تواجه الجامعات العربية بوصفها مؤسسات للتعليم العالي العديد من التحديات بعضها خارجي يفرضها الواقع الدولي والتحولات العالمية الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والعلمية، والتي منها استحداث نظم تعليمية حديثة مثل التعليم عن بعد وتطور مجالات البحث العلمي وتزايد استخدام الوسائط الإلكترونية في الجامعة وزيادة التعاون العلمي بين مؤسسات التعليم العالي وتدويل التعليم. وبعضها الآخر مجموعة التحديات الداخلية الخاصة في المجتمعات المحلية التي تقدم هذه الجامعات خدماتها فيها والتي منها ضعف الطاقة الاستيعابية لهذه المؤسسات وتزايد الطلب الاجتماعي عليها وصعوبة التوازن بين الكم والنوع بمنظومة العمل في هذه المؤسسات وصعوبة التكيف مع متطلبات السوق في هذه المجتمعات وضعف مخرجات المؤسسات المتمثلة في الأعداد الهائلة من الخريجين غير الملائمين لمستجدات العصر في ظل تغيير طبيعة وأشكال مهن المستقبل.

إن ما نعاصره اليوم من تدفق مذهل ومتواصل في الموارد المعرفية، يمثل ظاهرة غير مسبوقة ولم تعهدها المؤسسات التربوية من قبل، مما يضعها في أزمة الاستجابة لها كما هو الحال في المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

إن وجود الجامعة يقترن بوجود ثلاثة أمور مهمة وهي الفكر والعلم والحضارة، وهذه المفاهيم مترابطة وتكمل بعضها البعض، وللجامعة رسالة وأهداف محددة هي التدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع، وهذه الوظائف العامة لا تختلف باختلاف الزمان والمكان، فالجامعة مؤسسة اجتماعية وثقافية وتربوية وبذلك عادة ما توصف الجامعات بأنها مراكز إشعاع حضاري وعلمي للإنسانية جمعاء، علاوة على أن الجامعة لا يمكن لها أن تعيش في برج عاجي ومنعزلة عن المجتمع وثقافته.

ولضمان تحقيق مؤسسات التعليم العالي لرسالتها في قيادة حركة التغيير الاجتماعي المنشود لا بد أن تنطلق من وعي عقلاني ملم بالتغيرات الجذرية التي ينبغي إحداثها، مما يتطلب تقييم الواقع التربوي وتحديد نقاط الضعف فيه ومقاربتها بالتحديات الوطنية والقومية والعالمية، فالجامعات تعد مركز إشعاع حضاري لأي مجتمع من المجتمعات، وهي بمثابة محور الارتكاز الذي تدور حوله أهداف الجامعة وسياساتها واستراتيجياتها وخطط عملها.

إن الجامعات العربية يجب أن تؤدي دورًا مهمًا ومميزًا وشاملاً في ممارسة البحث العلمي لأن البحث العلمي الآن يعتبر من أهم أركان الجامعات، وهو مقياس ومعيار مستواها العلمي والأكاديمي، والجامعة في الوقت نفسه المكان الأول والطبيعي لإجراء البحوث وذلك لأسباب كثيرة أهمها وجود عدد كبير من الاختصاصيين من أعضاء هيئة التدريس ووجود عدد من مساعدي البحث والتدريس وطلبة الدراسات العليا وتوفر مستلزمات عديدة للبحث مثل المختبرات والإمكانيات والأجهزة والأدوات لإجراء القياسات الموضوعية والدقيقة وتوفر مصادر جمع البيانات اللازمة للبحث العلمي.

إن الثورة المعرفية ومجتمع المعرفة يتميز بقوته في عدة قطاعات أساسية، على أنه أصبحت الحاجة ملحة بشكل متزايد نتيجة لتلك التقنيات والتطورات الهائلة في حقل المعلومات والاتصالات المعاصرة لتحقيق التنمية البشرية المستديمة والشاملة، ولقد أدى ذلك إلى تغيير مكونات المجتمع التقليدي وطبيعة الاقتصاد وعمليات الاتصال فيه لتعتمد كلها على المعرفة واستخدام شبكة الإنترنت، وقد فرض ذلك تحديًا على أن تعيد الجامعات التقليدية تقييم منطق وجودها، وفي العقد الأخير من القرن الماضي تنامي الوعي بقيمة الإنسان هدفًا ووسيلة في منظومة التنمية الشاملة.

الجامعات اليوم لا تقاس بالأرقام القياسية المتمثلة بأعداد الطلبة والمدرسين والمباني الفخمة وإنما بأعداد الأبحاث العلمية والأطاريح التي تساهم في تنمية المجتمع

على أن جامعاتنا العربية بشكل عام قد استجابت بدرجات بطيئة ومتفاوتة للتقدم التكنولوجي في العقود الماضية، فثمة جهود قامت لتطوير التعليم الجامعي العالي منها ما اشتمل على إدخال نظام التعليم عن بُعد واستحداث نظام الانتساب الموجه واستخدام شبكة الإنترنت في التعليم الجامعي، وتطوير تخصصات جديدة تتناسب مع حاجات سوق العمل، واعتبار الجامعات ومؤسسات التعليم العالي كبيوت خبرة. إلا أن ما نعاصره اليوم من تدفق مذهل ومتواصل من الموارد المعرفية يمثل ظاهرة غير مسبوقة ولم تعهدها المؤسسات التربوية من قبل، مما يضعها في أزمة الاستجابة لها كما هو الحال في المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وما جرى فيها من محاولات التصحيح والتكيف الهيكلي.

إن الجامعات العربية يمكنها أن تسهم في تكوين وتشكيل المعرفة وذلك لما تمتلكه من أجهزة متطورة ومناهج ومقررات علمية معاصرة وكفاءات قيادية إدارية وأكاديمية متنورة يفترض أنها تمثل الصفوة، فالجامعات اليوم لا تقاس بالأرقام القياسية المتمثلة بأعداد الطلبة والمدرسين والمباني الفخمة وإنما تقاس بأعداد الأبحاث العلمية والأطاريح التي تساهم في تنمية المجتمع، فهي تعتبر مراكز بحثية وعلمية وإنتاجية تساهم في إعداد الأجيال المتعاقبة وتأهيلها وتدريبها وفق منهجية علمية سليمة، وهي بذلك تصبح ذات رسالة علمية وإنسانية وحضارية وثقافية. وإضافة إلى تلك الخدمات والوظائف للجامعات فإن لها ووظيفة جديدة هي بناء مجتمع المعرفة من خلال توليد المعرفة والمعلومة والتعامل معها بسهولة وبثها عبر تقنيات المعلوماتية المعاصرة، وبذلك نرى أن الجامعات المكان الحقيقي والمناسب في تنمية مجتمع المعرفة وبنائها.