عامان من التدخل الروسي المعلن، تحولت خلالهما سوريا إلى ملعب لأسلحة ومعدات روسيا، لكن ليس الروس وحدهم مَنْ اتخذ من سوريا حقل تجارب، فقد تحول هذا البلد منذ الحرب إلى ساحة مفتوحة تستغله عدة أطراف أجنبية في استعراض تطورها التكنولوجي والتكتيكي والتجاري.

ومنذ أن تدخّلت روسيا بقوتها العسكرية الجبارة في سورية دعمًا لقوات النظام السوري، بحجة محاربة داعش والإرهاب، إلى أن تحولت بعدها بشكل واضح إلى دعم النظام إلى حدٍّ بدّل موازين القوى على الأرض لصالحه، كانت الأراضي السورية حقلاً كبيرًا للتجارب على أسلحة روسية استخدمت لأول مرة، وأثبت قسم كبير منها كفاءته في القتال.

سوريا.. مختبر الأسلحة الروسية

بعد انتهاء الحرب الباردة عام 1991، راحت روسيا في سبات عميق، لكنها استيقظت الآن، ودشنت أول حروبها الخارجية منذ ما أكثر من 24 عامًا، حيث وجهت أولى ضرباتها في 30 من سبتمبر/أيلول 2015، ضد أهداف تسيطر عليها المعارضة السورية، زاعمة أنها استهدفت مقرات لتنظيم داعش.

وشهدت الحرب في سوريا، على مدار العامين الماضيين، دخول الترسانة العسكرية الروسية على خط القتال لأهداف ومصالح عدة، ليس أكبرها إنقاذ حليفها الأسد، وليس أدناها استعادة شيء من نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، أو الظهور بمظهر الندّ القوي للولايات المتحدة، فقد فاجأت العالم بامتلاك أسلحة ومعدات حديثة تُستخدم لأول مرة.  

وللوهلة الأولى، بدا أن لموسكو مصلحة في إخراج أسلحتها من المستودعات لإجراء بعض التجارب على مداها وجدواها وفاعليتها وقدرتها التدميرية، لا سيما تلك الأسلحة الجديدة التي طورتها بعد انتهاء الحرب الباردة، ولم يتسن لها بعد استعراضها وتقديمها لمشتريي السلاح الكُثُر في دول العالم بعد تجربتها.

سوريا مثلت مجالاً جديدًا لاختبار وحدات التدخل السريع، وفي سوريا، جاء استخدام طائرات حديثة، مثل المقاتلة سوخوي وغيرها

في سياق ذلك، قال موقع "ديبكا" الإسرائيلي المتخصص في التحليلات العسكرية إن روسيا تستخدم الأراضي السورية كحقل تجارب لأسلحتها، مشيرًا إلى أن التجربة الأكثر أهمية بالنسبة لاستعراض العضلات العسكرية الروسية تمت عبر عمليتين لإطلاق صواريخ مجنَّحة ومصنّعة حديثًا، يطلق عليها اسم "كاليبر" (Kalibr).

وفي عقب قرار سحب قواته جزئيًا من سوريا مارس/آذار الماضي، قال الرئيس الروسي إن الحرب في سوريا كانت أفضل تدريب للقوات الروسية، الأمر الذي تناولته صحيفة "واشنطن بوست" في تقرير جاء فيه إن روسيا حولت الصراع السوري إلى عرض عسكري وميدان تجارب لأسلحتها.

كما نقل تقرير الصحيفة الأمريكية، عن خبراء عسكريين، القول إن سوريا مثلت مجالاً جديدًا لاختبار وحدات التدخل السريع، وفي سوريا، جاء استخدام طائرات حديثة مثل المقاتلة سوخوي وغيرها، وهو ما أتاح للطيارين الروس ساعات تدريب كانوا بحاجة إليها.  

وذكرت وكالة"سيبوتنيك" الروسية في تقرير لها، أن مهمة القوات المسلحة الروسية في سوريا أكبر مهمة في الخارج، مشيرة إلى أن الفضل يعود لها في تغيير موازين القوى هناك، مؤكدة أن روسيا اختبرت أحدث الأسلحة في ظروف القتال.

 

اعترافات روسية.. ما لم يقله بوتين

تتفاخر روسيا دائمًا على لسان مسؤوليها بتجريب أسلحتها في سوريا لأول مرة، وجاء آخر التصريحات في أغسطس 2017، حيث تحدث يوري بوريزوف نائب وزير الدفاع الروسي، عن تجريب أكثر من 600 سلاح ومعدة عسكرية جديدة.

ورصد تقرير لموقع ميدل إيست مونيتور، أن روسيا اختبرت 162 نوعًا من الأسلحة الجديدة والمطورة في حقل تجاربها في سوريا، وهو ما جاء على لسان وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، الذي أكد استخدام القوات الروسية التي تساند النظام السوري أسلحة جديدة للمرة الأولى في الأراضي السورية.

الوزير الروسي شدد أيضًا على الأخذ في الاعتبار التجربة السورية في أثناء تصنيع نماذج جديدة للأسلحة واستخدام التقنيات الحالية، مؤكدًا أن العسكريين الروس اكتسبوا الخبرات في ضرب الأهداف بأسلحة عالية الدقة بعيدة المدى، من على غواصات وسفن في مياه بحري قزوين والمتوسط.     

في ظل هذا لا يجد المسؤولون العسكريون الروس حرجًا من الإقرار بذلك، حيث اعترف رئيس اللجنة العلمية العسكرية التابعة للقوات المسلحة الروسية الجنرال إيغور ماكوشييف، بأن الخبراء العسكريون الروس أجروا خلال العام الماضي اختبارات على استخدام أكثر من 200 نموذج من الأسلحة في سوريا، وبفضل ذلك جرى تعديل الخطط اللازمة لتطوير وتحديث نظم الأسلحة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه أقر بأن روسيا حولت سوريا إلى حقل تجارب لأسلحتها التي استهدفت المدن السورية، وقتلت ما لا يقل عن ألفي شخص، بالإضافة لإصابة آخرين، ويضيف: "حربنا في سوريا أفضل تجريب عملي لقواتنا في أثناء الحرب في سوريا".

تصريحات الرئيس الروسي لم تخفِ جوانب من حربه في سوريا، لكنه أحيانًا لا يقول الحقائق كاملة،  يتحدث مثلاً عن قدرة أظهرتها بلاده في سوريا على استخدام أسلحة متطورة، لكن لا تسمع منه إشارة إلى تلك الأسلحة المحظور دوليًا، ومنها ما يجرب لأول مرة.   

الحقائق المجتزئة التي أدلى بها بوتين، في المقابلة التليفزيونية الذي نشر موقع "روسيا اليوم" جزءًا منها، عن أن العمليات العسكرية الروسية في سوريا ساعدت في الكشف عن عدد من العيوب في الأنواع الجديدة من الأسلحة الروسية"، تؤكد - بحسب المعارضة السورية - أن روسيا تتبع سياسة "الأرض المحروقة" في هجومها على المدن السورية، مما تسبب بوقوع المجازر.

 الأراضي السورية.. ساحة لأسلحة محظورة

على غرار تضارب الحديث عن أسباب سحب موسكو معظم قواتها، وجودة الأسلحة الروسية وفعاليتها في المعارك، تتفاوت أيضًا الأرقام التي أقر بها المسؤولون الروسيون بشأن الأسلحة المستخدمة في سوريا، إلا أن أيًا منها لم يتحدث عن "أسلحة محرمة".

والآن، فإن واحدة من أعرق المنظمات الحقوقية وثقت المسألة، حيث تؤكد هيومن رايتس واتش استخدام قنابل عنقودية روسية الصنع للمرة الأولى في سوريا، وتبدي المنظمة قلقها من تقارير تفيد باستخدام روسيا تلك القنابل العنقودية وتزويد سلاح الجو السورية بها.

ناشطو الثورة السورية أيضًا وزعوا صورًا لقصف الطائرات الحربية الروسية قراهم لذلك النوع الفتاك من القنابل وصورًا غيرها لقنابل لم تنفجر، وتحدثوا عن إطلاق قنابل عنقودية من الجو واستخدام صواريخ محملة بالذخائر العنقودية كجزء من العملية السورية الروسية المشتركة.

 وباعتراف روسي أيضًا، اُستخدمت أسلحة جديدة لأول مرة، حيث قال وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إن الطيارين الروس استخدموا لأول مرة صواريخ جو - أرض "KH-101" يبلغ مداها 4.5 ألف كيلومتر من متن الطائرات الاستراتيجية بعيدة المدى.

وتزامنت تصريحات الوزير الروسي مع انطلاق سفينة صاروخية ثالثة تابعة لأسطول البحر الأسود لتنضم إلى السفينتين المحملتين بصواريخ مجنحة من طراز "كاليبر" اللتين انطلقتا من قاعدة "سيفاستوبول" في القرم.

"سوخوي 34" آلة دمار روسية أخرى قيد الاختبار، لم تشارك هذه الطائرات المتطورة في أي حرب خاضتها موسكو حتى الآن، فأين ستجد فضاء لتجربتها أفضل من الأجواء السورية!

ليست سوخوي في الجو فحسب، فسوريا كلها كما يبدو حقل تجارب للروس، ولعل إطلاق صواريخ "كروز كاليبر" بعيدة المدى، لأول مرة في تاريخ إطلاق القوات الروسية البحرية من أسطولهم في بحر قزوين كان من تلك التجارب، لكن أربعة من تلك "الصواريخ المجنحة" لم تبلغ أهدافها في سوريا، وسقطت في إيران، وهو ما يعزز فرضية أنها ما زالت في مرحلة اختبار.

 تجارب على أجساد السوريين.. برًا وبحرًا وجوًا

تواصل روسيا تجربة أسلحتها التي تعرّض لها مقال في وكالة "سبوتنيك" الروسية، شرح أفضل منظومات السلاح الروسية التي استُخدمت لأول مرة في سوريا.  

وفي بداية حربها، نشرت روسيا أنظمتها الدفاعية وعشرات دبابات الـ"T-90" عالية التدريع، بالإضافة إلى ما يقارب 2000 عنصر في قاعدتيها العسكريتين، ليمثل هؤلاء الجزء الأقل انتشارًا وفاعلية في الترسانة الروسية بسوريا.

وفي عام 2016 تم نشر "سو-35 إس" في قاعدة حميميم المحدثة عن سو-27، وفي حزيران 2017 قدمت موسكو الطائرة "سو-27أم 3" وأحدث الصواريخ "جو جو" متوسطة المدى لنظام الأسد.  

وفي يونيو/حزيران 2017، في أثناء زيارة بشار الأسد لقاعدة حميميم الروسية في سوريا، ظهرت مركبة الدعم الناري من طراز BMPT-72، لأول مرة خارج روسيا.                    

في الشهر نفسه، أعلنت وزارة الدفاع الروسية تحديث مروحيات "كا-52" التمساح القتالية بعد تجربتها في سوريا، وأضافت: "جربنا بنجاح بزة جندي المستقبل (راتنيك) في أثناء الحرب في سوريا".

وعلى صعيد الطيران المروحي، استخدمت القوات الروسية لأول مرة مروحيات "مي-8″ و"مي-24" ومي-28 أتس "الصياد الليلي" و"كا-25 "التمساح"، وخسرت موسكو 4 مروحيات على الأراضي السورية.

ولتدمير الأهداف الأرضية، استخدمت القوات الجوية الروسية الصواريخ المضادة للدبابات (بي تي أو إر) "شتورم"، والمنظومة المضادة للدبابات "فيخر"، وصواريخ "جو سطح" أكس-25 أم ل-29تي، وتزود المقاتلات بصواريخ "جو جو" إر-73/إر-27إر.

ومن أجل زيادة قدرات هجماتها التدميرية استعملت القوات الروسية، أنواع مختلفة من القنابل: (كاب-500ل/كاب-500كي إر) والمتفجرة (بيتاب 500 إس/فاب-500 أم54/أو ف أ ب250-270/أو ف أ ب 100-120).

وبالانتقال للجانب البري من الأسلحة الروسية المستخدمة في سوريا، استخدمت الشرطة العسكرية الروسية المركبات المدرعة "تايفون-كي" و"تايفون-أو"، كما لعبت قاذفات اللهب توس-1 "بوراتينو" وتوس-1 أ "سولنتسبيوك" دورًا مهمًا في العمليات الهجومية.

رابط صورة

 

سوريا.. دعاية مجانية لفخر الصناعة الروسية!

علت أصوات الأسلحة الروسية في المعارك الدائرة على الأراضي السورية، وكذلك صوت موسكو في الترويج للأسلحة في الأسواق العالمية هذه الأيام.  

وظهر منهج الروس في ترويج بضاعتهم جليًا عند طرح  الأنواع الجديدة من الأسلحة والذخائر - على الأقل التي جُربت لأول مرة في الحرب السورية - فقد استطاعت جذب اهتمام الزبائن المحتملين لشراء السلاح، من كل أنحاء العالم.  

وتأكيدًا لذلك، قال سيرغي تشيميزوف مدير شركة "روستيخ" للأسلحة، في فبراير 2017، إن العملية العسكرية في سوريا دعاية مجانية للصواريخ والطائرات والسفن الحربية الروسية".     

وبحسب خبراء، فإن النجاحات التي حققتها الأسلحة الروسية كانت سببًا رئيسيًا في تغيير سير المعارك التي مالت كفتها بشكل كبير لصالح قوات النظام السوري، واستثمرت موسكو هذه الانتصارات سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا لتعلن أن فرصة اختبار الأسلحة في أرض المعارك هي خير برهان على جودتها.

ويرى البروفيسور في معهد التقييمات الاستراتيجية إيفان كونوفالوف، أن بعض الأسلحة الروسية ستكون أكثر طلبًا بعد مشاركتها في الحرب بسوريا، مشيرًا إلى أن استعراض قدرات الأسلحة الروسية في سوريا كان ناجحًا رغم أنه لم يكن هدفًا من العملية العسكرية الروسية.

 أسلحة للبيع.. مجربة وفاعلة!

يحتاج سوق السلاح إلى نزاعات وحروب كي ينمو، وبفضل الفرصة التي حظيت بها روسيا في سوريا، ارتفعت مبيعات روسيا في سوق السلاح العالمي بصفقات عادت على الخزينة الروسية بعشرات المليارات من الدولارات.  

وفي مقابلة لـ"بوتين" على التليفزيون الروسي تحدث فيها عن تقدم بلاده في صناعة الأسلحة وازدياد نسب مبيعها، لا سيما خلال العام الماضي، متوقعًا أن يصل الطلب على الأسلحة الروسية لذروته في العام 2017.      

وقي فبراير 2017، قال سيرغي تشيميزوف مدير شركة "روستيخ" للأسلحة إن "المبيعات تأثرت إيجابيًا بعد الحرب"، حيث ارتفعت نسبة مبيعات الأسلحة الروسية بنسبة 7.2% عما سواه من الأعوام الماضية، لتحتلّ روسيا المرتبة الثانية عالميًا، بعد الولايات المتحدة، ولا تتخلّف عنها إلا قليلاً.  

ومن المثير للاهتمام أن التدخل الروسي في سوريا قد عزز من سطوتها بمجال تصدير الأسلحة، في العالم أجمع، حيث تسيطر روسيا منذ 10 سنوات على نحو 25% من صادرات الأسلحة عالميًا، وتعتبر كل من الصين والهند وفيتنام أبرز زبائن روسيا.

وتمثل مبيعات الطائرات القتالية نحو نصف مبيعات إلى الخارج، بينما تستحوذ الأسلحة البرية على نحو 30% ومنظومات الدفاع الجوي على نحو 20%.

وتشير تقديرات الخبراء إلى أن روسيا مستعدة للاستحواذ على نحو 27% من السوق العالمية للطائرات العسكرية، متجاوزة بذلك الولايات المتحدة بشكل طفيف.

لا سقف زمني واضح لتدخل الروس في سوريا، وكلما طال مقامه هناك اتسع أمامهم المجال لتجريب المزيد من الأسلحة على أجساد السوريين.

وأكدت موسكو أن قيمة طلبات الشراء الأجنبية الخاصة بهذه الأسلحة والتي ستسلم خلال السنوات القليلة المقبلة ستصل إلى 50 مليون دولار، بينما بلغت مبيعات الأسلحة الروسية في العام الماضي وحده إلى 15 مليون دولار.

وسجلت الإحصاءات الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في الطلب على الأسلحة الروسية، حيث بلغ أعلى مستوى له منذ عام 1992، فقد تم التوقيع العام الماضي على عقود لتصدير الأسلحة بقيمة تتجاوز 26 مليار دولار.

وفي عام 2015 صدرت أسلحة للسوق الخارجية بقيمة 14.5 مليار دولار، بينما في عام 2013 و2014 لم تتجاوز المبيعات من الأسلحة 10.3 مليارات دولار.

ورغم العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا فإن ذلك، حسب خبراء، قلما يؤثر على سوق السلاح الروسي، ويرجع ذلك إلى أن موسكو تعتمد أكثر على السياسة من الاقتصاد في هذا المجال، بالإضافة إلى أنها لا تتاجر بأسلحتها مع أوروبا والولايات المتحدة.

وتتوجه روسيا بالدرجة الأولى إلى الدول الآسيوية وبلدان رابطة الدول المستقلة، بحيث تشكل صادرات الأسلحة إليها 60%، بالإضافة إلى نحو 30% للدول الإفريقية و5% لدول أمريكا اللاتينية.

إذًا هو استعراض قوة واختبار في آن واحد، حيث لا يوجد سقف زمني واضح لتدخل الروس في سوريا، وكلما طال مقامه هناك اتسع أمامهم المجال لتجريب المزيد من الأسلحة على أجساد السوريين.