الجمعة 7 من يوليو الساعة الثانية والربع ظهرًا نشر المتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية بيانًا رسميًا أعلن فيه أن قوات إنفاذ القانون بشمال سيناء نجحت في إحباط هجوم إرهابي للعناصر التكفيرية على بعض نقاط التمركز جنوب رفح وقتلت أكثر من 40 فرد تكفيري ودمرت 6 عربات بينما قتل وأصيب من قوات الجيش 26 فردًا فقط.

جاء بيان المتحدث العسكري ليحسم تضارب الروايات منذ صباح هذا اليوم عن هجوم عنيف تتعرض له إحدى أهم فرق النخبة من قوات الصاعقة المصرية في منطقة شمال سيناء، كان البيان العسكري يعلن انتهاء الهجوم والقضاء على المهاجمين، ورغم الخسائر فلقد تحقق النصر.

ولكن حقيقة ما حدث في هذا اليوم كانت مختلفة، الأجهزة الرسمية وأدواتها الإعلامية كانت تعرف أنها تكذب وأن ما حدث كان كارثيًا، هم فقط حاولوا أن يستلهموا التجربة الناصرية في الكذب، ولكنهم تناسوا أنهم ورغم التعتيم الإعلامي واستهداف كل من يتحث عن سيناء، فإن فرض الظلام الدامس في عصر السماوات المفتوحة أصبح مستحيلًا.

ومن هنا كان جمع وتحليل ما حدث في هذا اليوم مهمًا، من أجل إتاحة معرفة الحقيقة للجميع، في ظل تضارب الراوية الرسمية مع الروايات الإعلامية مع بعض المراكز البحثية.

قمت بتتبع الحادثة وتفنيدها عبر تقرير سيناء الشهري الصادر من المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، من خلال التسلسل التالي والذي قمنا بتدعيمه بالصور والفيديوهات:

هجوم كمين البرث

ـ بدأ الهجوم مع أول ضوء لفجر يوم 7 من يوليو، حيث قامت مجاميع صغيرة من تنظيم ولاية سيناء بالتقدم والتمركز في منطقة البرث جنوب مدينة رفح، للقيام بهجوم استباقي ضد الكتيبة 103 صاعقة التي تقدمت وتمركزت عند "دار راشد أبو عقلة" بهدف القيام بعمليات إغارة وسيطرة ضد مناطق سيطرة التنظيم المتبقية في جنوب رفح.

بدأت العملية بهجوم ناري بالرشاشات المتوسطة من مجموعات الإسناد النيراني التابعة للتنظيم بهدف الإشغال، بينما تقدمت سيارة مفخخة لتفجر نقطة التمركز الرئيسية لقوات الكتيبة، ليعقب ذلك وبشكل سريع اقتحام مجموعة ممن يطلق عليهم انغماسين "قوات خاصة تابعة للمسلحين" لمنطقة تمركز الوحدة. (شكل 2)

 

ـ أرسل المتبقون من أفراد الصاعقة بعد انفجار السيارة المفخخة إشارة استغاثة للقيادة العسكرية لكي يرسلوا قوات دعم وإنقاذ، وبالفعل تم إرسال وحدة دعم عسكري لإنقاذ الكمين بشكل سريع، ولكن مسلحي التنظيم كانوا قد احتاطوا لذلك فدفعوا بسيارة مفخخة تجاه قوات الدعم والمؤازرة لتنفجر بهم، ثم خاضوا قتالاً تعطيليًا مع ما تبقى من القوات لحين انتهائهم من الهجوم الرئيسي على كمين البرث (شكل 3).

شكل 3: هجوم السيارة المفخخة على قوة الدعم

 

ـ في حدود الساعة الخامسة صباحًا حاول مسلحون محليون موالون ومدعومون من قوات الجيش من بعض أبناء قبيلة الترابين، التقدم لنجدة الكمين إلا أن غرفة العمليات التابعة للجيش منعتهم من التقدم وأمرتهم بانتظار الدعم العسكري القادم والدخول معه، وأيضًا حتى لا يتم ضربهم بالخطأ من قبل الطيران الحربي، وهذا (فيديو) يظهر انتظار تلك المليشيات المحلية لقوات الجيش كي يتدخلوا لإنقاذ الكمين.

ـ لم يظهر الطيران الحربي بشكل فعال إلا بعد نحو 4 ساعات من بدء الهجوم، وهذا في الساعة الثامنة صباحًا تقريبًا، وهذه صورة طائرة حربية مصرية صورها المسلحون بعد شروق الشمس بفترة.

ـ قصفت الطائرات الحربية ما اعتبرته مواقع للمسلحين بقنابل عنقودية، ولكنها لم تقصف أماكن تمركز المسلحين، بل قصفت بعيدًا عن أماكنهم مما ألحق أضرارًا بمنازل المدنيين المهجرين، وهو ما أظهره فيديو لوكالة أعماق الإخبارية التابعة لتنظيم الدولة، ونشرت بعض المواقع الإخبارية صورًا منه ومنها ما نشرته صفحة (الجزيرة مصر).

ـ قال المتحدث العسكري إن قوات إنفاذ القانون بشمال سيناء نجحت في إحباط هجوم إرهابي للعناصر التكفيرية على بعض نقاط التمركز جنوب رفح وقتلت أكثر من 40 فرد تكفيري ودمرت 6 عربات، بينما قتل وأصيب من قوات الجيش 26 فردًا فقط.

ـ بالمقارنة بين بيان المتحدث العسكري والصور التى تم نشرها للهجوم، اكتشفنا كذب البيان الرسمي، حيث وجدنا الصورة التالية للمسلحين بعد سيطرتهم على مقر الكتيبة 103، وهو ما يدفعنا للتساؤل عن أي نجاح يتحدث المتحدث العسكري؟!

أيضًا ذكر المتحدث العسكري أنه قد قتل 40 من المسلحين، في حين أنه وفق الصور التي نشرها وصور أخرى نشرها الضباط الذين وصلوا للكمين بعد الهجوم، فلم يكن هناك قتلى من المسلحين سوى 5 أفراد فقط (شكل 5).

ـ ذكرت الهيئة العامة للاستعلامات في تحليلها للهجوم وفق ما نشر على موقع جريدة (اليوم السابع)، أن هذه ثاني أكبر عملية تستهدف قوات الجيش منذ الأول من يوليو 2015، وهذا غير دقيق من عدة أوجه، فعمليات يوليو 2015 كان التنظيم يطمح من خلالها للسيطرة وهاجم جميع الارتكازات العسكرية بمنطقة الشيخ زويد، بينما في هذه العملية شن التنظيم ضربة استباقية ضد حملة عسكرية من القوات الخاصة جاءت لاقتحام مواقعه، إذًا في الحالة الأولى كان التنظيم في حالة هجوم للسيطرة، وفي الحالة الثانية في حالة دفاع نشط.

ـ ذكر بعض الإعلاميين والصحفيين أن المليشيات المحلية المشكلة من الجيش من أتباع "موسى الدلح"، تقاعست عن إنقاذ الكمين في حين أن هذا الـ(فيديو) يظهر عكس ذلك، وغرفة عمليات الجيش من منعتهم.

ـ ذكر مركز نورس للدراسات عبر حسابه على تطبيق تليجرام، أن المقدم أ.ح أحمد صابر المنسي قائد الكتيبة 103 صاعقة، لم يكن من ضمن القتلى كما أعلن، بل قتل قبلها بأيام في المنطقة الشرقية بدولة ليبيا، وبمراجعة ما ذكره مركز النورس وجدنا أنه اعتمد على روايات متداولة على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، وأصل هذه الروايات منشور لشخص يدعى "Wed Mohamed Yosif" يذكر فيه تلك المعلومة، ولكن بمراجعة التعديلات على المنشور، اكتشفنا عدم دقة الشخص حيث أضاف اسم المقدم بعد حادثة الهجوم على كمين البرث، وهو خطأ وقع فيه مركز النورس بالاعتماد على مصادر غير موثقة، صورة للمنشور:

ختامًا لم يذكر المتحدث العسكري في بيانه أن الهجوم أدى لمقتل 23 عسكريًا منهم خمسة ضباط، وإصابة 33، وكان أسماء القتلى كالتالي: (مقدم أ.ح أحمد صابر المنسي قائد الكتيبة 103 صاعقة، نقيب أحمد عمر الشبراوي، ملازم أول أحمد محمد محمود حسانين، عريف محمد السيد رمضان، نقيب محمد صلاح محمد، ملازم أول خالد محمد كمال المغربي، جندي علي علي السيد إبراهيم، جندي محمد عزت إبراهيم، جندي مؤمن رزق أبو اليزيد، جندي فراج محمد محمود، سائق عماد أمير رشدي يعقوب، محمد محمود محسن، أحمد محمد علي نجم، علي حسن محمد الطوخي، جندي محمود رجب السيد فتاح، جندي محمود صبري محمد، جندي محمد صلاح جاد عرفات، جندي محمد محمود فراج، جندي أحمد العربي مصطفى، مندوب مدني صبري، مجهول الهوية، مجهول الهوية، مجهول الهوية).