يسيطر على المرء موقف ما في حياته يُرجِعُ إليه الفضل في تغيير حياته، ربما يكون ذلك بكلمةٍ سمعها أو شخصيةٍ التقاها أو حادثٍ مرَّ به وطبع في ذاكرته الكثير من الدروس والعظات.

بعض الناس تكون الكلمات التي تداعب عيونهم وأسماعهم بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، حدث ذلك مرارًا وتكرارًا على مدار الأزمنة والعصور، فلعلَّك تذكر أن كتاب "إظهار الحق" كان بوصلة التغيير التي أفرزت وأنتجت الداعية الإسلامي الكبير أحمد ديدات، كما أن الكتب هي التي رفعت شأن مالكوم إكس، حتى قال كلمته الخالدة: "يجهل كثيرٌ من الناس حقيقة أن كتابًا واحدًا قد يغيِّر حياتهم".

كان هذا ديدان الناس على مدى التاريخ، فهذا أبو منصور محمد بن عبد الملك بن إسماعيل النيسابوري، كان في أول حياته فرَّاءً يخيط جلود الثعالب، فنُسِبَ إلى صناعته وعُرِفَ بالثعالبي، ثم انتقل من حوك الجلود إلى حوك الكلام بعدما أطربته الكتب وأُشرِبَ حبها، فأصبح حديث مجالس الأدب واللغة والتاريخ، ولعلَّك قرأت له "يتيمة الدهر" أو "أحسن ما سمعت" أو غير ذلك من كتبه التي تربو على الثمانين، لو ظل الثعالبي يمتهن صناعة الجلود لما وصل إلينا خبره ولكان من المستحيل علينا أن نتذكره في القرن الحادي والعشرين.

ولعلَّ قصاصةً ورقية تحيل حياة المرء من النقيض إلى النقيض! لقد حدث ذلك حرفيًا دون أدنى مبالغة، حدث ذلك لطفلٍ بليد يكره الدراسة لأبعد حدٍ يمكنك تصوُّره، بل مات أبوه فشعر بالانكسار والوحدة، فقالت له أمه: يا بني لي عندك طلب، فأجابها على الفور: كلُّ طلباتك أوامرٌ وسأنفذها يا أمي عدا أن تطلبي مني العودة للمدرسة! كان هذا الطالب البليد قد أعطى ظهره للتعليم وهو في سن الثانية عشرة، خرج إلى مدرسة الحياة ولأن والدته قد رضخت لرغبته، فقد ارتأت أن يلتحق بمطبعةٍ حتى يكون قريبًا من ميادين القراءة، وكانت رؤية ثاقبة حيث إنه سيظل متصلًا بالثقافة وإن كان ذلك بشكلٍ غير مباشر.

الشغف الذي قاد مارك توين لعالم الكتابة والأدب كان مجرد قصاصة، وأنت صديقي القارئ ما الذي يشعل شعفك ويثير ملكاتك لتبدع في المجال الذي ارتضيته لنفسك؟

في بعض شوارع مدينة هانيبال بولاية ميسوري الأمريكية، وفي أحد الصباحات التي لا مثيل لها، استنشق هذا الصبي نسمات التغيير الحقيقي في حياته، فقد وقعت تحت يده وبصدفةٍ لا يرتبها إنسان قصاصة ورقية تحمل سطورًا موجزة من قصة حياة جان دارك، هذا الصبي لا يدرك من جان دارك ولا يعلم شيئًا عما قاسته في حياتها، إلا أن كلمات القصاصة التي بين أنامله قد أخذت بتلابيب عقله، لم يفكر ساعتها إلا أن يستقصي أخبار جان دارك هذه! أراد أن يفهم ماهية المعاناة التي كابدتها تلك السيدة، فانكب على قراءة كل ما أمكنه الوصول إليه عن جان دارك، كانت هذه القصاصة هي الفصل المشرق في حياة هذا الصبي، ليعبر بعد ذلك عن كل ما حوله بالكتابة التي ضاق بها صغيرًا وترك لأجلها الدراسة.

غيّرت قصاصة ورقية بها بضعة أسطر حياة صامويل لانجهورن كلمنس، الذي تعرفه أنت باسم مارك توين، صاحب الأسلوب الساخر وربما قرأت له "مغامرات هكلبري فين" أو رواية "توم سوير" أو أيٍّ من إبداعاته التي بلغت 23 كتابًا، عاف الدراسة صغيرًا فترك مقعده في المدرسة، وانخرط في مدرسة الحياة، لتمنحه جامعتا أكسفورد وييل درجة الشرف امتنانًا واعترافًا بتأثيره في الأدب الأمريكي.

الشغف الذي قاد مارك توين لعالم الكتابة والأدب كان مجرد قصاصة، وأنت صديقي القارئ ما الذي يشعل شغفك ويثير ملكاتك لتبدع في المجال الذي ارتضيته لنفسك؟ الإجابة عن هذا السؤال ستضعك على الطريق الذي تتوسم السير فيه، وربما كانت قصتك تحمل من التحفيز ما يبعث الأمل في نفوس الكثيرين.

على مدار نصف قرن لم ينس مارك توين فضل جان دارك عليه، فجمع كل ما عاشه من مواقف متأثرًا بها في كتابه "ذكريات جان دارك"، إن قدرة المرء على الإبداع تتجلى عندما يجد في الأحداث والمواقف من حوله ما يثير انتباهه، فإذا كان ما حولك يبعث على الملل والرتابة، فدورك أن تبحث عن شغفك بموضوعٍ ما وتركز عليه، لتصنع حلمك بنفسك دون انتظار الآخرين، يساعدك على تغذية شغفك وتنميته أن تقرأ وتقرأ ثم تقرأ، فالفكرة الواحدة التي تدور في رأسك إن وازنتها بأفكار الفلاسفة والحكماء والعلماء لأثمرت أكثر بكثير مما لو اعتمدت عليها وحدها.

القراءة كانت سبب طرد علي الوردي، من دكان العطار الذي كان يعمل به، فقد كان ينشغل عن الزبائن بالمطالعة، وكان ثروت أباظة يتأخر عن المدرسة وربما يتغيب عن الحضور أحيانًا لينتهي من قراءة الكتب والروايات التي شُغِفَ بها

سئل العقاد: لماذا تقرأ بنهم؟ قال: لأن حياةً واحدةً لا تكفيني، فأنا أعيش كلما قرأت لشخصية ما كل ما عاشته من أحداث، فأجمع خبراتٍ إلى خبرتي، وحيواتٍ إلى حياتي، ولو تأملت حياة العظماء في شتى مناحي الحياة، لخلصت إلى أنهم يقتطعون من وقتهم وقتًا مقدسًا للقراءة، وهذا يدلك على الباب الذي تدخل من خلاله لعالمٍ حيوي يعجُّ بالفكر والثقافة والحكمة.

القراءة صنعت محمود عباس العقاد ومصطفى صادق الرافعي، وقد حصلا على الشهادة الابتدائية ليس إلا، كما صنعت القراءة مصطفى لطفي المنفلوطي الذي لم ينتظم في سلك الدراسة سوى 10 سنين قضاها في رحاب الأزهر الشريف.

القراءة كانت سبب طرد علي الوردي، من دكان العطار الذي كان يعمل به، فقد كان ينشغل عن الزبائن بالمطالعة، وكان ثروت أباظة يتأخر عن المدرسة وربما يتغيب عن الحضور أحيانًا لينتهي من قراءة الكتب والروايات التي شُغِفَ بها، لم يُتمِم محمود شاكر دراسته الجامعية لخلافٍ فكري بينه وبين الدكتور طه حسين، ومع ذلك فقد امتلك قلمًا مبدعًا بفضل ولعه بالقراءة، ولو قدِّر لي  الاستطراد في هذا المسلك لكتبت فيه الكثير، ويكفي القارئ الكريم هنا الإشارة لهؤلاء العمالقة في ربوع الأدب العربي.

فإذا عرَّجنا على حياة كبار الأدباء في الغرب لصعقنا من تطابق ذات التأثير، فالقراءة التي أرشدت مارك توين لإبداعاته الساخرة، هي ذاتها التي ألهمت شكسبير فكتب روائع الأدب الإنجليزي الخالدة، ويأتي ليو تولستوي في قائمة من زهدوا في التعليم الجامعي، ليكون نبراسًا للأدباء من بعده في روعة الأسلوب ودقة العبارة، وعلى شاكلته كان أرنست همنجواي وجابريل جارسيا ماركيز.

أجاثا كريستي لم تحظ بأي دراسة نظامية، والكثير والكثير من المبدعين لم يوقفوا أنفسهم على مجرد شهادةٍ كرتونيةٍ أو إلكترونية تتحكم في مستقبلهم المهني والحياتي، بل سعوا في إصرارٍ وبصيرة ليقودوا حياتهم وحياة من تأثروا بهم من خلال شغفهم بالقراءة ورؤيتهم لأنفسهم بشكلٍ صحيح.

إن كان في أسرتك الصغيرة أو محيطك من يرميهم البعض بالبلادة أو يتهكم عليهم من حولهم، فأرجوك ألا تنضم لصفوف هؤلاء الجلادين، ويمكنك أن توقظ شغف هذا الصبي بقصةٍ سهلةٍ أو رواية مبسطة، تزرع بها بذرة أملٍ في نفس هذا الصبي.

إن النفوس مؤهلة لتقبُّل الحكمة والمعرفة بشرط أن نجد من الحكمة والمعرفة ما نحرِّك به النفوس إليها، فكن لبنةً في بناء المعرفة، ولا تنضمَ لمِعول الهدم الذي يروق له أن ينتقد نقدًا مأزومًا وربما مُدمِّرًا.

ليس في تأخر المرء عن أقرانه ما يستوجب العار والشنار، ولكن على المرء أن يسعى جاهدًا لاستدراك ما فاته من العلى والسُؤْدَد، إن كانت قصاصةٌ غيرت مسار حياة إنسان، فما أروع أن ترشد من حولك للقصاصة التي تنير دربهم، أو تساعدهم على الوصول إليها، ولا تسحق ما في قلوبهم من بقايا الأمل في غدٍ أفضل.