحالف على منزلهم في حي التاصوية، في حين أفادت تقارير أخرى بأن 20 شخصا قتلوا بعد ذلك بيومين، في حيي البدو والتكنة.

فضلا عن ذلك، قدرت منظمة "الحروب الجوية" أن حوالي 119 طفلا قتلوا في حملة تحرير مدينة الرقة، من أصل ما يقدر بحوالي 340 إصابة في صفوف المدنيين سجلت في شهري حزيران/ يونيو وتموز/يوليو، علما بأن عدد الضحايا قد ارتفع بشكل كبير في الأسابيع الأخيرة. ويقدر المرصد السوري لحقوق الإنسان، وهي منظمة تعنى بمراقبة الحرب، أن حوالي 523 مدنيا لقوا مصرعهم خلال شهرين من القتال.

ومن جهته، أكد التحالف، في تقريره الشهري عن الخسائر الصادر في أواخر الأسبوع المنقضي، أنه "يأخذ جميع التقارير المتعلقة بسقوط الضحايا من المدنيين على محمل الجد"، إلا أن مجمل عدد القتلى منذ بدء العملية في آب/ أغسطس سنة 2014 لم يتجاوز151 قتيلا، بعد تنفيذ ما يقارب 23 ألف غارة جوية.

المصدر: الغارديان