أنهى الرئيس التركي أردوغان أمس السبت خطابه في مدينة أفيون وسط تركيا خلال المؤتمر التشاوري والتقييمي لحزب العدالة والتنمية، ومن ثم بدأت قوافل عسكرية على الحدود بالتحرك باتجاه محافظة إدلب، تواكبت مع استعدادات "الجيش السوري الحر" للتوجه إلى المحافظة بدعم مشترك من قبل تركيا وروسيا، الهدف منها التوصل إلى تطبيق اتفاقات "خفض التصعيد" في إدلب.

أردوغان وفي معرض حديثه عن الأزمة في الشمال السوري قال: "هناك تحركات جدية في إدلب ستستمر خلال المرحلة المقبلة لتحقيق الأمن في المحافظات السورية"، وأضاف الرئيس "فصائل الجيش الحر ستتولى عملية الدخول إلى إدلب دون تدخل تركي مباشر في المرحلة الحالية".

 

ونقلت وسائل إعلام تركية عن مصادر عسكرية أن المدفعية التركية قصفت صباح اليوم الأحد بعض المواقع في مدينة إدلب، وذلك في إطار دعم عمليات قوات الجيش السوري الحر في المدينة، كما أُعلن عن دخول وفد تركي عسكري في مهمة استطلاع وتحديد النقاط التي ستتمركز بها القوات التي ستدخل سوريا ضمن العملية العسكرية التي أعلنتها تركيا أمس السبت.

اتفاق خفض التصعيد في إدلب بدأ

يشوب عملية إدلب التي ستنطلق بين لحظة وأخرى، حذرًا ودقة كبيرين بسبب وجود أكثر من 2.9 مليون مدني بمناطق عدة في المحافظة، بحسب إحصائية الحكومة السورية المؤقتة التي تتبع لاتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية.

سلاح الجو الروسي سيقدم الدعم للجيش الحر في عملية إدلب في حين سيقدم الجيش التركي الدعم البري داخل الحدود

لا يزال الدور التركي المنوط في عملية إدلب غامضًا إلى حد ما، في الوقت الذي شهدت الحدود أمس تطورات متسارعة قبالة معبر باب الهوى، فهل تتجه تركيا لخوض مواجهة مع "هيئة تحرير الشام" التي عادت قيادتها لأبو محمد الجولاني، أم ستكتفي بالانتشار بالمحافظة وحسب؟! وصل أمس السبت وفد عسكري تركي من كبار القادة العسكريين إلى ولاية هاتاي جنوبي تركيا في زيارة تفقدية للوحدات العسكرية التي وصلت إلى الحدود مع سوريا حديثًا والتي تحشدت خلال الفترة القريبة الماضية، بالتزامن مع التسريبات بشأن عملية عسكرية تركية تهدف للدخول إلى محافظة إدلب.

بحسب ما ذكرته وكالة "الأناضول" التركية، فإن "الجيش التركي رفع وتيرة تحركاته العسكرية في المنطقة، في إطار استعداداته للانتشار في محافظة إدلب السورية، بموجب اتفاق توصلت إليه الدول الضامنة لمسار أستانة عن إنشاء منطقة تخفيف التوتر في المحافظة".

وقد رأى محللون سياسيون أتراك أن العملية العسكرية التركية في محافظة إدلب لها عدة أهداف، فهدفها الاستراتيجي الأول منع تمدد قوات سوريا الديمقراطية باتجاه سواحل البحر المتوسط، ومحاصرة مدينة عفرين التي تسيطر عليها "قوات حماية الشعب الكردية" تمهيدًا لاقتحامها، إضافة إلى منع تقسيم سوريا ومن ثم تهيئة الأرضية لعملية التحول السياسي في سوريا حسب ما أقرته اتفاقيات خفض التصعيد في محادثات أستانة السورية.

اجتماع لقادة عسكريين أتراك

وفي توضيح لخطة القوات التركية في إدلب، قالت الوكالة التركية إن عناصر القوات التركية لن تدخل إلى إدلب بهدف فتح "عملية عسكرية"، إنما هدفها "الانتشار" لضمان وقف إطلاق النار وفق اتفاق "تخفيف التوتر" بناء على نتائج مؤتمر أستانة،" وأوضحت أن الخوض في اشتباكات مع قوات الأسد أو فصائل محلية الانتشار ليس هدفًا للعملية، لكن الجيش التركي أجرى استعداداته آخذًا بالحسبان جميع المخاطر الأمنية المحتملة.

هددت هيئة تحرير الشام الجهات التي تسعى لدخول محافظة إدلب بدعم روسي بالقتال، واعتبرت أن إدلب ليست نزهة لهم.

وأن الجيش التركي سيقيم عدة نقاط تفتيش ومراقبة في مدينة إدلب بهدف ضمان استمرار الهدنة في منطقة تخفيف التوتر المتفق عليها بين أنقرة وموسكو وطهران في مفاوضات أستانة، ونشر ناشطون خريطة لإدلب ذكروا فيها أن الانتشار العسكري سيتركز على حدود عفرين وأولى نقاط الانتشار ستكون مدينة دارة عزة في ريف حلب الشمالي، وتأتي هذه التطورات بعد زيارة قام بها الرئيس التركي أردوغان ورئيس هيئة الأركان خلوصي أكار إلى إيران قبل أيام، وإجراء مشاورات وتنسيق في ملفي كردستان العراق ومعركة إدلب، حيث أشار الرئيس قبل ذهابه أن الزيارة ستحدد معالم خارطة الطريق بالنسبة لتركيا في المرحلة المقبلة.

ومن شأن تمكن تركيا من السيطرة على مناطق في إدلب أن تضمن محاصرة عفرين ذات الأغلبية الكردية من الغرب والشرق، مانعةً أي تواصل من جهة البحر أو الشرق مع المناطق ذات الأغلبية السكانية الكردية في شمال سوريا.

الجيش الحر رأس حربة في عملية إدلب

يبدو أن الثابت في العملية العسكرية المرتقبة، أنها ستتم عبر مقاتلين من فصائل الجيش الحر، من الذين شاركوا سابقًا في عملية "درع الفرات" شمالي حلب، ويُشار أن "هناك تحركات عسكرية ضخمة لفصائل الجيش السوري الحر على المعابر العسكرية تمهيدًا للدخول إلى مدينة إدلب"، وأكد قيادي عسكري من "فرقة السلطان مراد" المنضوية في صفوف قوات "الجيش السوري الحر"، العاملة في منطقة "درع الفرات"، أن القوات توجهت إلى نقطة العبور في منطقة حور كلس قرب مدينة جرابلس، مع عتادها العسكري في انتظار الدخول إلى إدلب عبر تركيا خلال الساعات المقبلة، بينما أكد محللون أتراك أن الجيش التركي قد يكون له دور في المرحلة المقبلة.

مقاتلو النخبة في "هيئة تحرير الشام"

هيئة تحرير الشام التي يقودها زعيم "جبهة فتح الشام" – جبهة النصرة سابقًا - أبو محمد الجولاني والذي يسيطر على مساحة واسعة من شمال غربي سوريا بعدما انفرد بالسيطرة على إدلب التي كانت تعد معقل المعارضة السورية الأكبر في سوريا، هددت أمس السبت الجهات التي تسعى لدخول محافظة إدلب بدعم روسي بالقتال، واعتبرت أن إدلب ليست نزهة لهم، ووجهت كلامها في بيان لها أمس السبت، إلى الفصائل السورية المنضوية في "درع الفرات" بقولها "فصائل الخيانة التي وقفت بجانب المحتل الروسي"، حيث أعلنت فصائل "درع الفرات" سابقًا جهوزيتها لاقتحام إدلب بدعم تركي.

يُشار أن أردوغان ذكر لإحدى القنوات المحلية أن "سلاح الجو الروسي سيقدم الدعم للجيش الحر في عملية إدلب في حين سيقدم الجيش التركي الدعم البري داخل الحدود"، وهو ما لاقى امتعاضًا في الوسط السوري معتبرين أن روسيا قوة احتلال في سوريا ولن تكون غير ذلك، وسلاح الجو الروسي يستهدف أهداف مدنية تؤدي إلى قتل وإصابة العشرات من المدنيين وتدمير البنية التحتية بدون تمييز، بذريعة أنه يستهدف مواقع "جبهة النصرة" بينما في الحقيقة والواقع لا يصاب أي من مقاتلي الجبهة أو مواقعهم بأذى كما أكدته الوقائع في الأيام الماضية.

هدف تركيا الاستراتيجي في عملية إدلب هو منع تمدد قوات سوريا المديقراطية باتجاه سواحل البحر المتوسط، ومحاصرة مدينة عفرين التي تسيطر عليها "قوات حماية الشعب الكردية" تمهيدًا لاقتحامها

وأشارت مواقع إعلامية أن هناك مفاوضات تجري بين "هيئة تحرير الشام" والجانب التركي لا تزال مستمرة ولم يتمخض عنها شيء، ربما ينتج عنها انتشار للجيش التركي دون انخراط القوات التركية بعملية عسكرية في إدلب، و"هيئة تحرير الشام" ترفض دخول القوات التركية إلى محافظة إدلب، وتريد أن يكون الانتشار فقط في جبهات القتال مع المليشيات الكردية في شمال شرق المحافظة.

خريطة إدلب

العميد المنشق أحمد رحال ذكر في تغريدة له على "تويتر"، أن "لديه معلومات عن موافقة هيئة تحرير الشام على دخول الجيش التركي لمنطقة إدلب"، مشيرًا إلى "استكمال الحشود التركية على حدود المحافظة، بما يعني أن العملية باتت وشيكة، وسيتم خلالها إعلان إدلب منطقة عسكرية تركية."

إلى ذلك، أطلقت المدفعية التركية اليوم قذائف سقطت في الجانب السوري في محيط قرية كفر لوسين، القريبة من معبر باب الهوى، رجح البعض أنه استهداف لمواقع تابعة لتنظيم "هيئة تحرير الشام" في حين ذكر آخرون أنها طلقات تحذيرية، بعدما استهدفت "الهيئة" رافعة تركية بقذيفة "آر بي جي" أدت لإعطاب الرافعة حيث كانت تقوم بإزالة أجزاء من الجدار العازل الذي شيدته السلطات التركية في وقت سابق.

بدأ التدخل العسكري التركي باتجاه إدلب بشكل رسمي، بيد أن المرحلة الأولى ستكون بيد فصائل "درع الفرات" التي ستقاتل "هيئة تحرير الشام" بشكل رئيسي بدعم من تركيا وإسناد جوي من روسيا، في حين يبدو أن تركيا توصلت إلى اتفاق مع الهيئة على عدم التصادم والاقتصار على الانتشار فيما بعد بحسب اتفاق "خفض التصعيد"، وستعمل القوات التركية على محاصرة مدينة عفرين للسيطرة عليها ومنع تشكيل أي كانتون كردي في الشمال ووصولهم إلى البحر المتوسط.