بعيدًا عن وفرة المنشآت السياحية الحديثة والشواطئ الممتدة على طول 1400 كيلومتر برمالها الذهبية وصحرائها الشاسعة وواحاتها الخضراء، تمتاز تونس أيضًا بالعديد من الأماكن الدينية الإسلامية والمسيحية واليهودية التي تستقطب آلاف السياح سنويًا من هواة السياحة الدينية، فماذا تعرف عن هذه الأماكن؟

جامع الزيتونة

أبرز هذه الأماكن الدينية على الإطلاق جامع الزيتونة أو ما يعرف باسم الجامع الأعظم، ويعود السبب الرئيس في تسميته بهذا الاسم حسب العديد من الروايات لأنه بُني على مساحة جغرافية تحوي في قلبها شجرة زيتون واحدة، فأصبح اسمه استئناسًا بهذه الشجرة.

 تصل مساحته الإجمالية إلى خمسة آلاف متر مربع، ويحتوي على تسعة مداخل، و160 عمودًا أصليًا جُلب من أطلال مدينة قرطاج القديمة، ويحوي مئذنةً يصل ارتفاعها إلى 43 مترًا، ويقوم على الجامع هيئةٌ تعرف باسم مشيخة الجامع الأعظم.

شهد الجامع العديد من عمليات الترميم من قبل معظم السلالات التي حكمت البلاد التونسية باعتباره إرثًا تاريخيًا مهمًا

يعد جامع الزيتونة المسجد الثاني في تونس بعد مسجد عقبة بن نافع في القيروان، ويرجح المؤرخون أن من أمر ببناءه هو حسان بن النعمان المعروف بالغساني عام 79 هجريًا، وقام عبيد الله بن الحباب بإتمام عمارته في 116 هجريًا خلال العصر الأموي، واستغرق بناؤه أعوامًا عدة حيث تميز بفخامة بنائه وحسن زخرفته.

أعمدة جامع الزيتونة المعمور

وشهد الجامع العديد من عمليات الترميم من قبل معظم السلالات التي حكمت البلاد التونسية باعتباره إرثًا تاريخيًا مهمًا، حيث تم عام 990 ميلاديًا تشييد قبة البهو من قبل المنصور بن زيري، وفي عام 1250 ميلاديًا، تم وضع العديد من الخزانات المائية ذات الحجم الكبير فيه من قبل الحفصي بن المستنصر، وفي عام 1316 تم ترميم ركائز الجامع وزخرفة أبوابه، في عام 1450 زود بمكتبة ذات طراز تركي، وفي عام 1637 شيد رواقٌ في الجزء الشرقي من الجامع، وعام 1894 تم بناء منارة ذات طراز مرابطي بواسطة المهندسين المعماريين سليمان بن نيقرو وطاهر الطابر.

جامع عقبة بن نافع

ثاني المزارات الدينية أهمية في تونس، هو جامع عقبة بن نافع الذي يطلق عليه أيضًا جامع القيروان الكبير، بنُي على يد عقبة بن نافع في مدينة القيروان بعد فتحها سنة 50 هجريًا، وتم زيادة مساحته كثيرًا خلال عدة مراحل من التاريخ الإسلامي، كما لقي اهتمام الأمراء والخلفاء والعلماء حتى أصبح معلمًا تاريخيًا بارزًا ومهمًا.

يعتبر جامع عقبة بن نافع أكبر وأضخم الجوامع في الغرب الإسلامي حيث تبلغ مساحته الإجمالية ما يقارب الـ9700 متر مربع، ويحتوي على بيت صلاة واسع وذي مساحة كبيرة يستند على مئات الأعمدة الرخامية، وفي وسطه باحة فسيحة الأرجاء محاطة بالأروقة.

يتمتع المسجد بست قباب هي: قبة المحراب، باب البهو، أخرتان تعلوان مدخل بيت الصلاة، وواحدة تعلو المجنبة الغربية للمسجد ثم أعلى المئذنة

يتمتع الجامع بمنبر رائع الجمال يعتبر إحدى التحف الفنية التي تشكل جزءًا مهمًا من التصميم والهندسة المعمارية لهذا المبنى، فهو مصنوع من الخشب المنقوش ويعتبر أقدم منبر في العالم الإسلامي، إذ يعود إلى القرن التاسع ميلادي، كما يتمتع بمحراب كسته زخارف منقوشة على ألواح رخامية لها فراغات تسمح بدخول الضوء، وقبة تغطيها زخارف نباتية على شكل ساق متوسطة أو فروع متموجة تتدلى منها عناقيد من العنب.

 

ومئذنة من أجمل المآذن التي بناها المسلمون في إفريقيا، تتكون من ثلاث طبقات مربعة الشكل، وفوقها قبة مفصصة، ويصل ارتفاعها إلى 31.5 متر، وتقع في الحائط المواجه لجدار القبلة في أقصى الصحن المكشوف، ويدور بداخلها درج ضيق يرتفع كلما ارتفع المبنى متناسبًا مع حجمه، ويضيق كلما ارتفعنا لأعلى، كما يتمتع المسجد بست قباب هي: قبة المحراب، باب البهو، وأخرتان تعلوان مدخل بيت الصلاة، وواحدة تعلو المجنبة الغربية للمسجد ثم أعلى المئذنة، بذلك يتميز جامع عقبة بن نافع بكونه أحد أروع المعالم الإسلامية.

مساجد جربة

بقدر ما تعرف جزيرة جربة التونسية بجمال شواطئها، تعرف أيضًا بمساجدها العامرة، لاحتوائها على قرابة 300 مسجد، يطغى عليهم اللون الأبيض، معظمهم يتميز ببساطة معماره وصغر مساحته وتواضع زينته ونقشه، حيث تغيب عنهم الزخارف المعتادة، 20 مسجدًا تحت الأرض، تم تشييدهم من خلال الحفر والنقش في أوائل القرن الثاني عشر ميلاديًا، موزعين على مختلف مناطق الجزيرة، ومثال على تمازج الحضارة البربرية التي سكنت البلاد منذ القدم بالحضارة الإسلامية التي طورت الجزيرة، بهندستها الفريدة من نوعها.

أحد مساجد الجزيرة

ومن هذه المساجد نجد "مسجد الوطا"، الذي يقع في المنطقة الريفية داخل غابة من الزيتون بين منطقة "سدويكش" والطريق الرومانية القديمة على بعد 10 كيلومترات عن مدخل الجزيرة، ويتكون من فضاء خارجي وآخر داخلي على عمق ثلاثة أمتار تحت الأرض وبه مدرج، وفي الفضاء الخارجي للمسجد توجد قبتان ويرتكز المعلم في الداخل على أعمدة وأقواس وله محرابان: الأول كان يستعمله الإمام والثاني كان يستخدم في تدريس القرآن الكريم في ذلك الوقت. وهناك أيضًا جامع فضلون، ويقع بأطراف منطقة خزرون بالشمال الشرقي للجزيرة، ويقال إن تاريخه يعود للقرن الرابع عشر ميلادي، ويتكون من وحدات عدة منها: بيت الصلاة، الرحبة، الكتاب والملحقات الداخلية، الميضأة، المخبزة، طاحونة الحبوب.

معبد "الغريبة"

إلى جانب هذه المعالم الإسلامية، نجد معالم دينية يهودية من ذلك "معبد الغريبة" في جربة الذي توجد فيه، بحسب الأسطورة، واحدة من أقدم نسخ التوراة في تونس، وهو يعد الكنيس اليهودي الأكبر والأقدم في إفريقيا حيث يعود تاريخه إلى قرابة 2600 سنة، وتزعم بعض الروايات التاريخية أن امرأة يهودية قدمت إلى جربة واستقر بها الحال في مكان كنيس الغريبة الآن وعرفت هذه المرأة بالكرامات فأقيم لها هذا المقام عند الممات، كما سمي الكنيس "الغريبة " نسبة إليها.

يحج اليهود إلى كنيس الغريبة، مرة كل سنة، في ذكرى وفاة أحد الأحبار اليهود قبل 100 عام

ويتكون الكنيس الذي يقع في قرية صغيرة كانت ذات غالبية يهودية في الماضي وتسمي "الحارة الصغيرة"، يطلق عليها حاليًا "الرياض"، من بنايتين كبيرتين الأولى خاصة بالعبادات ويغلب عليها اللون الأبيض والأزرق، ويوجد بداخلها بيت للصلاة وهو المكان الذي تؤدى فيه أهم طقوس حج الغريبة، أما البناية الثانية فتستعمل لإقامة الاحتفالات بالأهازيج والموسيقى التونسية وتوزيع الأكلات التونسية في أيام زيارة اليهود.

داخل المعبد

وتقول لافتة معلقة داخل الكنيس ومكتوبة بأربع لغات (العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية): "يرجع عهد هذا المقام العتيق والمقدس المعروف بالغريبة إلى عام 586 قبل الحساب الأفرنجي، أي منذ خراب الهيكل الأول لسليمان تحت سلطة نبوخذ نصر ملك بابل وقد وقع ترميمه عبر العصور"، ويحج اليهود إلى كنيس الغريبة، مرة كل سنة، في ذكرى وفاة أحد الأحبار اليهود قبل 100 عام، في الكنيس الذي سمي على اسم طفلة يهودية نبذها أهلها، فاتخذت مقرًا لها خارج حارة اليهود، وظلت هناك حتى ماتت.

كنائس تونس

كما يوجد في تونس كنائس عديدة من ذلك الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية التي تقع وسط العاصمة التونسية تونس وبالتحديد في شارع روما، تم تشييدها في عهد محمد الصادق باي سنة 1279هجريًا/ 1862ميلاديًا، بمبادرة من وزيره الأول مصطفى خزندار حتى يكون مكان عبادة للجالية اليونانية الأرثوذكسية، وتسهر على إدارة هذه الكنيسة السفارة اليونانية في تونس، وتشهد سنويًا الاحتفال بعيد العنصرة بمشاركة العديد من الوجوه السياسية والحكومية، وهو عيد مسيحي يحتفل به بعد عيد الفصح بـ50 يومًا ويقصد به بحسب رواية سفر أعمال الرسل حلول الروح القدس على تلاميذ المسيح بعد صعود يسوع بعشرة أيام.

كاتدرائية مدينة تونس

وأيضًا الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التي تقع في شارع محمد الخامس بالعاصمة تونس وتم تشييدها بين سنتي 1954 و1957، بإشراف المهندس المعماري كوسمين ومهندس البناء لاقودوفسكي، وقد جاء تصميمها على شكل بناية ببلدة صغيرة تقع جنوب موسكو اسمها "فلاديميرو سوز دالسكي"، وتمتاز هذه الكنيسة بقباب مستديرة تبدو إلى جانب النخيل الموجود على طول شارع محمد الخامس.  وكاتدرائية مدينة تونس هي الكنيسة الرئيسية للرومان الكاثوليك بالبلاد التونسية ومقرًا لأسقف تونس، وتوجد في ساحة الاستقلال على شارع الحبيب بورقيبة، مقابل السفارة الفرنسية، وتحمل اسم القديس فإنسان دي بول تخليدًا لاسم أحد القساوسة الذي بيع كعبد في مدينة تونس.