عجز ترايفس كالانيك وجاريت كامب، مؤسسا شركة أوبر، عن إيجاد سيارة أجرة في ليلة ثلجية بالعاصمة باريس عام 2008، وكانت هذه الحادثة البسيطة السبب في تأسيس شركة تعمل على توفير سيارات الأجرة لجميع زبائن الطرق عبر كبسة زر على تطبيق إلكتروني يُمكن الناس من إيجاد سيارة بأسرع وقت وبطريقة آمنة ومريحة.

كان الهدف من هذا المشروع إعطاء الناس ما يريدونه، بالوقت الذي يحددونه، وبطريقة الدفع التي يفضلونها، ونجحت الشركة بالفعل بجعل هذه الخدمة الخيار الأول للناس خاصة في ساعات الذروة وحالات الطقس السيئة، فهي تعمل في 66 دولة و450 مدينة حول العالم، ومن بعد هذا الظهور الملفت والأداء الذكي في إعادة مفهوم النقل العام أصبح الجميع يردد "أوبر تؤدي إلى كل الطرق".

كما أصبح النموذج الذي تعمل عليه فكرة مستنسخة في كثير من البلدان مثل شركة كريم في الإمارات وديدي في الصين وليفت في الولايات المتحدة الأمريكية وبي أي في تركيا، مع العلم أن هذه الشركات الجديدة تحصل على كم هائل من التمويلات والاستثمارات من جهات مختلفة، فمثلًا استثمرت شركة آبل أكثر من مليار دولار بشركة ديدي للنقل في الصين.

تعتبر الفكرة التي جاء بها كالانيك وكامب عصرية جدًا وملائمة لما يبحث عنه الناس في وسائل النقل، ولذلك حصدت الشركة ثمار نجاحها بسرعة لتحصل على أول تمويل بقيمة 11 مليار دولار، وهو أكبر مبلغ يُجمع في تاريخ الشركات الناشئة، جدير بالذكر، أن أوبر تُقدر حاليًا بنحو 69 مليار دولار.

وخلال السنوات الماضية، حصلت أوبر على ضجة إعلامية كبيرة وارتفع صوت ملايين الآراء المشككة بنجاحها واستمراريتها في قطاع النقل، فما مدى صحة هذه التنبؤات والتشكيكات؟ وما مصدرها؟

بعيدًا عن أحاديث النجاح


يشير الحديث عن فكرة أوبر وتطبيقها ووضعها المادي إلى الجانب الإيجابي عن الشركة، لكن عند الخوض في السياسات الداخلية والشؤون الإدارية والتقييم العام والاتهامات العلنية والقضايا القانونية، يمكن ملاحظة بعض الإخفاقات التي حدثت خلال مسيرتها في هذا المجال.

بعد أن نجت أوبر من الصراعات مع سائقي سيارات الأجرة في الشوارع لاعتراضهم على هذا المشروع الذي ينافسهم بقوة في منطقة عملهم، نجد أن قائمة الأزمات والمشكلات لدى أوبر تطول لتشمل التحايل القانوني والتمييز العنصري والتحرش الجنسي وسرقة الأفكار، إلا أن هذه التصرفات الخارجة عن النظام لم تؤثر على انتشار الشركة في بلدان العالم.

وقد تبدو هذه الإخفاقات للكثير من الناس عقبات روتينية في حياة الشركات العالمية وقد تبدو للبعض الآخر عوامل تنذر بانتهاء وجود الشركة التي غيرت منظومة النقل في العالم وأدخلته إلى دائرة التكنولوجيا عبر استخدام الهاتف المحمول.

قبضت دولة الإمارات العربية المتحدة على 50 سائقًا يعمل مع أوبر دون امتلاك التراخيص اللازمة

اختارت بعض الدول في العالم الاستغناء عن خدمات أوبر ومنها من لجأت إلى الحظر الجزئي مثل إسبانيا وتايلاند والمجر وبلغاريا وهولندا وألمانيا وإيطاليا، ولم تقف الأمور عند هذا الحد فقط، بل أنشأت بعض الدول مثل المكسيك وإسبانيا منظمات ناشطة في مجال النقل لمناهضة شركة أوبر وتنظيم مظاهرات رافضة لهذه الخدمة الحديثة في منطقتها.

وبالنسبة للوطن العربي، فرضت النقابات بقطاع النقل بالأجرة قيودًا وشروطًا على هذه الخدمة، فمثلاً قبضت دولة الإمارات العربية المتحدة على 50 سائقًا يعمل مع أوبر دون امتلاك التراخيص اللازمة، مما أدى إلى وقف خدمتها "مؤقتًا" في إمارة أبو ظبي.

المشكلة الحقيقة تكمن في "القيادة"


تقول العديد من التقارير إن سلوك الرئيس التنفيذي كالانيك أثر كثيرًا على صيت الشركة وأعمالها، فمن أكبر المواضيع التي تتهرب منها شركة أوبر حقوق السائقين المتعاقدين معها والتي لا تعتبرهم موظفين في الشركة وهذا يعني أن الشركة ترفع يدها عن توفير الأمور الواجبة عليها مثل التأمين الصحي وبدلات العمل وتكاليف الصيانة والوقود وغيرها من الواجبات القانونية، مع ذكر أن هذه المتطلبات كانت ستكلف الشركة نحو 730 مليون دولار سنويًا.

وبهذا الخصوص، كان رد الشركة أن سائقيها ليسوا مُلزمين بساعات عمل معينة ولهم كامل الحرية بالعمل بالوقت الذي يريدونه ولحساب أي شركة أخرى بلا أي شروط أو تعليمات.

لكن الحقيقة الأخرى لهذا الرد، أن أوبر دفعت 20 مليون دولار أمريكي للتسوية مع الاتهامات التي تقر بخداع الشركة لهم عبر إعلاناتها المضللة والتي تنشر فيها أرقامًا غير صحيحة عما قد يجنيه السائق عند عمله معهم، إضافة إلى عدم اتخاذها مواقف جادة عند حدوث مشاكل بين السائق والراكب وهذا ينفي تمامًا ما روجت له لنفسها بأنها وسيلة نقل "آمنة ومضمونة".

صرح كالانيك بأن أوبر سوف تعتمد على السيارات ذاتية القيادة حتى تحقق أرباح مستدامة وتكاليف أقل، ولقد أثار هذا القرار غضب الكثير من السائقين الذين أصبحوا مهددين بسبب هذا القرار

أيضًا، من أشهر الحوادث التي ألصقت على الواجهة، حادثة المهندسة سوزان ريجيتي التي تعرضت للتحرش الجنسي من قبل مديرها والذي اعتمد على رسائل البريد الإلكتروني في مضايقتها وعندما أفصحت ريجيتي عن هذه الواقعة للمسؤولين في الشركة كان ردهم أن هذه "المخالفة الأولى له" وأنه من "أكثر الأشخاص كفاءة في العمل".

كما تدعي المهندسة السابقة ريجيتي أن عدد النساء في الشركة كان يتجاوز 25% ولكن مع تكرار حوادث التمييز العنصري والتحرش الجنسي قلت نسبتهن إلى 6% وبعد خروجها من الشركة وصلت نسبة العاملات في الشركة إلى 3%، وهذا الأمر الذي أنكره كالانيك تمامًا وأكد أن هذه السلوكيات تتنافي مع قيم الشركة ومبادئها.

أما بالنسبة إلى أكثر الوقائع ضجة، عندما صرح كالانيك بأن أوبر سوف تعتمد على السيارات ذاتية القيادة حتى تحقق أرباح مستدامة وتكاليف أقل، ولقد أثار هذا القرار غضب الكثير من السائقين الذين أصبحوا مهددين بسبب هذا القرار والذي يصل عددهم إلى 160 ألف سائق.

فقدان 200 ألف مستخدم واستقالة كالانيك


خلال السنة الحالية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراره بحظر دخول المسلمين إلى أمريكا، وهذا المنع أثار غضب الكثيرين من الشعب الأمريكي وعلى إثر هذا القرار نظمت العديد من المظاهرات في عدة ولايات تعبيرًا عن رفضهم لهذه "العنصرية" على حد وصفهم.

وكان سائقو تاكسي نيويورك من بين المتظاهرين ضد هذا الحظر والذين وصل عددهم إلى 19 ألف سائق أعلنوا إضرابهم عن العمل لمدة ساعة كاملة بمطار "كينيدي" تضامنًا مع اللاجئين والممنوعين من الدخول إلى الولايات.

وفي الوقت الذي أعلن فيه قرار الإضراب، ازدحم محيط المطار بسيارات أوبر التي أعلنت على حسابها الشخصي عزمها العمل على توصيل ونقل المسافرين من عند المطار.

والتفسير الوحيد لهذه الواقعة، أن المؤسس لشركة أوبر كالانيك يعتبر أحد أعضاء المجموعة الاستشارية الاقتصادية للرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب ومع وجود مثل هذه العلاقة بين ترامب وكالانيك زادت حدة الاتهامات لأوبر التي اعتبرها البعض "استغلالية" وتتخذ مواقف "غير إنسانية".

وبعد ساعات، دشن الآلاف وسمًا على موقع تويتر باسم "احذف تطبيق أوبر" لتخسر أوبر أكثر من 200 ألف مستخدم في هذه الحملة، وتهدئة لموجة الانتقادات قال كلالنيك إنه سيطرح قضية اللاجئين على الرئيس ترامب في اللقاء القادم.

وبعد هذه الخسارة، انسحب كالانيك من المجموعة الاقتصادية لترامب للتخفيف من الضغوط لكن هذا الانسحاب لم يكن مفيدًا كثيرًا، خاصة أنه بعد عدة شهور قليلة ضغط أعضاء مجلس الإدارة على كالانيك لتقديم استقالته ويحل مكانه الإيراني خسروشاهي.

كيف تنجو أوبر من مشكلاتها؟

الإجابة عن هذا السؤال المهم أن "المال يصنع المعجزات" وربما هذه الضجة الإعلامية التي تلاحق مستقبل أوبر لا تستحق كل هذا الاهتمام، فهذه التجارب تمر بها معظم الشركات الكبرى ومنها مايكروسوفت وآبل وأمازون التي فرضت عليهم غرامات مالية هائلة ورفعت عليهم قضايا كبيرة، إلا أن المخلص الوحيد لهذه الحفر كان المال، فهي تعد أكثر الشركات الناشئة تمويلًا وأعلاها ثمنًا.

صندوق الاستثمارات السعودي استحوذ على 5% في أوبر مقابل 3.5 مليارات دولار في 2016 وهي من أكبر الاستثمارات في أوبر

على مر السنوات الماضية، قد تكون أوبر فشلت بالفعل في قيادة نفسها إلا أنها نجحت دومًا في الحصول على استثمارات وتمويلات تعالجها من هذه السقطات، ففي عام 2011 حصلت الشركة على دعم وصل إلى أكثر من 40 مليون دولار أمريكي من جيف بيزوس مؤسس شركة أمازون، وجدير بالذكر أن صندوق الاستثمارات السعودي استحوذ على 5% في أوبر مقابل 3.5 مليارات دولار في 2016 وهي من أكبر الاستثمارات في أوبر. بدورها عبرت الشركة عن امتنانها بهذه التجربة مع المملكة العربية السعودية وعن تقديرها للثقة العالية التي يمثلها هذا الاستثمار.

ويرى البعض أن النموذج التي قدمته أوبر للعالم غير قابل للمنافسة أو الهزيمة بعد، فهو يحظى بشهرة كبيرة ودعم مادي قوي وانتشار واسع داخل مدن العالم، وهذا ما يجعلها تتفوق كل مرة على أخطائها الإدارية والقانونية.