التعامل مع السقوط وإن لم يحن موعده هو الهاجس والهم الأكبر للحركة الإسلامية حاليًا وخصوصًا في العالم العربي، حركة النهضة التونسية استوعبت الدرس جيدًا بعد الأزمة الكارثية لإخوان مصر، وكذلك حزب العدالة والتنمية في المغرب، ومؤخرًا حماس، إعادة تموضع الألم من مكان لآخر يجبر الإسلاميون على بناء خططهم وفق عوامل المنطق وتغير موازين القوى في المنطقة وما هو متاح للحفاظ على المكاسب الراهنة، حتى لو كانت هشة وبها الكثير والكثير من التنازل المهين لطموحهاتم وإمكاناتهم.

الملاحقات النفسية للحركة الإسلامية انتقلت حاليًا للسودان، وبات التقارب السياسي لحكومة البشير مع الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة بعد قرار رفع العقوبات الاقتصادية الذي جاء بوساطة دول عربية وخليجية تضع الإسلام السياسي حاليًا على فوهات مدافعها وتريد بتره نهائيًا من الجسد العربي، أمر لا يجد تفسيرًا عند قيادات الإسلاميين بالسودان إلا تقديمهم ومشروعهم قرابين محتملة لإتمام الاتفاق ورفع باقي الحواجز السياسية والأمنية الأمريكية عن النظام السياسي للبشير.

الثمن الحقيقي لرفع العقوبات عن السودان

مخاوف الحركة الإسلامية لم تعد سرًا، بل ربما كان هناك حرصًا شديدًا من قيادات الحركة الإسلامية لإعلانها على الملأ، ربما لاستباق الأحداث ووضع النظام السياسي في مربع أضيق من الذي تم وضعهم فيه، وكان الهجوم الأشرس للإسلامي المخضرم علي الحاج الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي، الذي تساءل عما أسماه الثمن الذي ينبغي على حكومة السودان دفعه مقابل انتزاع قرار برفع نهائي للعقوبات، وهي نفس المخاوف التي طرحها أيضًا غازي صلاح الدين القيادي المنشق عن حزب المؤتمر الوطني، والذي اعتبر القرار الأمريكي بمثابة تصفية للمشروع الإسلامي السوداني.

يعتمد المعارضون للاتفاقية على أرشيف السودان السيئ مع الأمريكان، الذي نال الأول بسببه عقوبات متتالية من أغلب رؤساء أمريكا بداية من دونالد ريجان في ثمانينيات القرن الماضي

تبارى الإسلاميون في شن هجمات مركزة وفاعلة لاستبيان حقيقة الصفقة التي تبدو غامضة من وجهة نظرهم، للدرجة التي جعلت القيادي بحزب المؤتمر الشعبي أبو بكر عبد الرازق يجزم أن ثمن رفع العقوبات وتكلفته السياسية والأمنية باهظ للغاية، وهي برأيه نفس التكلفة التي قادت السودان إلى إسقاط حكم جعفر النميري الذي لم تتأثر البلاد بتداعياته نظرًا للتماسك الاجتماعي وقتذاك، أما الآن فالتكلفة برأي عبد الرازق ربما تكون إسقاط النظام وتمزيق البلاد لأن النظرية ستكون إقصاء وعدوان على الإسلاميين، وإذا حدث ذلك فإن النزوع الطبيعي للفطرة عبر المقاومة.

الغريب في الأمر أن قرار رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان على أهميته إلا أنه يشهد انقسامًا، صحيح أن الأزمة بين أكثرية مؤيدة لرفع عقوبات أثرت بشكل كبير على مختلف مناحي الحياة، وأقلية ترى الصورة من زواية أخرى لذا تحاول تغيير قواعد اللعبة ومهادنة النظام بنفس الطريقة الغائمة التي يتبعها معها، وتطالب واشنطن بتأجيل البت في هذه المسألة للضغط على البشير لإجراء تسوية عملية سلام شاملة.

ويعتمد الرأي المعارض للاتفاقية على ما يشهده السودان منذ سنوات من صراعات دموية وخصوصًا في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور والتي نتج عنها تشريد الملايين في المخيمات، وهم يعانون من أوضاع إنسانية مزرية، وبالتالي إبقاء العقوبات كورقة ضغط مطالب ضرورية لهم.

كما يعتمد المعارضون للاتفاقية على أرشيف السودان السيئ مع الأمريكان، الذي نال الأول بسببه عقوبات متتالية من أغلب رؤساء أمريكا بداية من دونالد ريجان في ثمانينيات القرن الماضي، وكان السودان دائمًا مرشحًا للمزيد منها بعد وضع أمريكا له في القائمة السوداء لتقاعسه في مكافحة عمليات الاتجار بالبشر.

احتفظت الولايات المتحدة لنفسها بحق استمرار بعض العقوبات للضغط على السودان لانتهاج مسار معتدل.

تاريخ أسود بين السوادن وأمريكا

منذ عام 1997، والخارجية الأمريكية تصنف السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب لإيوائه أسامة بن لادن، واعتبرته بلدًا يهدد أمن أمريكا وسياستها الخارجية، فكان قانون السودان الصادر عن الكونغرس عام 2002، بسبب حرب الجنوب وتفجر الوضع في دارفور الذي وصفت الإدارة الأمريكية إخماده بواسطة الحكومة بالإبادة الجماعية، مما أفضى في النهاية إلى إصدار عقوبات جديدة في 2006 طالت الحكومة وبعض موظفي الدولة وقادة متمردي الجنوب.

وجنّدت أمريكا الأمم المتحدة للتحالف معها ضد السودان، وبالفعل اتهمت المنظمة الدولية الأولى في العالم الرئيس البشير عبر المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور، لتشمل العقوبات الأمريكية إثر هذا القرار حجب قروض كانت ممنوحة من مؤسسات دولية للسودان، ومنعته كذلك من التعامل مع السوق الأمريكية وجمدت أصول حكومتة المالية لديها ومنعته من حق التصرف فيها.

انفراج الأزمة.. حسن النوايا  لا يكفي مع البيت الأبيض

كان استفتاء جنوب السودان أحد أهم ثمار اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان في عام 2011، نقطة البدء في توليد علاقة إيجابية مع أمريكا، وساهم في ذلك وجود الرئيس "الديمقراطي" باراك أوباما في سدة الحكم بالبيت الأبيض إلا أن مساعي تطوير التعاون مع القطب الأوحد في العالم، سرعان ما تجمدت مرة أخرى بسبب توتر العلاقات بين السودان ودولة الجنوب الوليدة.

في 2016 كانت العلاقة بين البلدين على موعد مع تباين جديد، بعد بدء السودان مفاوضات أكثر مرونة لرفع العقوبات، فوافق على خريطة الطريق الأمريكية التي اشترطت تنفيذها حرفيًا عبر خمسة مسارات، هي التعاون الوثيق معها في حربها ضد الإرهاب وضمان وصول المساعدات الإنسانية للبقاع السودانية الملتهبة وتأمين الاستقرار والسلم في النطاق الإقليمي بالامتناع عن دعم المتمردين على حكومة جنوب السودان والتوقف عن دعم جيش الرب الأوغندي ووقف الحرب في مناطق النزاعات.

حاول السودان قدر استطاعته الالتزام الحرفي بالشروط الأمريكية ونجح في ذلك إلى حد ما، الأمر الذي دعا أوباما لرفع العقوبات جزئيًا في يناير الماضي ورهن رفع باقي العقوبات بتنفيذ السودان تعهداته كاملة، وهو ما التزم به فتقرر العفو عنه بشكل كامل في يوليو 2017، إلا أن إدارة دونالد ترمب لم تلتزم به، وفضلت إعطاء نفسها فرصة دراسة الأوضاع جيدًا، فأرجأت البت في تنفيذه خاصة أن درجة النجاح السودانية التي قدرتها بعض جهات صنع القرار الأمريكية لم تتعد «-c» أو سي ماينس، والتي يطلق عليها الأمريكيون اسم "الدرجة اللئيمة"، وعليه فقد احتفظت الولايات المتحدة لنفسها بحق استمرار بعض العقوبات للضغط على السودان لانتهاج مسار معتدل.

هل مخاوف الإسلاميين حقيقية؟

يعي الرئيس البشير جيدًا اختلاف الحالة السودانية عن غيرها في المنطقة، بغض النظر عن تدوال بعض الصحف السودانية ما أفصح عنه الزعيم الإسلامي حسن الترابي وقبل وفاته بأيام لقيادات حزب المؤتمر عن الضغوط الشرسة التي تمارسها دول خليجية على الحكومة السودانية لإقصاء الإسلاميين من المشهد، وهو ما جعل حزب المؤتمر الشعبي ذا التوجه الإسلامي حريصًا على المشاركة في حكومة الوفاق الوطني لتطمين الحكومة وقيادتها بأنهم ليس لديهم أجندة خفية، وللاقتراب من مراكز اتخاذ القرار حتى لا يضارون من ذلك.

ويمكن الاستناد إلى السفير السوداني والكاتب خالد موسى، والمعروف بآرائه الموضوعية والموثقة لوضع الأمر في سياقه الطبيعي، فرجل الدبلوماسية قلل كثيرًا من استهداف العقوبات للإسلاميين، باعتبارها قضية فرعية في موضوع العقوبات، خاصة أن مشروع الإسلاميين أصبح جزءًا من المشروع الوطني العام، ولم يعد بنفس خصوصيته القديمة الآن.

ويؤكد موسى أن هناك مراجعات شاملة لمردود العقوبات على السودان الذي لا يمثل تهديدًا لأحد، وبالتالي لا تحتاج المهادنة مع أمريكا ثمن سياسي من نوعية إقصاء الإسلاميين، موضحًا أن سر رفع العقوبات في رأيه يعود إلى الحاجة الأمريكية لبناء قاعدة نفوذ جديدة في المنطقة وفقًا لمعطيات جديدة، وفتح منافذ للقوى الناهضة من الشباب والمجتمع المدني السوداني لمزيد من الديمقراطية والشفافية، بما يضمن إعادة تسوية الملعب السياسي في السودان .

ولم يخف موسى في تصريحاته للصحافة ووسائل الإعلام السودانية - ولو بشكل غير مباشر - نية بلاده تخفيف دعمها للحركات الإسلامية وعلى رأسها حماس، مستندًا في ذلك للتحولات والتنازلات الكبيرة التي أقدمت عليها حماس نفسها، لتجاوز الموجة العاتية التي تضرب التيار الإسلامي في المنطقة، مكتفيًا بإطراء دبلوماسي تجاه القضية الفلسطينية التي دعمها السودان على اختلاف التيارات التي حكمته طول تاريخه، ولكن الآن بات لكل حدث حديث، فالظروف الراهنة في المنطقة والعالم تجعل من إصلاح مسار خطأ أفضل من التمادى فيه، فالعواطف غير المدروسة لن تجعل الحرب تؤلم أحدًا سوى من استشهدوا بسببها.