رُبما كان تصنيف التعليم المصري في المرتبة الـ139 من 140 دولة يصيبك بالإحباط، وتتمنى لو حظيت - أنت أو أطفالك - بفرصة التعلم في الدولة المصنفة رقم 1 في مجال التعليم على مستوى العالم، لكن هل فكرت من قبل إذا كنت ستنجو أنت وأبناؤك من هذه التجربة؟ هل سألت نفسك من قبل ما الذي تستطيع الحكومات تقديمه من أجل دعم التعليم في وطنها؟ وإلى أي مدى تستطيع التضحية في سبيل إنشاء جيل جديد قادر على وضعها في صدارة الدول الصناعية؟ دعنا نتحدث عن تجربة كوريا الجنوبية التعليمية، حيث تحتل المرتبة الأولى كدولة رائدة في مجال التعليم.

منذ 60 عام كان نحو 80% من الكوريين غير متعلمين، أما الآن فهي دولة صناعية رائدة، تنفق ما يقارب 20% من ميزانيتها على التعليم، وإيمانًا منها بشبابها غيرت اسم وزارة التربية إلى "وزارة التربية والموارد البشرية"، فالبشر أهم استثمار في كوريا.

لكن ما الذي يجعل كوريا الجنوبية رائدة في مجال التعليم؟ ما الذي يجعل جامعة مثل جامعة سيول الوطنية من أفضل الجامعات العالمية، بل وامتحانات القبول الخاصة بها تضاهي صعوبة امتحانات قبول كامبريدج وأوكسفورد؟

معظم المدارس في كوريا غير مختلطة، كما تنفق الحكومة الكورية الجنوبية 20% من ميزانية الدولة على التعليم

دعونا نتعرف معًا على السر وراء الإمبراطورية التعليمية في كوريا الجنوبية:

1- المراحل التعليمية

تقدم كوريا الجنوبية أفضل نظام تعليم في العالم، فهو أسرع النظم تطورًا، كما أنه إلزامي ومجاني في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة أو ما يساوي "المرحلة الإعدادية" لدينا.

معظم المدارس في كوريا غير مختلطة، كما تنفق الحكومة الكورية الجنوبية 20% من ميزانية الدولة على التعليم، ورُغم أن المرحلة الثانوية ليست إلزامية وليست مجانية،  فإن أكثر من 90% من الطلاب الكوريين يقدمون في المدارس الثانوية.

2- اليوم الدراسي

 

إذا قلنا إن النظام التعليمي في كوريا الجنوبية الأفضل، هذا لا يمنع أنه الأشد قسوة على الطلاب، فاليوم الدراسي الكوري يستغرق نحو 12 ساعة ورُبما أكثر، فيبدأ اليوم تقريبًا في الثامنة صباحًا، وتظل المدارس مفتوحة حتى الساعة الثانية عشرة صباحًا. حتى الساعة الحادية عشرة مساءً ستجد الشوارع مكتظة بالطلاب والآباء.

ينقسم اليوم المدرسي في كوريا إلى: يوم دراسي رئيسي، وصفوف تقوية، اليوم الدراسي الرئيسي يقسم إلى 7 دروس وساعة للغداء، مدة الدرس 50 دقيقة، مع وجود 10 دقائق راحة بين الدروس، بعد مرور 4 دروس يحصل الطلاب على راحة لمدة ساعة للغداء، تُقدم فيها المدرسة وجبات صحية وشهية للطلاب، ثم بعد ذلك يعودون لاستئناف يومهم الدراسي أو ما تبقى منه أي 3 دروس وينتهي في الخامسة.

الطلاب في كوريا الجنوبية يمرون بأوقات صعبة للغاية، ودرجات عالية من الإرهاق، لكنهم لا يمانعون في سبيل مستقبلهم، فهم مولعون بالدراسة

بعد ذلك يلتحق الطلاب بصفوف التقوية، أو يجلسون للمذاكرة حتى العاشرة أو الحادية عشرة، وهذا شيء قاسٍ للغاية. الطلاب في كوريا الجنوبية يمرون بأوقات صعبة للغاية، ودرجات عالية من الإرهاق، لكنهم لا يمانعون في سبيل مستقبلهم، فهم مولعون بالدراسة، يرغبون بفعل أي شيء  فقط في سبيل النجاح، حيث إن "الرسوب" ليس خيارًا متاحًا أمامهم.

3- تجربة BBC

 

أجرت BBC تجربة عن طريق إحضارها 3 طلاب  من الصف الثانوي من بريطانيا إلى كوريا الجنوبية لاختبار اليوم الدراسي هناك، في اليوم الأول قدموا امتحانًا خاصًا برياضيات المرحلة الثانوية البريطانية، لطلاب المرحلة الثانوية في كوريا الجنوبية.

مدة الاختبار "ساعة"، أكثر من نصف الطلاب أنهوا الاختبار في 15 دقيقة، بينما انتهى الباقون في منتصف الوقت، وعندما سألوهم عن الاختبار قالوا إنه خاص بالمرحلة الابتدائية! الطلاب البريطانيون لم يستطيعوا تحمل اليوم الدراسي الكوري الطويل، والدروس الكثيرة التي تضع الطلاب تحت ضغط هائل في سبيل حصولهم على الدرجات النهائية وهذا شيء اعتبروه قاسٍ للغاية.

4- المدرسون في كوريا الجنوبية

 

صورة للسيد "تشا"

المدرسون في كوريا الجنوبية يستطيعون أن يصبحوا مليونيرات في فترة قصيرة مثل السيد "تشا"، فهو مدرس أصبح مليونيرًا عن طريق تدريسه للرياضيات، فإذا رأيته في الشارع ستظن أنه من المشاهير، لكنه مجرد معلم. السيد تشا لا يعمل في المدارس، لقد ربح ثروته عن طريق التعليم أونلاين، فلديه مدرسة إلكترونية للتعليم السريع أو ما يسمونه Hagwon.

التعليم الإلكتروني من أهم طرق الربح في كوريا الجنوبية، فلدى السيد تشا العديد من الدعائم التي تميزه وتجعله من أشهر مدرسي الرياضيات مثل: ارتداؤه العديد من الأزياء أو الشعر المستعار في أثناء تصوير دروسه، وكل تلك الأشياء خاضعة لمزاجه الخاص، فالترفيه جزء أساسي من طريقته في التعليم.

هذه التجارة جادة للغاية، فلدى السيد تشا 3  مليون تسجيل على موقعه الإلكتروني، والذين يدفعون اشتراك شهري في مقابل مشاهدة فيديوهاته، لقد بنى إمبراطورية فقط في 6 سنوات.

5- اختبار دخول الجامعات

 

صورة لجامعة سيول الوطنية

تستثمر الحكومة الكورية في شبابها، كما أن الآباء يستثمرون في أبنائهم، يدفعون أموالًا طائلة لدخولهم مدارس جيدة، وحصولهم على تعليم جيد، كذلك يلحقونهم بفصول للتقوية أو أكاديميات استعدادًا لاختبارات قبول الجامعات، والتي تعتبر من أصعب الاختبارات في العالم.

اختبار دخول الجامعات من النقاط التحولية في حياة كل طالب كوري، الجميع يرغبون في الذهاب إلى جامعة "سيول" الوطنية، لأنها الأفضل بالتأكيد، ويشعرون أن هذه الاختبارات نقطة تحول في حياتهم، ودليل على جدية ومدى تعلمهم في المراحل السابقة، لكن لا يصل إليها إلا عدد قليل مما يسبب الكثير من الإحباط للطلاب. جامعة سيول الوطنية تشبه إلى حد كبير جامعة كامبريدج أو أوكسفورد، فامتحاناتها لا تقل صعوبة عنهما.

البعض يذاكرون لمدة تصل إلى 16 ساعة متواصلة طوال 3 سنوات كي يدخلوا أفضل الجامعات الخاصة بإعداد المعلمين.

العديد من الطلاب في كوريا الجنوبية كذلك يرغبون في العمل كمدرسين، على وجه التحديد مدرسين رياضيات، وهناك عدة أسباب لذلك أهمها: أنها وظيفة مستقرة، تستطيع أخذ عطلة سنوية لمدة شهرين، الاحترام الذي يكنه الشعب الكوري للمعلمين في العموم.

أن تصبح معلمًا في كوريا الجنوبية هو حُلم لمعظم طلاب المرحلة الثانوية هناك، فالبعض يذاكرون لمدة تصل إلى 16 ساعة متواصلة طوال 3 سنوات كي يدخلوا أفضل الجامعات الخاصة بإعداد المعلمين.

6- الجانب المظلم من الحياة المدرسية الكورية

 

جميع الطلاب يرغبون في دخول الجامعة، لذلك المنافسة ليست سهلة على الإطلاق، كما أن امتحان قبول الجامعات يكون مرة واحدة فقط في السنة، مما يسبب ضغطًا رهيبًا للطلاب، بل ورُبما يدفع العديد منهم للانتحار، فلدى كوريا أعلى معدل انتحار فيمن هم في فئة 10 سنوات إلى 30 سنة، والطلاب على وجه الخصوص.

يطالب البعض بإحداث تغييرات كبيرة في نظام التعليم الكوري، حيث إن الطلاب ليس لديهم أي وقت للقراءة، للموسيقى، للتنزه، للتواصل، للرياضة، أو لأي أنشطة أخرى، فكل وقتهم ملكًا للمدرسة والمذاكرة، مما يجعل نسبة كبيرة منهم تمر بمرحلة من الاكتئاب، فمعظم الطلاب الكوريين يصفون مرحلة الثانوية بكونها مرحلة "تعيسة" من حياتهم.

لا بد أن يحدث التغيير من داخل الأسرة الكورية، يجب على الآباء تفضيل الرياضة والنشاطات التواصلية والعمل على الجانب الإبداعي للطالب بدلًا من ابتهاجهم فقط بالحصول على الدرجات النهائية.

الحكومة الكورية كذلك تبذل جهدها في إحداث تغييرات حقيقية في النظام، فالمدارس المتوسطة على سبيل المثال تسمح بوجود فصل دراسي دون اختبارات خطيَّة، لكن على كل حال ما زال هناك خمسة امتحانات خاصة بخمسة فصول دراسية متبقية.

الآن، وبعد كل ما عرفت، قد لا تبدو رحلتك في مراحل التعليم العربية بذلك السوء.