لطالما اتسمت العلاقات بين تركيا وإيران بالتأرجح بين التصعيد تارة والهدوء تارة أخرى، فالتحركات الأخيرة على أرض الواقع ترسم مشهدًا معقدًا من الناحية السياسية والعسكرية والاقتصادية، تخللته انفراجة في وجهات النظر حملتها تصريحات وزيارات متبادلة تشي بالتوافق حيال بعض القضايا والملفات المشتركة.

وشهدت أنقرة مؤخرًا حراكًا مهمًا يتعلق بشكل أساسي بملفي العراق وسوريا، شمل زيارة تاريخية لرئيس أركان القوات المسلحة الإيراني محمد حسين باقري إلى تركيا، تبعها تصريحات للرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن إمكانية العمل بشكل مشترك مع إيران على المستويات السياسية والعسكرية من أجل مواجهة التنظيمات والتهديدات الإرهابية.

هذا التقارب الذي جاء بعد سنوات من تبادل الاتهامات بين طهران وأنقرة بتمويل الإرهاب ودعمه خاصة في سوريا والعراق، يطرح العديد من التساؤلات بشأن دلالات التقارب المفاجئ في هذا التوقيت، وانعكاساته على توازن القوى في المنطقة في ضوء اختلاف طال موقفي طهران وأنقرة في سوريا، وصولًا إلى حدود التغير في العلاقات بين الجانبين، فهل هو تغيير مؤقت أم مستمر؟

تركيا وإيران وما بينهما

زيارة "باقري" تمثل محطة مهمة في العلاقات الثنائية بين البلدين، ليس فقط لأنها الأولى من نوعها منذ الثورة الإسلامية عام 1979، لكن لسياقاتها والملفات المدرجة على جدولها، فالزيارة كشفت  قدرًا كبيرًا من التنسيق بين الدولتين، تُوج بتوقيع اتفاق عسكري لم تتكشف أهدافه الحقيقية بعد.

كما يمكن اعتبارها إشارة واضحة لانتقال الطرفين إلى مساحة من التعاون وتنسيق المواقف، بعد سنوات من التنافس والمواجهة غير المباشرة في سوريا والعراق، لكنها أيضًا جاءت لتثير التساؤل بشأن الأهداف والدوافع وراء هذا التغير في العلاقات بين الجانبين في التوقيت الحاليّ.

استقلال كردستان بالنسبة لدول الجوار ربما يحمل حلقات من الصراع لا تحمد عقباها

وفي العام الأخير، سُجلت أزمة دبلوماسية بين تركيا وإيران على إثر تصريحات أدلى بها الرئيس التركي  رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته مولود جاويش أوغلو، تتحدث عن سعي إيران لـ"التوسع الفارسي، ونشر التشيع في سوريا والعراق، وتقويض سلامة دول خليجية"، إلا أن عوامل عدة طرأت على المشهد الإقليمي تسببت في تأزم  العلاقة بين الطرفين، منها وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سدة الحكم وإعلانه التخوف كأنقرة من التغول الإيراني في المنطقة.   

وعلى الرغم من العلاقات الاقتصادية القوية التي تربط بينهما، اشتهرت العلاقة بين تركيا وإيران بالتنافسية التي يقض مضاجعها العديد من الملفات بين الدولتين الإقليميتين الكبيرتين.

ويعد الملف الأكثر تأثيرًا في هذه العلاقة ملف سوريا والعراق، إذ خُلق تناقض واضح في الرؤى والمصالح والمواقف، ففي سوريا دعمت إيران النظام السوري بكل قوتها بينما اختارت تركيا دعم المعارضة السورية بكل قوتها أيضًا.

لكن اتفقت الجارتان التركية والإيرانية - في الظاهر - في تخوفهما من انفصال كردستان، فذرات البارود تتطاير من صفحات تاريخ علاقاتهما بالأكراد، لذلك رفضت الدولتان أي محاولات تهدد وحدة أراضي العراق، فاستقلال كردستان بالنسبة لدول الجوار ربما يحمل حلقات من الصراع لا تحمد عقباها.

رئيس أركان القوات المسلحة الإيراني محمد حسين باقري مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

 الأكراد.. السر وراء تجاذب الأضداد

رغم أن أردوغان ترك الباب مفتوحًا في معرض حديثه عما أسماها "التنظيمات الإرهابية" في تركيا وإيران، فإن التحرك الذي وصفه الرئيس التركي أنه سيكون فعالًا سيقتصر على قضية الأكراد التي لطالما شكلت أكبر صداع لأنقرة بشقيها التركي والإيراني.                          

وبعد سنوات من تبادل الاتهامات بين طهران وأنقرة بتمويل الإرهاب ودعمه خاصة في سوريا والعراق، يرسم البعض صورة كاملة عن أهداف التقارب المفاجئ، تُقرأ في سياق محاولة الطرفين إحباط مساعي تكوين تكتلات كردية مستقلة سواء في العراق أو سوريا، فقيام دولة كردية بخلط أوراق الساسة في المنطقة.

من هنا تأتي أهمية أن  يتصدر الملف الكردي جدول أعمال الضيف الإيراني محمد حسين باقري في أنقرة، وذلك باعتباره محطة على طريق استقلال إقليم كردستان، وما له من انعكاسات سلبية على الملف الكردي في كلا البلدين، وقد حذَر وزير الخارجية التركي من أن يؤدي الاستفتاء إلى حرب أهلية عراقية، كما أكد باقري رفض طهران وأنقرة له واعتباره بداية توتر جديد في المنطقة.  

ومع ارتفاع وتيرة الأعمال المسلحة للأكراد بالداخل الإيراني وازدياد هجماتهم ضد تركيا عبر "حزب  العمال الكردستاني" من داخل الأراضي الإيرانية والسورية والعراقية، اندفعت أنقرة نحو التقارب مع طهران والاتفاق على إقامة جدار عازل على الحدود معها للحد من تلك العمليات الإرهابية ضدها، والاتفاق خلال محادثات الزيارة على تعزيز التعاون الاستخباراتي والأمني ومراقبة الحدود، منعًا لانتقال الأكراد من وإلى البلدين.

أكراد تركيا يمثلون نحو 20% من سكانها، الأمر الذي يؤثر على حالة الاستقرار الأمني والسياسي بها

وبلغت حساسية الملف الكردي ذروتها مع دعوة رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني، للاستفتاء على استقلال الإقليم في 25 من سبتمبر/أيلول 2017، لذا بات إنشاء دولة كردية على حساب أجزاء من أراضي إيران وتركيا وسوريا والعراق أمرًا مرفوضًا لتركيا أو إيران.

ويبقى التقارب بين الجانبين الأهم والأكثر تأثيرًا، في ظل الدعم الأمريكي المقدم للمنظمات الكردية المسلحة في سوريا، والاعتماد عليها في معركة الرقة، مما يعني أن الولايات المتحدة لم تعد حليفًا لأردوغان في القضية الكردية، لا سيما بعد الصدمة التي سببها قرار دونالد ترامب بتسليم أسلحة ثقيلة للكرد السوريين.

عبد الله أوجلان مؤسس حزب العمال الكردستاني في تركيا

لهذه الأسباب وغيرها تتطابق مصالح أنقره مع مصالح طهران بشأن القضية الكردية، لا سيما أن أكراد تركيا يمثلون نحو 20% من سكانها، الأمر الذي يؤثر على حالة الاستقرار الأمني والسياسي بها ويدفع الأقليات الأخرى إلى المطالبة بدول مستقلة، مما يؤدي إلى تفتيت الدولة التركية وإثارة النزعات الانفصالية، لذلك استخلص أردوغان من خلال تجربته الغنية في سوريا أن من الأفضل التفاهم مع إيران.

ما وراء التوافق

بعيدًا عن الملف الكردي، يمكن الإشارة في هذا الصدد إلى أنه على الرغم من الاختلاف بين أنقرة وطهران فيما يخص القضية السورية ودعم الأسد، فإن هناك الكثير من العوامل المشتركة تفرض عليهما التعاون:  

أولًا: روسيا وأمريكا.. التقارب المضاد

يمكن تفسير التحرك التركي ـ الإيراني الإقليمي بأنه محاولة مشتركة لإعادة توزيع  الأدوار للضغط على روسيا التي ترمي إلى الاستفراد بالسيطرة العظمى، وعلى الولايات المتحدة التي تسعى إلى توسيع مناطق نفوذها في سوريا على حساب مصلحة البلدين.

ولعل الاتفاق بين أمريكا وروسيا بشأن الوضع فى سوريا واليمن وليبيا، أبرز الأسباب التى جعلت من التقارب الإيرانى - التركى جزءًا لا بد منه من أجل وقف المخطط الذى يحاك بمصالحهما، حيث  تسعى الولايات المتحدة وروسيا إلى تأمين مصالحهما في سوريا دون الأخذ في الاعتبار المصالح التركية الإيرانية.  

ثانيًا: الأزمة الخليجية وتغيير خريطة التحالفات

ورغم وجود الجانب التركي مع السعودية ومساندتها في بعض مهامها خاصة السورية منها، والتي تعادي الجانب الإيراني بشكل أو بآخر، فإن الأزمة الخليجية القائمة ألقت بظلالها على علاقات الرياض وأنقرة، عقب الموقف التركي الداعم لقطر، وهو ما دفعها إلى التوجه نحو طهران كبديل ولو مؤقت، فأنقرة تعي تمامًا أنها لا يُمكنها الوثوق بطهران منافستها الرئيسية في المنطقة.

على الرغم من استحالة نشوء صداقة سريعة بين تركيا وإيران، فإنهما أظهرا استعدادًا براغماتيًا للتعاون معًا في القضايا المتعلقة بمصالحهما المشتركة على مر السنين   

وخلق حصار قطر معادلة جديدة جمعت تركيا وإيران في موقف واحد مقارب للدوحة، ضد ما تريده غالبية الدول الخليجية، فأحدث ذلك توترًا سياسيًا انعكس سلبيًا على العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع معظم دول الخليج، وإيجابيًا بين علاقات تركيا وقطر وإيران ضد محور السعودية.

وفي هذا السياق، دفع تقارب وجهات النظر بشأن حصار قطر إلى النظر في تقدير توازنات قوى جديدة تخدم مصالحهما الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية، لا سيما في العراق، حيث تشير بعض التوقعات إلى إمكانية تخلي إيران عن توفير غطاء عسكري لوجستي لحزب العمال الكردستاني الرابض في بعض مناطق إقليم شمال العراق، خاصة في إقليم سنجار، مقابل إظهار تركيا بعض المرونة حيال حل الأزمة السورية والدور الإيراني فيها.

ثالثًا: براغماتية العلاقات تقتضي التعاون

تفرض تهديدات ومصالح مشتركة بين الدولتين المتقاربتين التعاون الاقتصادي في مجال الطاقة، حيث ترغب تركيا في أن تصبح المعبر الرئيسي لتدفقات  النفط والغاز إلى السوق الأوروبية، وتأمل في إقناع إيران بتمهيد طريق عبر أنبوب غاز يسمح لتركمانستان وأوزبكستان وكازاخستان بتجاوز روسيا من خلال تصدير غازها الطبيعي إلى أوروبا عبر تركيا.

وفي هذا الصدد، يقول تقرير لمركز ستراتفور الأمريكي إنه على الرغم من استحالة نشوء صداقة سريعة بين تركيا وإيران، فإنهما أظهرا استعدادًا براغماتيًا للتعاون معًا في القضايا المتعلقة بمصالحهما المشتركة على مر السنين.   

ووجدت مصالح أنقرة وطهران توافقًا ليس فقط في المسائل العسكرية، وإنما  التجارية والاقتصادية  أيضًا، حيث يتم العمل حاليًا على تطوير حقول النفط والغاز الطبيعي في إيران، وهو ما يمكن تركيا التحول تدريجيًا من الاعتماد على الغاز الطبيعي الروسي إلى الإيراني،  لأكثر من 150 سنة، وكان ذلك أهم نتائج اجتماع رئيسي تركيا وإيران في إسلام آباد.

قوات البيشمركة الكردية التابعة لإقليم كردستان العراق

"إسرائيل" والأكراد.. عدو عدوي صديقي    

هكذا يحاول أردوغان إدارة لعبة جيوسياسية معقدة، بينما ترقبه "إسرائيل" بعين ثاقبة، تظهر توجسًا من حدوث أي توافق بين تركيا وإيران وروسيا، يمكن أن يغير خريطة اللعبة السياسية في المنطقة.

ومؤخرًا ظهر القلق الإسرائيلي بوضوح إثر الزيارات المتبادلة بين أنقرة وطهران، وأبدت تل أبيب تخوفها من تعميق العلاقات العسكرية بين إيران وتركيا بعد تتابع الشراكات الاقتصادية الضخمة، والتي ستغري من وجهة النظر الإسرائيلية الأتراك والروس بالمضي قدمًا نحو الاندفاع صوب إيران، الأمر الذي يعزز من تأثير طهران في البيئة الإقليمية، خاصة أن "إسرائيل" تنظر بعين الريبة إلى النفوذ الإيراني المتنامي، والذي قد يكون عجل من اتفاقية القاعدة العسكرية التركية في قطر، فكلا من قطر وتركيا أبقيت على الحوار مع طهران.

ووصلت المخاوف الإسرائيلية إلى حد اعتبار مدير عام مركز يروشليم لدراسة الجمهور والدولة دوري غولد، أن العلاقات بين تركيا وإيران قد يتمخض عنها تدشين ممر بري يربط إيران بكل من العراق وسوريا ولبنان، بشكل يفضي إلى إحداث تحول سلبي على بيئة "إسرائيل" الإقليمية، حسب ما نقلت صحيفة "ميكور ريشون" العبرية.

وعقب الزيارة الإيرانية الأخيرة التي قام بها رئيس أركان الجيش الإيراني محمد باقري إلى تركيا، علق الكاتب الإسرائيلي أريئيل كهانا، في موقع "إن آر جي" بقوله إن تركيا وإيران وهما قوتان عسكريتان كبيرتان في المنطقة، انضمتا مؤخرًا إلى قوة عسكرية أكبر منهما ممثلة في روسيا عبر طريق صفقة نفط وغاز طبيعي، فتحسن علاقات طهران وأنقرة يزيد القلق الناتج عن تشكيل هلال شيعي في الشرق الأوسط.

كان الموقف الإسرائيلي - الذي عبر فيه نتنياهو في وقت سابق عن تأييده لفكرة انفصال شمال العراق - داعمًا لمشروع الانفصال

أما الكاتب الإسرائيلي آساف غيبور، فيقول في ذات الموقع: "رغم أن الثورة التي شهدتها سوريا في السنوات الـ6 الماضية أدت إلى توتر علاقات تركيا وإيران لأن الأولى دعمت الثورة السورية والثاني دعمت النظام، لكن البلدين يعودان حاليًا لتعزيز علاقاتهما".

وأشار دوري غولد مدير العام سابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية ومقرب من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى أن "إسرائيل" ترى في هذه الزيارة تطورًا غير جيد ومثير للإزعاج، فإيران تحاول تقوية تأثيرها في المنطقة، وتبذل جهودًا لفتح ممر بري يربطها بالعراق وسوريا، وانتهاء بحزب الله في لبنان.

وأضاف غولد "إذا نجحت طهران بتعميق علاقاتها العسكرية مع دول المنطقة وعلى رأسها أنقرة، فهذا أمر سيئ لـ"إسرائيل"، وهو ما يتطلب منها متابعة ما أسفرت عنه زيارة الجنرال الإيراني لتركيا ولقائه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان".

وعلى خلاف مواقف تركيا وإيران الرافضة لانفصال كردستان، إلا أن ثمَة دولة واحدة فقط كانت الداعم الأساسي لتلك الخطوة، فقد  تعاظمت الدعوات في "إسرائيل" لتأييد هذه الخطوة، وكان الموقف الإسرائيلي - الذي عبر فيه نتنياهو في وقت سابق عن تأييده لفكرة انفصال شمال العراق - داعمًا لمشروع الانفصال.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الإيراني حسن روحاني

تقارب محفوف بالفشل

رغم ما أفرزته المحادثات والزيارات المتبادلة من توافق بين الجانبين فيما يخص التنسيق بشأن الأهداف المشتركة، يبقى السؤال عن مدى إمكانية تحقيق تحالف مستمر بين البلدين قائمًا في ظل التاريخ المتأرجح من التنافس واختلاف رؤية كل منهما للتقارب الحاليّ.

يرى بعض المحللين أن ذلك التقارب المرحلي الذي يجري بين البلدين لا يعني سهولة إقامة تحالف، فإيران تقابل رغبة تركيا في الانفتاح على أساس أنها تنازل عن سياسة سابقة ومن زاوية اليأس التركي، فيما ترى أنقرة أن لا تغير جوهري في سياستها، وإنما مقاربة جديدة لكيفية حل أزمات المنطقة.

كما يبقى هناك تباين بين البلدين يمنعهما من تحقيق التحالف فيما يخص قضية الأكراد، فمثلاً يُلاحظ أن كل دولة لديها من المواقف المتضاربة مع الأكراد ما يكفي لإشعال فتيل الحرب، ليست حربًا مع الأكراد فحسب، بل حرب بين الدولتين أنفسهم أيضًا.

ويرجع ذلك إلى تباينات عدة، فالرفض الإيراني المطلق لاستقلال "كردستان" يُقابَل برفض تركي ولكن ليس بالدرجة ذاتها، انطلاقًا من حساباتها فيما يخص العلاقة مع الإقليم والتنسيق لوقف هجمات "العمال الكردستاني" ضدها.                          

وفي السنوات الأخيرة، بدا جليًا أن هناك تصادم وتعارض في الرؤى بين كردستان العراق وحزب العمال الكردستاني في مفهوم الدولة الكردية، وتعتبر "سنجار" إحدى محطات الخلاف المتنازع عليها بين الطرفين، وبعد خروج تنظيم داعش منها رفض حزب العمال الكردستاني الرحيل، على الرغم من تحذيرات حكومة إقليم كردستان باللجوء إلى القوة لإخراجه من سنجار، مما أدى إلى تصاعد التوتر في الإقليم.    

وفي الوقت الذي ترى فيه تركيا أكراد العراق بصورة جيدة، تنظر إلى أكرادها بنظرة مُضادة، وهو ما يخلق تضاربًا واضحًا في الموقف التركي بوجود دولة كردية في العراق، لعل ذلك التعارض يفسر العلاقة القوية التي تربط تركيا بكردستان العراق، لكن مصير العلاقة يبقى مستقبلًا مجهولًا نظرًا لمعارضة الجانب الإيراني قيام دولة كردية.

وتفرض المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لتركيا مع الإقليم نظرة تركية متضادة لطرفيين كرديين، إذ ستحتاج أنقرة للتعامل مع كردستان العراق لسد حاجتها من النفط والغاز، ولإحداث توازن في المنطقة أمام إيران وأمام صعود المحور الشيعي في المنطقة.

قد تتمكن كل من إيران وتركيا من تحقيق أهدافهما، إلا أن تعاونهما معًا قد يزيد من تدهور علاقتهما المتضررة بالفعل مع الولايات المتحدة على المدى الطويل    

ويرى مركز ستراتفور الأمريكي في تقريره أن تلك المصالح المشتركة لن تمثل فارقًا كبيرًا، إذ إن الاختلاف بوجهات النظر في التعامل مع عدم استقرار منطقة الشرق الأوسط، من شأنه أن يخلق مزيدًا من النزاع على حساب الاتفاق المنتظر بين إيران وتركيا على المدى الطويل، حسب تقرير مركز ستراتفور.

المشهد المتضاد يتكرر بالنسبة لعلاقة إيران بالأكراد، ففي الوقت الذي تتلقى فيه هجمات عدائية من حزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك) المحسوب كامتداد لحزب العمال الكردستاني، من أجل الحكم الذاتي لكردستان إيران، تتهم حكومة إربيل إيران باستخدام حزب العمال الكردستاني كأداة لتشكيل ضغط عليها.

ومع تسارع وتيرة الأحداث يزداد الوضع خطورة في العراق، فمن شأن الهجوم الوشيك على تلعفر أن يزيد التوترات التي قد تتطور إلى صدام مباشر بين القوات المدعومة من تركيا والقوات المدعومة من إيران.

وفي ضوء مؤشرات التعاون المشترك، قد تتمكن كل من إيران وتركيا من تحقيق أهدافهما، إلا أن تعاونهما معًا قد يزيد من تدهور علاقتهما المتضررة بالفعل مع الولايات المتحدة على المدى الطويل، وبغض النظر عن رؤية الولايات المتحدة لهذه الترتيبات، فلن يستمر ذلك التحالف المرتقب بين تركيا وإيران في سوريا طويلًا، حسب رؤية تقرير مركز ستراتفور الأمريكي.