رغم ادعائه أنه الحارس على قيم ومفاهيم الأمم المتحدة والأمين العام على ميثاقها والحريص على نزاهتها ومصداقيتها والراعي لمبادئها ومُثلها والممثل لها والمعبر عن توجهاتها والناطق الأول باسمها والساعي لتحقيق أهدافها وفرض قواعدها وتطبيق قوانينها وعدم مخالفة سياساتها، فإنه أول من ينتهك قيمها ويخالف ميثاقها ويتنكر لتعاليمها وينقلب على مفاهيمها.

فبدلًا من محاربته للتفرقة والعنصرية والتمييز على أساس الجنس والعرق واللون والدين، نجده أول من يرتكب بنفسه جريمة التمييز العرقي، ويمارس العنصرية المقيتة بأبشع صورها وأسوأ مظاهرها، دون خوف أو خجل أو تردد وحياء أو أدنى إحساس بخيانة الأمانة وانتهاك قدسية المهمة، بل بدا أنه يجاهر بمواقفه ويتحدى بتصريحاته ويصر على سياساته ويتمادى في وقاحته، غير عابئ بمعاناة المظلومين وآهات المعذبين ومظلومية الفلسطينيين.

نحن لا نفتري على الأمين العام للأمم المتحدة ولا نبهته، ولا ندعي عليه ونصفه بما ليس فيه، ولا نحاول تشويه صورته ولا بيان عيوبه ومخازيه، وإن كان لا يعنيه إبراز عيوبه، ولا يقلقه فضح ممارساته، ولا يغضبه اتهامنا له وانتقادنا لسياسته، بقدر ما نصف حالته ونوضح حقيقته ونكشف للمراهنين عليه وعلى مؤسسته والمؤمنين به وبمنظمته زيف مبادئه وكذب مواثيقه وانحيازه المشين وتأييده المهين لدولة الاحتلال وصمته المريب عن سياساتها وقبوله بممارساتها وإدانته المظلومين بلسانها وشجبه للمعتدى عليهم إكرامًا لها ونزولًا عند رغبتها، وكأنه يريد أن يشتري ودهم ويكسب حبهم ويبقي على تأييدهم له ودعمهم المطلق لمهمته.

أما لماذا هذا الاستياء الشديد من شخصية الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والنقد المقصود لمهمته وسياسته والسخط على تصرفاته والغضب من تصريحاته، فهو ليس كرهًا لشخصه ولا تحقيرًا لذاته ولا إساءة لجنسيته ولا إهانة لمنصبه، بل لأنه اصطف في زيارته إلى منطقتنا العربية مع الباطل وساند الظالم وأيد سلطات الاحتلال الإسرائيلي في بغيها، وساعدها في عدوانها، وانتصر لها علينا وهي المحتلة لبلادنا والمعتدية علينا والظالمة لنا، رغم أنه يرى المظالم الفلسطينية ويدركها ويقرأ التقارير التي تعدها مؤسساته ويكتبها مندوبوه عن الشعب الفلسطيني ومعاناته وعن سلطات الاحتلال وممارساتها، لكنه تعامى عن الحق وانساق وراء الباطل، فأفسد وظيفته وشوه مؤسسته وأساء إلى دورها ورسالتها.

الأمين العام للأمم المتحدة على جلالة قدره وسمو منصبه، جاء إلى المنطقة محاورًا ومفاوضًا نيابة عن الإسرائيليين، وكأن مهمته تقتصر فقط على قضية الجنديين الأسيرين الذين أسرتهما المقاومة الفلسطينية

فقد خضع الأمين العام للأمم المتحدة، في زيارته الأولى للمنطقة بعد توليه مهام منصبه الأممي للضغوط الإسرائيلية، واستجاب لشروطهم، وجعل من نفسه خادمًا لهم ومنفذًا لسياستهم، وسخر لسانه ليعبر عن مخاوفهم ويتبنى هواجسهم، وسبق لقاءاته معهم بجملة تصريحات تطمئنهم وتريحهم وتعبد الطريق له أمامهم، وكان قد أبطل تقريرًا يتهم الكيان الصهيوني بالعنصرية، ويحمله مسؤولية التدهور العام في حياة الفلسطينيين.

لكن الأمين العام الذي أبطل التقرير إرضاءً لدولة الكيان، وسكت عن جرائمها استرضاءً وانحيازًا لها،  أدان أسر المقاومة الفلسطينية للجنود الإسرائيليين، ودعا الجهات الآسرة إلى كشف مصيرهم وسرعة الإفراج عنهم، وهدد حركة حماس من مغبة الإصرار على موقفها الرافض لبيان حال الجنديين، ودعاها للتعجيل بتطمين عائلاتهم وتمكينهم من مراسلتهم والتواصل معهم.

يبدو أن الأمين العام للأمم المتحدة على جلالة قدره وسمو منصبه، قد جاء إلى المنطقة محاورًا ومفاوضًا نيابة عن الإسرائيليين، وكأن مهمته تقتصر فقط على قضية الجنديين الأسيرين الذين أسرتهما المقاومة الفلسطينية وهما على ظهر دبابتهما يقاتلان ويقصفان ويدمران ويجتاحان.

ونسي الأمين العام على ميثاق الأمم المتحدة والحارس على حقوق الإنسان ومبادئ العدالة والمساواة بين الشعوب، آلاف الفلسطينيين من الرجال والنساء والأطفال المعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، الذي يعذبهم فيها ويضطهدهم، ويقسو عليهم ويحرمهم من أبسط حقوقهم الإنسانية ويفرض عليهم شروطًا قاسية ويمنع أسرهم وعائلاتهم من زيارتهم، وإن سمح لهم فإنه يذيقهم الهوان ألوانًا ويجرعهم المر أصنافًا، قبل السماح لهم بالزيارة التي غالبًا ما تكون لفترة قصيرة ولعدد محدود من أفراد أسرهم الذين يحال بينهم بجدران زجاجية سميكة تحجب الصوت وتمنع التعبير عن المشاعر والأحاسيس وتحول دون المصافحة أو تقبيل الأطفال واحتضانهم.

ما يقوم به ليس إلا عنصرية قديمة وسياسة كولونالية مقيتة، لا يقبل بها الأحرار ولا يسلم بها الفلسطينيون، مهما اختلفت موازين القوى وتباينت معايير الحق.

وقد أصغى الأمين العام للبكائية الإسرائيلية والمرثية اليهودية التاريخية، واقتنع بمظلوميتهم وعدم إنصاف المجتمع الدولي لهم، إذ شكوا إليه الانحياز الأممي ضدهم، ومعاداتهم المكشوفة للسامية، وإنكار بعضهم للظلم الذي وقع عليهم والمحرقة التي تسببت في إبادتهم، ولأجلهم زار النصب التذكاري للهولوكوست، ووضع أمامه إكليلًا من الورد باسم الأمم المتحدة.

ودعوه إلى تصحيح مفاهيم الأممية والتوقف عن توظيف الجمعية العامة للأمم المتحدة ضدهم وتسخير منبرها للتنديد بهم والتحريض عليه والتوقف عن مناصرة الإرهاب الفلسطيني، إذ إن الجمعية العامة للأمم المتحدة تتيح المجال لداعمي الإرهاب ومعارضي "إسرائيل" لرفع أصواتهم من فوق منابرها، وتهديد وجود ومستقبل كيانهم وهو العضو في الجمعية، وإلا فإن المنظمة الدولية ستعاني من نقص في مواردها، في إشارة إلى التهديد الأمريكي بوقف الدعم المالي عنها.

كيف يقبل الأمين العام للأمم المتحدة أن يكون منحازًا غير منصف، ومواليًا غير نزيه، وبوقًا للظلم ومنبرًا للطغيان وسندًا للعدوان، فهو يميز بين بني الإنسان ويفرق بين البشر، ويرسي بسياسته قواعد عنصرية مقيتة تقوم على الهيمنة والاستعلاء والسيطرة والتحكم، في الوقت الذي يدعو فيه المجتمع الدولي لمحاربتها والتخلص منها، فهي مفاهيم بالية ومعايير فاسدة، كانت قديمًا وبادت، إلا أن الأمين العام للأمم المتحدة يحن إليها ويريد أن يستعيدها ويبعث فيها الحياة إرضاءً لشعب وتأييدًا لكيان.

فهل يقبل المجتمع الدولي بانحيازه ويسكت عن سياساته، أم يرفع صوته عاليًا في وجهه، ويطالبه بالعدل والإنصاف، والكف عن الغي والضلال، فما يقوم به ليس إلا عنصرية قديمة وسياسة كولونالية مقيتة، لا يقبل بها الأحرار ولا يسلم بها الفلسطينيون، مهما اختلفت موازين القوى وتباينت معايير الحق.