تحضيرًا للخرائط الميدانية، وكمؤشرٍ على العزم في المُضي قدمًا نحو التحرك الميداني المشترك، سبق رئيس الأركان التركي خلوص أكار، رئيس جمهوريته رجب طيب أردوغان، إلى طهران، حيث حل أكار الأحد 1 من تشرين الأول/أكتوبر، ضيفًا تلبية لدعوة نظيره الإيراني محمد باقري، ثم لحق به الرئيس رجب طيب أردوغان يوم الأربعاء الفائت 4 من تشرين الأول/أكتوبر. ويعد لقاء أردوغان مع المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، والرئيس الإيراني حسن روحاني، تعبيرًا ملموسًا عن رغبة الطرفين في التعاون فيما يخص مصالحهما المشتركة.

إن اللافت في توقيت الزيارة مجيئها بعد فترة وجيزة من زيارة باقري إلى أنقرة، الأمر الذي يدلل على كم ونوعية ملفات التعاون الميداني المشتركة بين الطرفين، والتي أجبرتهما على التعاون، وعلى الأرجح قد عززها إقدام كردستان على طرح استفتاء الانفصال، وتأخر تركيا في نشر قواتها داخل إدلب، نتيجة للتطورات التي ظهرت على السطح مؤخرًا جراء إقدام هيئة تحرير الشام على فتح جبهة قتالية جزئية في ريف حماه، ربما بهدف تقديم رسالة للدول الضامنة، على أنها قوة لا يمكن الاستهانة بها، ولا بد من أخذها بعين الاعتبار في سياق الاتفاقيات الجارية.

لقد نهل التعاون الإيراني ـ التركي الأخير من نظريات البراغماتية التوافقية "ضروريات التحالف" والميكيافيلية "الغاية تبرر الوسيلة" التي نتجت عن الخطر الجيوسياسي الاستراتيجي الذي هدد مصالح الطرفين "المطلقة"، أي المشتركة في نطاق واحد، في أكثر من بقعة جغرافية، فضلًا عن تنبههم لحجم الخسائر الهائل العائد عليهم جراء اتجاه كفتي ميزان القوى نحو الرجوح لصالح القوى الدولية (الولايات المتحدة وروسيا) على حسابهما.

السبب الذي يدفع الطرفين للتوجه نحو تسريع تنفيذ عملية الحل في إدلب، هو احتلال الملف الدرجة الأولى لسلم أولويات كل منهما

يبدو أن ملف مدينة إدلب الذي أُضيف إلى قائمة مناطق خفض التصعيد خلال جولة محادثات أستانة 6 الأخيرة، ولا يزال يشكل الملف العالق بين الطرفين، رغم اتفاقهما كدولتين ضامنتين لعملية الحل في سوريا إلى جانب روسيا، على نشر قواتهم في المدينة، الملف الأول بالنسبة لهما. تشكل سيطرة هيئة تحرير الشام على المدينة، المعضلة الأكبر في تحقيق الأطراف (تركيا ـ إيران ـ روسيا)، اتفاقهم بخصوص المدينة، إلا أنه بالاطلاع على نشر تركيا بعض من شرطتها العسكرية داخل الحدود السورية، مع تصريح أردوغان من طهران بأن "تركيا تسعى بالتعاون مع إيران لمحاربة داعش والنصرة في سوريا"، بالإضافة إلى مجاملته إيران بتقديم التعزية بمقتل الحسين وتعبيره عن تبجيله له، إلى جانب اجتماعه مع بوتين، قبل أسبوع في أنقرة، في إطار أجواء إيجابية أسفرت عن تأكيد الطرفين على ضرورة تسريع عملية الحل، يتضح لنا أن حل موضوع إدلب خلال الفترة القادمة بات أمرًا ممكنًا. وربما يتم من خلال إنهاء سيطرة الهيئة بطريقة مباشرة ضمان تعاون تركيا وروسيا بشكل غير مباشر عبر إقناع تركيا لبعض قيادات النصرة بإنهاء سيطرتها.

ولعل السبب الذي يدفع الطرفين للتوجه نحو تسريع تنفيذ عملية الحل في إدلب، هو احتلال الملف الدرجة الأولى لسلم أولويات كل منهما، فإيران تريد إنهاءه للتفرغ للجبهة الشرقية وملف استفتاء كردستان العراق، وتشكل النقطة الأخيرة الدافع الأساسي لتركيا أيضًا، فإنهاء الملف يجعل خلايا الأزمات في مؤسسات الدولتين متفرغة لملف استفتاء كردستان العراق الذي يعتبر الملف الأساسي الثاني بالنسبة لهما.

لا شك أن لمساندة "إسرائيل" لملف استفتاء كردستان دور ملموس في إسراع الطرفين على التشاور بشأن الملف، غير أن تشارك الطرفين ذات الخوف القومي الناتج عن احتمال تشكيل هذه الخطوة إلهامًا للشعب الكردي في إيران وتركيا وسوريا، والحركات المسلحة المحاربة باسمه، والعمل بجد من أجل الإقدام على هذه الخطوة، ولإجراء تحرك وقائي ينأى بمصالح الطرفين عن هذا الخطر، جنحتا، بعقلانية، للتنسيق المشترك، مؤجلتين ملفات الخلافات القائمة بينهما.

يعكس تعاون الطرفين الملموس في الآونة الأخيرة اقتناعهما بسيناريو التعاون البراغماتي، وفقًا لتحالف الضروريات الذي يتفق فيه الطرفان

ومع زيارة أردوغان لطهران عشية جولة وزير الخارجية الإيراني محمد ظريف، في الخليج، والتي شملت قطر وعُمان، يتبين أن إيران ما زالت حريصة على تغيير المعادلة داخل منطقة الشرق الأوسط لصالحها، من خلال استقطاب تركيا للتعاون في تقديم الخيارات التجارية الاستراتيجية البديلة التي تبحث عنها قطر كبديل للمواني الإماراتية البحرية والمعابر السعودية البرية، بغرض تقليل عدد الخصوم في المنطقة وصولًا لتحجيم دور المملكة العربية السعودية كأكبر وأول دولة معارضة للدور الإيراني في المنطقة.

ولئن كانت الملفات السياسية والعسكرية ذات أهمية خاصة في اللقاء، فإن الملف الاقتصادي أثبت وجوده في اجتماعات الطرفين، فالطرفان سبق ووقعا مذكرة تفاهم تقضي برفع مستوى التبادل التجاري بينهما إلى 30 مليار دولار، إلا أن مستوى التعاون الحالي بينهما حتى الآن لم يتعد 10 مليار دولار فقط، وهو ما جعلهما يتخذان قرار التعامل بالعملة المحلية لكليهما في التبادلات التجارية، لرفع مستوى التبادل التجاري. يساعد التعامل المتبادل بالعملة المحلية في تجنب ضغوط العملة الأجنبية، وما يمكن أن تسببه من خسائر لتجار كلا البلدين، نتيجة عدم ثبات سعر الفائدة الخاص بها، وبالتالي تغير سعر الصرف الذي يسبب ارتفاعًا في أسعار السلع، فالتعامل المتبادل بالعملات المحلية، والذي يعرف باسم "Clearing"، يوفر ثباتًا في السعر، ويكفل للدول المتبادلة للتجارة فائدةً أكبر وتعاملًا أسهل.

في الختام، يعكس تعاون الطرفين الملموس في الآونة الأخيرة اقتناعهما بسيناريو التعاون البراغماتي، وفقًا لتحالف الضروريات الذي يتفق فيه الطرفان، بشدة، بشأن ضرورة الإبقاء على وحدة الأراضي السورية والعراقية، حفاظًا على نفوذهما في تلك الأراضي من دون منافس قوي قد يكون "إسرائيل" أو الولايات المتحدة.