بين فترات ليست متباعدة لا يجد الساسة المصريون حرجًا في تمصير الليبرالية بنزعها من سياقاتها وإشتراطاتها المنطقية، مع أن أقصر مسافة بين نقطتين هو الخط المستقيم؛ ورغم غلق النقاش في القضية بسبب تجميد السياسة بفعل الصراع الدائر في مصر إلا أن الدكتور أيمن نور، زعيم حزب غد الثورة ورأس حربة التيار الليبرالي المصري في معارضة نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي خارج البلاد أعاد القضية لمربع الصفر من جديد.

وضع نور توصيفا شخصيا لليبرالية المصرية خلال سلسة لقاءاته في برنامج مراجعات الذي يقدمه على قناة الحوار الدكتور عزام التميمي، الفلسطيني الأصل وأحد أهم رموز الحركة الإسلامية في بريطانيا، وتعاد هذه الحلقات بكثافة هذه الأيام على قناة الشرق التي يرأس مجلس إدارتها نور والذي صاغ تعريفًا روحيا لليبرالية، وقال أنها نشأت في حضن الأزهر الشريف، وأهم رموزها هم المشايخ حسن العطار ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي.

من وجهة نظر نور، الليبرالية في نسختها المصرية بخلاف ما نشأت عليه في الغرب، تضع الدين أولاً وثانياً وثالثًا ثم تأتي القيم الإنسانية التي تغذي جوانب التسامح والقبول بالأخر والحرية والإيمان بالفرد، وهي في رأيه ليست أيدلوجيا، ولكنها منظومة من القيم البشرية تساهم في إسعاد البشر والرخاء والتقدم، وهي الأراء التي دفعت التميمي لمقاطعة المعارض المصري البارز لإبصاره بما قد ينتج من فهم عن هذا التوصيف الذي لا يمت لليبرالية بصلة، ولكن نور استمر للنهاية واسترسل في الدفاع عن قناعاته الشخصية.

الليبرالية عن قرب

بعيدا عن رأي نور، يوجد لليبرالي تعريفات كثيرة بالطبع، وهي منشورة وقتلت بحثًا لكن أحد أهم تعريفاتها أنها الضلع الرابع فيما يعرف بـ«رباعية الديمقراطية»، بجانب العلمانية ونظرية العقد الاجتماعي والتنوير، واستغرق نضج هذه الأضلاع أربعة قرون حتي تدفع بالديمقراطية لتسيد أنظمة الحكم في العالم المتقدم، ولا تستطيع دول الحداثة حاليًا أن تنحي أي من هذه الأضلاع في رحلتها الساعية دائما إلى البحث عن التقدم والرخاء والرفاهية لشعوبها.

ولا يمكن لأي ليبرالي أن يُنسّب إلى هذه الأيدلوجيا دون أن يكون علمانيًا يؤمن بالتفكير النسبي لا المطلق، وفي النخب المصرية من يعي ذلك ولكنه يهرب من العلمانية المشوهة شعبويًا ويتمسك في الوقت ذاته بضم نفسه لكتائب الليبرالية دون سبب واضح لذلك، وهناك من لا يعي أصلا الرابط بينهما، ولا يجمعه بمفاهيم الليبرالية إلا ما يشاع عن أنها ضد خلط الدين بالسياسة الذي تمارسه بدأب التيارات الإسلامية في مصر، وباعتباره منفتحًا وسطيًا مثقفًا لا يقف مع الأفكار الرجعية في خندق واحد.  

الليبرالية المصرية والسراب

غرابة التوصيف الذي قاله الدكتور أيمن نور عن الليبرالية، وإن كان يُحمّد له في المقام الأول الأول سعيه إلى تقريب وجهات النظر بين الفرقاء المصريين وتقليل حدة الاستقطاب والتحارب وخاصة بين التيارات الإسلامية ونظريتها المدنية، إلا أنه لم يخرج كثيرًا عن تعريفات الليبرالية الضبابية التي تقع فيها النخبة المصرية، وخصوصًا الذين يصرون منهم علي حشرها في وعاء مصري ينزعها من سياقها فتخرج باهته متعددة التعريفات والتوصيفات، مما يؤدي بأربابها في النهاية إلى ممارسات كارثية تنفر الشارع وتبعده عن الليبرالية الحقيقية، ولا تضع النخبة في سلام أو وفاق مع التيارات الإسلامية التي لا تخفي تمسكها بالدين وتضعه ركيزة أساسية في  برامجها السياسية والاجتماعية.

وعادة ما يتسبب التكوين النفسي المحافظ للكثيرين من أبناء التيار المدني المصري في نزع الليبرالية عن سياقاتها الطبيعية التي تأسست عليها في أوروبا، فهي ليست نظاماً للحكم فحسب بل فلسفة تقوم على الإيمان بنسبية الحقيقة وتعددية المؤسسات الاجتماعية وما هو مطلق في الفلسفة وما هو كلي في الاجتماع .

وتخبط التيارات المدنية المصرية في فهم قيم ومتطلبات الليبرالية ليس حديثا، بل هو أمر متجذر في الحياة المصرية وتحديدًا منذ تحولات ما بعد عصر محمد على مرورًا بالخديوي إسماعيل الذي استورد منتجات الحضارة الأوروبية لمصر، ولكنه عجز بجانب القوى الاجتماعية التي واكبت عصره عن إتمام التحول إلى الحداثة، فأوقع مصر في شراك نُظم شبه رأسمالية متخلفة ومشوهة النشأة، اختلط فيها الإقطاع بالريف بالنظام الرأسمالي الكامل في المدن.

وحتى تجربة الليبرالية المصرية بعد ثورة 1919، وهو الأرث الذي يتندر عليه الساخطون على الاشتراكية التي جُلبت مشوهة أيضا إلى مصر بواسطة رجال 23 يوليو في خمسينات القرن الماضي، لم تكن واضحة المعالم هي الأخرى، بل كان الصراع والجمع بين المتناقضات هو سمة المجتمع المصري، فلم يكن بالمجتمع الجديد الذي يؤمن بالعلم وينقد التقاليد ويبتكر ويشق طرق المستقبل، ولا هو بالمجتمع القديم الذي يلتزم التقاليد ويحترم العقائد الموروثة، ويقنع بما كان يرضى به الآباء والأسلاف من ذكريات وفلسفات وصوفيات وممارسات دينية تشبع النفس.

لم تكتسب فئات المجتمع المصري عقلية المجتمع الصناعي الحديث، سواء لضعف مدخلات الصناعة، أو لاتساع البيئة التقليدية القائمة على أساس زراعي، مما أشاع اضطرابا وصراع بين القديم والجديد انتقل بدوره إلى أوساط السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة وجميع المجالات، الأمر الذي أفقد التجربة المصرية أساس الانتقال الفكري والثقافي لتلحق بما حققته نظيرتها في دول الحداثة.

وحتى الأحزاب السياسية التي واكبت ما يسمي بالحقبة الليبرالية، سيطرت عليها آفة الحكم الفردي المُطلق، لدرجة أن الزعيم سعد زغلول مؤسس قلعة الليبرالية المصرية كما يطلق على حزب الوفد، منع لجنة الحزب للسيدات من حضور حفل افتتاح برلمان 1924، في الوقت الذي دعا إليه سيدات أجنبيات لحضور هذا الافتتاح، الأمر الذي جعل هدى شعراوى وباقى أعضاء اللجنة يُرسلن له بيان احتجاج شديد اللهجة.

 أصدر نور خلال اجتماع للهيئة العليا في سبتمبر 2005 قرارات باستبعاد وفصل أربعة من كبار القيادات منهم مصطفى موسى

كما مارس سعد أشد أساليب الدكتاتورية مع خصومه وفرض الوصاية على أعضاء الحزب لدرجة أن قراءة جريدة السياسة التي كان يُصدرها الأحرار الدستوريون كانت إثما مجرما على الوفديين، ولم يختلف الأمر كثيرًا في الوقت الحالي، فالشللية والمصالح وليست الأيدلوجيا ما يجتمع عليه الحزبيون في مصر، وهو ما يشوه التجربة ويجعلها بلا عنوان ولا مضامين تمكنها من لعب الدور الذي من المفترض أن تكون جاءت من أجله، سواء في المنافسة على الحكم أو وضع تصورات سياسية قابلة للتنفيذ وفق عقيدة وأيدلوجيا واضحة المعالم في السياسة والاقتصاد والحريات والتنوير، والتي يسهل غيابها في عملية تشكيل وتأسيس الأحزاب من عمليات الاختراق الأمني والسياسي لها.

وربما يعد الدرس الأبرز الذي لم يتعلمه نور نفسه من إنكاره لأهمية الأيدلوجيا في حماية المشروع السياسي، فشل تجربته الشخصية في حزب الغد، فالغول الذي هدد تفرد الحزب الوطني بالحياة السياسية في عام 2005، ونجح بعد مرور 3 أشهر فقط من تأسيسه في الدفع بـ«نور» رئيسا للجمهورية  في مواجهة حسني مبارك، وحل ثانيا بعده في مفاجأة كبرى، لم يستمر مشروعه السياسي لأكثر من عام واحد، واشتعل انقسام حاد بين أيمن نور ونائبه موسى مصطفى موسى كان للأمن لمسه واضحة فيه.

وفي ضوء تصعيدات الأزمة، أصدر نور خلال اجتماع للهيئة العليا في سبتمبر 2005 قرارات باستبعاد وفصل أربعة من كبار القيادات منهم مصطفي موسى، الذي أصدر هو الأخر وبعد شهر من إصدار قرارات نور قرارات مماثلة بعزل وفصل مؤسس الحزب ومجموعة من مؤيديه في اجتماع آخر للهيئة العليا، ثم أعلن موسى نفسه رئيسا شرعيا للحزب من قبل الجمعية العمومية في أكتوبر من نفس العام، وأدي ذلك الانقسام إلي وجود هيكلين حزبيين يدعي كل منهما أنه حزب الغد ويتحدث باسمه.

استمر التصعيد إلى أن تعرض مقر الحزب لحريق متعمد في نوفمبر 2008، بعد اشتباكات بين أنصار الكتلتين لمنع الجمعية العمومية من الانعقاد في موعدها، لتنهي لجنة شئون الأحزاب في عام 2011 وبعد صراع دام 6 سنوات جذور المشكلة، ولم تعترف إلا بموسى مصطفى موسى، على حساب صاحب الحلم والتجربة، ولم يجد نور مفرا من الاستسلام، وتأسيس حزب جديد أسماه غد الثورة، لم يضف كثيرا للحياة السياسية وأهدر فرصة ثورة 25 يناير والحريات التي جاءت بها والفضاء الذي كان متسعا للسياسة وأربابها، ثم استمر بعد انحصار ثورة يناير ورجالها في الدوران بفلك فلسفة الأحزاب المصرية، التي تختزل الحزب في شخصا واحدًا أو مجموعة أشخاص، دون أن يكون للتجربة الحزبية أدنى وجود في الشارع المصري.

ما الذي ترتب على تشوه مفاهيم الليبرالية في مصر ؟

في 13 يوليو من عام 2013، وبعد 10 أيام فقط من إسقاط حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، كتب الدكتور عمرو حمزاوي، أستاذ العلوم السياسية المصري، وأحد أبرز وجوه ثورة 25 يناير الذين دعوا إلى عزل مرسي، وهو أيضا أحد الذين ينعتون حكم السيسي بالإنقلاب، مقالاً فاصلا ً جريدة الشروق المحلية، اعترف فيه أن الليبرالية المصرية أدخلت نفسها في أزمة طاحنة بترويج الكثير من الرموز والأحزاب المحسوبة عليها لاستدعاء المؤسسة العسكرية إلى الحياة السياسية، طوال عام رئاسة الدكتور محمد مرسي وبتأييد تدخلها بعد ٣٠ يونيو ٢٠١٣.

اعترف حمزاوي بضعف ومحدودية الأصوات الليبرالية التي ترفض ازدواجية معايير التعاطي مع انتهاكات حقوق الإنسان والحريات

وقال حمزاوي، أنه حذر كثيرا من التداعيات الخطرة لتنشيط خلايا مرض النخب الليبرالية العضال المتمثل في الاستعداد للتحالف الفوري وغير المشروط مع المؤسسة العسكرية فى لحظات الصراع مع الإخوان ودون التفكير في جوهر الديمقراطية أو الاتزام بآلياتها.

وأكد أنه سجل بعد أحداث ٣٠ من يونيو في مقالات متتالية رفضه لما أسماه تهاوي المصداقية الأخلاقية والسياسية للكثير من الرموز والأحزاب المحسوبة على الليبرالية المصرية، بازدواجية معاييرها وخاصة فيما يخص انتهاكات حقوق الإنسان، وصمتها عن فاشية الإقصاء والإلغاء ونزع الإنسانية عن عموم اليمين الديني التي يروج لها زيفاً تارة باسم المصلحة الوطنية وتارة أخرى باسم التفويض الشعبي للحرب على الإرهاب، في سياق عسكرة المخيلة الجماعية للمصريين، وتسويقها الداخلي والخارجي لترتيبات ما بعد ٣٠ يونيو مجددا دون تفكير فى جوهر الديمقراطية أو أي التزام بآلياتها.

واعترف حمزاوي بضعف ومحدودية الأصوات الليبرالية التي ترفض ازدواجية معايير التعاطي مع انتهاكات حقوق الإنسان والحريات، ورفض إلغاء إنسانية عموم الإسلاميين ومواجهة هجمات تقييد الرأي بأساليب تخطت جميع حدود العقل والمنطق، ولم يجد حمزاوي أدنى حرج في التأكيد على أن هذه المعطيات تشير بشكل واضح إلى انهيار وسقوط ما يسمى بالليبرالية المصرية التي لم تفلح خلال الاختبارات التي خضعت لها مؤخرا في إنصاف دين ولا إنسان، ولا قالت كلمة حق عند سلطان جائر !