تعيش "إسرائيل" هذه الأيام أسعد لحظاتها، بعد أن قررت السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، في اللحظات الأخيرة سحب قرار جديد يُدين جرائمها بحق الشعب الفلسطيني، في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو"، وتعليق القرار حتى إشعار آخر. 

موقف السلطة الذي أثار موجهة غضب فصائلية وشعبية كبيرة، لم يكن ناتجًا عن قرار انفرادي كما يعتقد الكثير، بل المفاجأة حين تم الكشف أن دول عربية أخرى أقنعت السلطة الفلسطينية بسحب القرار، وعدم مواجهة "إسرائيل" في المؤسسات الدولية في الوقت الراهن. وكشفت صحيفة "هآرتس" العبرية، أن دولاً عربية، بالإضافة للسلطة الفلسطينية، تراجعت عن نيتها طرح مشروع قرار يدين "إسرائيل" بمنظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة. 

لصالح "إسرائيل" 

وبحسب الصحيفة، فإن مشروع القرار ينص في الأساس على إدانة "إسرائيل" على سياستها في الضفة الغربية والقدس المحتلتين وقطاع غزة، إذ تعدّ هذه المرة الأولى منذ العام 2013 التي يتم فيها التراجع عن مشروع قرار في اليونسكو. 

وقال موظف في وزارة الخارجية الإسرائيلية إن مجموعة الدول العربية وكذلك السلطة الفلسطينية تراجعت عن عزمها أن تطرح للتصويت في اللجنة الإدارية لمنظمة التعليم والثقافة والعلوم التابعة للأمم المتحدة (اليونسكو)، التي ستفتتح أعمالها في باريس هذا الأسبوع، مشاريع قرار تنتقد سياسة الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، أي القدس والضفة الغربية وقطاع غزة". 

ونقلت "هآرتس" العبرية، عن موظف رفيع المستوى في وزارة الخارجية الإسرائيلية قوله: "الدول العربية قررت سحب مشاريع قرار في أعقاب اتصالات دبلوماسية جرت الأسبوع الماضي بين رئيس اللجنة الإدارية لليونسكو مايكل ووربس، والسفير الإسرائيلي في هذه المنظمة كرمل شاما - هكوهين، والسفير الأردني في اليونسكو مكرم قيسي". 

اليونسكو اتخذت قرارين في الفترة الأخيرة، الأول يؤكد عدم وجود علاقة بين اليهودية والقدس، والثاني يؤكد أن الحرم الإبراهيمي في الخليل هو موقع تراث فلسطيني

وأضاف الموظف الإسرائيلي أن عدة دول غربية شاركت في هذه الاتصالات الدبلوماسية، على رأسها الولايات المتحدة، والمبعوث الأمريكي الخاص جيسون غرينبلات كان ضالعًا في هذه الاتصالات بشكل شخصي.  

وبحسب الموظف الإسرائيلي، فإنه تم التوصل إلى تفاهمات خلال هذه الاتصالات، تقضي بأنه بدلاً من التصويت على مشروعي قرار بخصوص القدس المحتلة والوضع في فلسطين المحتلة، قدمتهما المجموعة العربية، وصيغتهما مطابقة للقرارات التي صادقت عليها اليونسكو قبل ستة أشهر، فإن رئيس اللجنة الإدارية لليونسكو سيقدم اقتراحين لإرجاء التصويت على مشروعي القرار لستة أشهر، وسيتم التصويت على الاقتراحين بالإجماع من جانب الدول الـ56 الأعضاء في اللجنة الإدارية. 

وقال إن "إسرائيل" لم تلتزم بأي مقابل لقاء هذه التفاهمات، وفي موازاة الاتصالات بشأن إرجاء التصويت، سعت لدى سفراء الدول الأعضاء من أجل ضمان ازدياد عدد الدول التي تعترض على القرارات ضدها". 

 

مصادر إسرائيلية: دول عربية وكذلك السلطة الفلسطينية تراجعت عن عزمها أن تطرح للتصويت في اللجنة الإدارية لمنظمة التعليم والثقافة والعلوم التابعة للأمم المتحدة (اليونسكو)

الموظف الإسرائيلي لفت إلى أن الولايات المتحدة كانت الدولة الوحيدة التي اعترضت على قرار لليونسكو بشأن إدانة "إسرائيل" وممارساتها في القدس المحتلة في تشرين الأول/أكتوبر العام 2014، مضيفًا: " أنه في تصويت جرى في أيار/مايو الماضي، ارتفع عدد الدول التي عارضت قرارات باليونسكو وعمليًا أيدت "إسرائيل" إلى عشرة، وادعى الموظف أن تزايد عدد الدول التي اعترضت على مشاريع القرار أقنع الأردن بسحب مشروعي القرار الحاليين". 

من جانبه، قال شاما - هكوهين إنه لا يستبعد إمكانية إجراء تصويت على مشروعي القرار اللذين يدينان الاحتلال الإسرائيلي وأنه يستعد لاحتمال كهذا.  يذكر أن اليونسكو اتخذت قرارين في الفترة الأخيرة، الأول يؤكد عدم وجود علاقة بين اليهودية والقدس، والثاني يؤكد أن الحرم الإبراهيمي في الخليل موقع تراث فلسطيني، جعل "إسرائيل" تفتعل أزمة مع اليونسكو وهاجمت المنظمة الدولية بشدة، وأوقفت دفع رسوم عضويتها في اليونسكو. 

وكانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو"، صوّتت الجمعة الماضية، لمصلحة الطلب الفلسطيني بوضع مدينة الخليل والحرم الإبراهيمي الشريف على لائحة التراث العالمي. من جهتها، أدانت "إسرائيل" القرار على لسان المتحدث باسم خارجيتها عمانوئيل نخشون، في بيان قال فيه "هذه المنظمة غير ذات صلة.. العار على اليونسكو". 

حالة الهزل السياسي التي تعيشها السلطة الفلسطينية بقيادة رئيسها محمود عباس، الذي بات "متسقاً" مع مصالح الاحتلال على الأراضي الفلسطينية، بحسب مراقبين، جعلت إسرائيل تتغول في هذه الانتهاكات التي ألحقت الضرر بهرم القضية الفلسطينية، ابتداءً من مصادرة الأراضي وتوسيع رقعة الاستيطان، ومرورًا بإغلاق المسجد الأقصى وتهويده، وانتهاءً بحصار غزة الجائر. 

سبق قرار السحب هذا إفشال مندوب منظمة التحرير الفلسطينية وسفيرها في مجلس الأمن رياض منصور، مشروع قرار عربي إسلامي تقدمت به دولتا قطر وإندونيسيا إلى مجلس الأمن الدولي لرفع الحصار عن قطاع غزة،

قرارات مصيرية 

ولم يكن غريبًا مشاركة السلطة في سحب قرار "اليونسكو" الأخير، إذ سبق لها سحب قرارات أكثر تأثيرًا على القضية الفلسطينية، ومن شأنها أن تلحق خسائر في الخاصرة الدولية للاحتلال الإسرائيلي، وقد يجبرها على إيقاف الانتهاكات المتواصلة. 

وبالعودة إلى أرشيف القرارات التي أنقذت السلطة بها "إسرائيل" من الإدانة والمحاسبة الدولية، تصدر سحب السلطة الفلسطينية إصدار قرار جولدستون الذي أتى في أعقاب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2008م، والذي يتبنى تقريرًا عن الجرائم التي قامت بها "إسرائيل" خلال هذه الحرب القاسية، وكان سحب القرار بمثابة إنقاذ للحياة السياسية لعدد من القيادات الإسرائيلية التي قادت الحرب حينها وأزلت الملاحقة الدولية عنهم. 

وسبق قرار السحب هذا إفشال مندوب منظمة التحرير الفلسطينية وسفيرها في مجلس الأمن رياض منصور مشروع قرار عربي إسلامي تقدمت به دولتا قطر وإندونيسيا إلى مجلس الأمن الدولي لرفع الحصار عن قطاع غزة، وتحسين الأوضاع المعيشية للسكان الفلسطينيين مطلع شهر آب/أغسطس 2007. 

ومن مسلسل سحب القرارات، كان لجبريل الرجوب رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم نصيب من ذلك، إذ سحب قرار طلب تجميد عضوية "إسرائيل" في الاتحاد الدولي "الفيفا"، وكان حينها من المقرر أن يصوّت مؤتمر اتحاد كرة القدم العالمي "الفيفا" في مدينة زوريخ السويسرية في وقت لاحق اليوم على طلب الفلسطينيين تمرير مشروع قرار يقضي بتعليق عضوية "إسرائيل" في الاتحاد، لكن تم سحبه من رئيس الاتحاد الفلسطيني الرجوب في لحظاته الأخيرة.  

عمرو: القضية الفلسطينية بحاجة إلى الخروج من عباءة اتفاقية أوسلو التي وقعتها السلطة الفلسطينية وجعلت خياراتها السياسية محدودة

من جانبه قال المحلل السياسي الفلسطيني، جمال عمرو، إنه بجانب سحب السلطة الفلسطينية لقرارات دولية كانت ستوقعها في إطار الملاحقة الدولية، لا تفتأ عن التساوق مع إجراءات الاحتلال وانتهاكاته المستمرة على الأراضي الفلسطينية كافة. 

وأضاف عمرو:" السلطة تمتلك كثيرًا من الخيارات الدولية التي من شأنها أن تلحق الضرر الكبير بالعلاقات الدولية مع "إسرائيل إلا أنها لا تفعل هذه القرارات ولا تخوض أي معارك سياسية على هذه الساحة، مما خلق حالة أريحية لدى الاحتلال وأطلق لها العنان بالتغول في الاستيطان واجتزاز الأراضي، ومضاعفة انتهاكاتها الظالمة". 

وعن الخروج من الأزمة، أكد عمرو أن القضية الفلسطينية بحاجة إلى الخروج من عباءة اتفاقية أوسلو التي وقعتها السلطة الفلسطينية وجعلت خياراتها السياسية محدودة، والعودة إلى حالة الإجماع الوطني في اتخاذ القرارات الحاسمة التي تتفرد سلطة رام الله بقيادة محمود عباس باتخاذها.