تتجه الصين إلى مزيد من التغلغل في القارة الإفريقية اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا، عبر استثماراتها الاقتصادية في دول القارة السمراء البالغة مليارات الدولارات ووجودها العسكري في سواحل جيبوتي والمساعدات والمنح التي تقدمها لدول القارة، ومساهمتها الفعالة في إيجاد حلول لبعض الأزمات المشتعلة هناك، مما جعل بعض الخبراء يؤكّدون أن القارة الإفريقية في طريقها لأن تكون مقاطعة صينية جديدة تضاف إلى المقطعات الصينية التقليدية.

بداية الغزو

"لقد عادت الصين إلى الأمم المتحدة محمولة على أعناق الأخوة الأفارقة، ولن ننسى أبدًا أن الممثلين الأفارقة صفقوا ورقصوا في قاعة اجتماع الدورة الـ26 للجمعية العامة الأممية عام 1971 تعبيرًا عن فرحهم لاستعادة جمهورية الصين الشعبية مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة..." بهذه الكلمات استهل الزعيم الصيني ماو تسي تونج كلمته الأسطورية التي أشاد فيها بعمق العلاقات التاريخية بين الصين ودول إفريقيا، والتي ناشد من خلالها الصينيين بإعادة النظر في رؤيتهم للأفارقة، وضرورة وضع هذه القارة على قائمة توجهات الصين خلال السنوات القادمة، ومن هنا كانت البداية.

عرفت التيارات التجارية بين الطرفين ازدهارًا كبيرًا، وتعاظم حجم الاستثمارات في البنى التحتية الأساسية

هذا التوجه، تجسّد بقوة سنة 2000، بإنشاء منتدى التعاون الصيني - الإفريقي (FOCAC) لتعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية بين الصين ثاني أكبر اقتصاديات العالم والبلدان الإفريقية التي تزخر بطاقات بشرية وموارد طبيعية هائلة، في القطاعين العمومي والخاص، وقد أصبح مؤخرًا يضم في عضويته أكثر من 45 دولة إفريقية، وهو ما أسهم في ترسيخ التغلغل الصيني في إفريقيا، ووضع العلاقات الاقتصادية الصينية - الإفريقية في مسار سريع، حيث نمت التجارة الثنائية بينهما من 10.6 مليارات دولار عام 2000، إلى 160 مليار دولار عام 2011.

منذ تلك اللحظة وسّعت الصين علاقاتها مع دول القارة السمراء التي فتحت لها الباب على مصراعيه، فعرفت التيارات التجارية بينهما ازدهارًا كبيرًا، وتعاظم حجم الاستثمارات في البنى التحتية الأساسية، وتم تمتين العلاقات الدبلوماسية والسياسية والثقافية بينهما، ناهيك عن حجم المعونة التقنية والمالية، بما يؤشّر على طبيعة التوجُّه الصيني الجديد إزاء بلدان القارة الإفريقية، مستفيدة من الأخطاء التي ارتكبها الغربيون في القارة السمراء للتقارب مع شعوبها وإقامة علاقات متبادلة فعالة بين الجانبين، فكانت الحليف المقبول لدى الأفارقة.

علاقات تجارية كبيرة

الغزو الصيني لإفريقيا، اعتمد أساسًا على الجانب الاقتصادي، فقد عرفت التبادلات التجارية بين الطرفين قفزة كبيرة، إذ انتقلت من 12 مليار دولار أمريكي عام 2000 إلى أكثر من 200 مليار في نهاية عام 2012، لتتبوأ الصين بذلك المرتبة الثالثة ضمن الشركاء التجاريين لإفريقيا، بعد الاتحاد الأوروبي (439 مليار دولار)، وأمام الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 2012، ووفق البنك الدولي، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا في 2014، نحو 222 مليار دولار، ومن المنتظر أن يناهز الـ400 مليار دولار بحلول عام 2020.

شركات صينية تشرف على كبرى المشاريع في إفريقيا

وعلى الرغم من أن الإحصائيات - وهي شحيحة للغاية - لا تأخذ بعين الاعتبار هونغ كونغ في المبادلات التجارية بين الصين وإفريقيا تصديرًا أو استيرادًا، فإن الميزان التجاري يرجح كفة الصين عمومًا، حيث تجاوزت السلع الصينية المصدّرة لإفريقيا أكثر من 100 مليار دولار بنهاية العام 2012، ويهيمن على الواردات الصينية، الموارد الطبيعية (أكثر من 80% بنهاية العام 2011)، ثم المواد النفطية (ما بين 65 و70%)، ثم المعادن (ما بين 5 و15%)، ثم السلع الفلاحية والغذائية (من 5 إلى 10%)، في حين أن الواردات من السلع المصنّعة لا تتعدى 10 إلى 15%، في حين تهيمن مواد التجهيز على صادرات الصين لدول القارة (36%) ثم السلع الوسيطة (35%)، والتي تذكّيها بقوة حاجيات البلدان الإفريقية إلى دعامات البنى التحتية، وأخيرًا السلع الاستهلاكية (20%).

ويقدر عدد الشركات الصينية أو فروعها بأكثر من 2000 شركة (كان عددها 700 عام 2005)، كلها نشطة في مجال الزراعة والتعدين والبناء والتعمير وقطاعي التجارة والاستثمار ومعالجة منتجات الموارد والتصنيع والدعم اللوجستي التجاري، هذا بالإضافة إلى العمال والخبراء الصينيين، ومن أبرز الدول المستفيدة من التبادل التجاري الصيني - الإفريقي أنغولا، الشريك الإفريقي الأكبر للصين، بحجم تجارة بلغ 17.66 مليار دولار، تليها جنوب إفريقيا 16.6 مليار، والسودان 6.39 مليار، ومصر 5.86 مليار، ونيجيريا 6.37 مليار.

استثمارات شملت جميع المجالات

ارتفاع الميزان التجاري بين الطرفين، تزامن مع ارتفاع حجم الاستثمارات الصينية في دول القارة، خاصة في البنى التحتية، إذ تنجز الشركات الصينية نحو ثلث عقود مشاريعها الدولية الموجهة للبنى التحتية الأساسية هناك، وتمثل أكثر من 10% من مجموع الاستثمارات الإفريقية في هذه البنى.

يشرف على الاستثمارات "بنك الاستيراد والتصدير" التابع للدولة

وتشير الإحصائيات المتوفرة إلى أن الشركات الصينية غالبًا تقدِّم العروض التنافسية الأقوى في الصفقات المتعلقة بمشاريع بناء الطرق وشبكات السكك الحديدية والمواني والسدود والمطارات والاتصالات السلكية واللاسلكية، وغالبًا تحصل بموازاة ذلك على القروض الموجهة لتمويلها من لدن البنك الدولي أو الاتحاد الأوروبي أو البنك الإفريقي للتنمية أو ما سواهم.

وتستثمر الصين في جميع المجالات، من الطاقة والزراعة والتعدين والبناء، وقطاعي التجارة والخدمات ومعالجة منتجات الموارد والتصنيع إلى الدعم اللوجستي التجاري، ويشرف على هذه العملية "بنك الاستيراد والتصدير"، فهذه المؤسسة المصرفية التابعة للدولة تقوم بدور أساسي في إعطاء القروض للحكومات الإفريقية، وهي التي تقترح منح هذه القروض من خلال شروط تفضيلية.

مساعدات

على عكس باقي الدول اعتمدت الصين لدخول القارة السمراء على تغليب لغة المصلحة المتبادلة والاحترام والمساواة دون التدخل في شؤون الآخرين، تجلّى ذلك من خلال المساعدات الكبيرة التي قدمتها لدول القارة، فقد أنشأت الصين في إفريقيا 3300 كيلومتر من الطرقات، و30 مستشفى، و50 مدرسة في مناطق ريفية نائية، و100 محطة لتوليد الطاقة في أكثر من 40 دولة، كما أقامت 10 مراكز لعلاج مرض الملاريا المتفشي في القارة، كما تم إرسال بعثات طبية صينية محملة بعلاج صيني لمقاومة المرض في أكثر من 33 دولة إفريقية.

مساعدات مالية كبيرة لدول إفريقيا

إضافة إلى ذلك، حرصت الصين على إعفاء 32 دولة إفريقية من ديونها المتأخرة لديها، كما قدمت هبات جزافية وقروض مالية دون فائدة وأخرى تفضيلية بعشرات المليارات من الدولارات لتطوير البنى التحتية الزراعية والصناعية وتحقيق التنمية الذاتية والتنمية المستدامة، لدول القارة الإفريقية الفقيرة، إلى جانب تدريب آلاف الأشخاص من الدول الإفريقية في مختلف المجالات، وتوفير نحو 20 ألف منحة دراسية للطلاب الأفارقة.

فتبني الصين رؤيتها على أساس أن "الغزو الثقافي" هو البديل المضمون ليرى الأفارقة الوجه الحقيقي للصين صاحبة الحضارة العريقة، وليست القوة الاقتصادية التي جاءت لاستنزاف موارد القارة، حيث بدأت بكين منذ 2009 مشروعًا ضخمًا للمنح الدراسية وصل بمقتضاه عدد الطلبة الأفارقة في الجامعات الصينية إلى نحو 12 ألف طالب يدرسون على نفقة الصين.

الجانب العسكري

علاوة على المجالين الاقتصادي والإنساني، تستثمر الصين أيضًا في القطاع العسكري للقارة السمراء، فالصين منخرطة بشكل كبير في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، حيث بلغت قواتها في بعثات القبعات الزرق، الألفي و664 موزّعة في كل من مالي وجنوب السودان، ضمن 7 عمليات لحفظ السلام في إفريقيا.

وفي أغسطس الماضي، دعمت الصين نفوذها العسكري في القارة، حيث دشّنت أول قاعدة عسكرية لها في الخارج في جيبوتي على أبواب البحر الأحمر، ستستخدم لتعزيز "المواكبات البحرية في إفريقيا والشرق الأوسط وعمليات حفظ السلام (التابعة للأمم المتحدة) والمساعدات الإنسانية" وفق بيان نشرته وزارة الدفاع الصينية لدى إعلان مغادرة عناصر من البحرية الصينية باتجاه القرن الإفريقي، وستستخدم القاعدة كذلك لدعم عمليات مكافحة القرصنة وإجلاء المواطنين في حال نشوب أزمة.

ثروات القارة

كل هذا يهدف إلى الاستفادة قدر الإمكان من إمكانيات القارة الإفريقية التي تتشكّل من 54 دولة، يتكلم سكانها أكثر من 800 لغة، وتأتي اللغة العربية في صدارتها، وتعتبر أكبر سوق واعدة في العالم، إذ يزيد عدد سكانها على مليار ومئة مليون نسمة، وتبلغ مساحتها 30 مليون كيلزمتر مربع، وتشكل 20% من مساحة اليابسة في الكرة الأرضية.

وتمتلك القارة الإفريقية التي ينمو اقتصادها بمعدل 5.8% سنويًا، نحو 124 مليار برميل من احتياطي النفط، وهو ما يشكل ما يقارب 12% من الاحتياطي العالمي وتتركز الثروة النفطية في دول نيجيريا والجزائر ومصر وأنجولا وليبيا والسودان وغينيا الاستوائية والكونغو والجابون وجنوب إفريقيا، فيما تبلغ احتياطاتها من الغاز الطبيعي نحو 10% من إجمالي الاحتياطي العالمي، حيث تملك نحو 500 تريليون متر مكعب من احتياطي هذه المادة.

تعتبر الزراعة أحد أهم الأنشطة الاقتصادية في القارة السمراء، لتنوع المناخ وكثرة الأنهار

كما تحتوي القارة الإفريقية على موارد طبيعية وأولية ضخمة أخرى، حيث تنتج ما يقارب 90% من البلاتين المنتج في العالم، و40% من إنتاج الألماس، وتحوز 50% من احتياطي الذهب، و30% من اليورانيوم المهم في الصناعات النووية، وتنتج 27% من إجمالي كمية الكوبالت المنتجة، أما خام الحديد فتنتج القارة ما نسبته 9% من إجمالي إنتاجه حول العالم.

وتعتبر الزراعة أحد أهم الأنشطة الاقتصادية في القارة السمراء، لتنوع المناخ وكثرة الأنهار، حيث يعمل ثلثا سكانها بالزراعة تقريبًا، كما تتميز القارة بامتلاكها ثروة سمكية هائلة، يساعد قطاعها على توفير الدخول لنحو 10 ملايين إفريقي يعمل بمهنة صيد الأسماك، فيما تبلغ قيمة الأسماك التي يتم تصديرها 2.7 مليار دولار أمريكي.