كشفت تفاصيل سيطرة القوات العراقية على مدينة كركوك الأحد الماضي عقب انسحاب قوات البيشمركة المفاجئ وإفساحها المجال أمام القوات الاتحادية والحشد الشعبي النقاب عن الكثير من الخلافات داخل الجبهة الكردية الداخلية، ما أثار الكثير من التساؤلات حول طبيعتها وانعكاساتها على مستقبل قضية أكراد العراق، خاصة وأنها جاءت بعد أيام قليلة من الاستفتاء الخاص بانفصال إقليم كردستان.

الاتهامات التي وجهت وبحسب وسائل إعلام كردية إلى حزب طالباني (الحزب الوطني الكردستاني)، بسحب قوات البيشمركة التابعة له من كركوك، وإصدار الأوامر بتسليمها للقوات العراقية، دفعت إلى إلقاء الضوء حول الخارطة السياسية للجبهة الكردية الداخلية والتعرف على أبرز ملامحها وانعكاسات ذلك على مستقبل الإقليم.

الخارطة السياسية الكردية

تتألف الخارطة السياسية الكردية في العراق من 3 أحزاب رئيسية تسيطر على النسبة العظمى من المشهد السياسي، ينبثق عنها عدد من الأحزاب والحركات الأخرى التي لا يمكن تجاهلها، خاصة فيما تقوم به من تحالفات مع تلك الأحزاب وهو ما يعطيها زخمًا سياسيًا على الأرض.

الحزب الديمقراطي الكردستاني: أسسه الملا مصطفى البارزاني عام 1946، يتزعمه اليوم مسعود البارزاني نجل مؤسس الحزب، يعتمد على البُعد العشائري والقبلي بصورة أكبر إذ تغلب عليه النزعة القومية في توجهاته السياسية، ويسيطر ميدانيًا على أربيل ودهوك في النصف الشمالي من كردستان العراق.

تربط الحزب علاقات جيدة مع كل من تركيا والولايات المتحدة وبعض دول أوروبا، إلا أن علاقته مع إيران ليست بالجيدة معظم الأحيان، غير أنها ليست في موقف عدائي معها في الوقت نفسه.

الاتحاد الوطني الكردستاني: وهو حزب منشق عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، أسسه جلال الطالباني عام 1975، يتبنى بعض أعضائه توجهات ليبرالية وإن كان الحزب في حد ذاته ينتهج القومية الكردية رغم أن زعيمه الطالباني كان شيوعيًا في السابق.

للحزب جناحان، الأول: نجل جلال الطالباني "بافل" وزوجته، والثاني: جناح كوسرت رسول، كما يعتبر فؤاد معصوم الرئيس العراقي الحالي أحد قيادات الحزب الذي يسيطر تاريخيًا على مناطق سليمانية - حلبجة – كركوك.

تربطه علاقات قوية جدًا مع إيران والتي تعد الداعم الأول له، غير أنه يتبنى مواقف مماثلة للحزب الديمقراطي الكردستاني بشأن بناء علاقات وروابط جيدة مع حكومة بغداد المركزية وتجنب الصدام معها.

النصر الذي حققه سليماني في هذه المدينة يعود الفضل فيه بالدرجة الأولى إلى حزب الطالباني الذي يسيطر بدوره على كركوك والسليمانية

حركة التغيير: وتسمى أيضًا حركة گوران، أسسها نوشيروان مصطفى عام 2009، بعد استقالته من حزب الطالباني (الاتحاد الوطني الكردستاني)، الحزب يميل إلى التوجه العلماني وله ميول معارضة ضد بقية الفصائل السياسية الكردية الأخرى.

ورغم نفيه الدائم فإن خصومه دومًا ما يتهمونه بـ"بكسر الإجماع الوطني الكردي"، حقق تقدمًا كبيرًا في انتخابات برلمان كردستان عام 2013، ترأس في أعقابها المجلس بعد حصوله على 24 مقعدًا متقدمًا بها على حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، إلا أنه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة حصل على 9 مقاعد فقط.

هذا بخلاف حزمة من الأحزاب والحركات السياسية الأخرى التي يمكن القول إنها خرجت من رحم الحزبين الرئيسيين"الديمقراطي الكردستاني" و"الوطني الكردستاني"، وعلى رأسها حزب كادحي كردستان وهو حزب يساري يتزعمه قادر عزيز، وتربطه علاقات قوية بالوطني الكردستاني، كذلك حزب الاتحاد الإسلامي الذي تأسس عام 1992 بقيادة الشيخ صلاح الدين محمد بهاء الدين، ويمثل فكر الإخوان المسلمين  ويميل إلى تجنب استخدام السلاح، وله علاقات طيبة مع الجماعة الأم بمصر، علاوة على الحركة الإسلامية التي أسسها الملا عثمان في الثمانينيات ثم ترأسها الملا علي عبد العزيز، ومنها إلى نجليه الملا علي والملا صادق، وأخيرًا جماعة أنصار الإسلام ويُطلق عليها (پاك)، تأسست عام 2001،وتعد من أكثر الجماعات المتشددة في العراق، ولقبت بأنها "طالبان الكردية".

مسعود بارزاني 

طالباني – بارزاني.. خلاف تاريخي

في قراءة سريعة لخارطة الجبهة الداخلية الكردية يلاحظ أن الخلاف بين جبهة آل طالباني والبارزاني يعد السمة الأبرز في التكوين السياسي لها، حيث اختار كل طرف الانتماء إلى تحالف  يمهد لولايته ويحقق طموحاته السلطوية، ويكون بمثابة ظهير له عسكريًا وسياسيًا، فانحاز طالباني لإيران بينما البارزاني اختار الشريك الأمريكي.

وبالعودة إلى الوراء قليلًا يلاحظ أن الخلاف بين الجبهتين متجذر تاريخيًا وليس وليد اللحظة، فبعد أن أطاح البعثيون بعبد الكريم قاسم من الحكم في فبراير 1963، وتعيين عبد السلام عارف بدلًا منه في منصب رئيس الجمهورية، سافر وفد كردي برئاسة عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني آنذاك جلال طالباني إلى بغداد في محاولة للبحث عن تفاهمات مشتركة بشأن مستقبل الأكراد بعد وصول البعثيين، إلا أن الزيارة لم تسفر عن أي نتائج، وهو ما دفع طالباني لإعادة النظر في تقييمه للمشهد خاصة بعد تقرب عارف من القاهرة وموسكو وهو ما أثار حفيظة إيران وقتها.

وعلى الفور ارتأت طهران التدخل في المشهد الكردي مرة أخرى من خلال زرع بذور الشقاق بين أعضاء الحزب الديمقراطي، لينقسم الحزب بعدها إلى جبهتين، الأولى تضم إبراهيم أحمد وجلال طالباني اللذين كانا أعضاء اللجنة المركزية للحزب، والثانية تضم مصطفى البارزاني ومؤيديه، وبعد استمرار الخلافات انفصلت جبهة أحمد وطالباني لتشكيل نواة المكتب السياسي لحزب آخر جديد يحمل اسم "الحزب الديمقراطي الكردستاني" الذي حمل موقفًا عدائيًا ضد الحزب الأم "الديمقراطي الكردستاني" خاصة بعد تشكيله جبهة تحالف مع الحكومة العراقية برئاسة عبد الرحمن عارف وشاركت في حملة عسكرية ضد الحزب الديمقراطي الكردستاني في 1966.

ومع قدوم صدام حسين مُنح الأكراد حكمًا ذاتيًا نجحوا في الحصول عليه بعد قيام المجتمع الدولي بإنشاء منطقة آمنة في شمال العراق لإيقاف المجازر التي كان يقوم بها نظام صدام ضد ثوار ما سمي بـ"الانتفاضة الشعبانية"، لكن الأكراد حينها رفضوا الهدية، وبدلًا من توحيد الكلمة والموقف نشبت بينهم العديد من المعارك السياسية التي زادت من فرقتهم بصورة كبيرة، حيث انحازت مجموعة مسعود بارزاني إلى الغرب، بينما كانت مجموعة طالباني موالية لإيران.

تسريب للاتفاق المبرم بين قاسم سليماني وبافيل طالباني، كشف بنوده النائب مسعود حيدر عن كتلة التغيير (غوران)، أشار إلى أن هناك 9 محاور رئيسية له على رأسها تقسيم كردستان إلى إقليمين بدلًا من إقليم واحد

وخلال الحرب العراقية الإيرانية انحاز فريق بارزاني إلى صف صدام حسين ضد إيران رغم عدائه الواضح للكرد حينها، نكاية في آل طالباني وهو ما حصدوا ثماره بعد ذلك حين هاجمت قوات صدام مناطق شمال العراق، فانتزعت أربيل ودهوك لتسلمهما إلى حزب بارزاني.

واستمر الخلاف على هذا المنوال حتى بعد سقوط نظام صدام حسين وخلال فترة الغزو الأمريكي وما تلاها، إلا أن الفصائل المتناحرة في كردستان آثرت تبريد الأزمة فيما بينها، خاصة بعد التغيرات والمستجدات الطارئة على المشهد العراقي، وعلى رأسها تمدد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، والتي كانت تتطلب توحيد الجبهة الداخلية ولو لفترة مؤقتة حفاظًا على استقلالية ووحدة الإقليم الذي يعد الأكثر استقرارًا داخل الأراضي العراقية خلال الآونة الأخيرة.

ثم جاء الاستفتاء على استقلال الإقليم بمثابة الحجر الملقى في المياه الراكدة، ليخسر معه البارزاني حليفه التركي الذي نجح مؤخرًا في تحسين العلاقات معه بعد سنوات من القطيعة، والذي كان يمثل له الظهير في مواجهة إيران طالباني.

إصرار البارزاني على إجراء الاستفتاء رغم التحفظات التركية والإقليمية يأتي في محاولة منه لإبراء ذمته من الاتهامات التي يكنها لها معارضو الداخل بشأن تفريطه في القضية الكردية ‘رضاء لكل من أنقرة وأمريكا، إلا أن تبعات هذا القرار لم تكن على المستوى المطلوب.

تفتيت الجبهة الداخلية الكردية وتفاقم الصراعات البينية بداخلها وضع بارزاني في مأزق، إذ باتت الخيارات أمامه للخروج من هذه الوضعية صعبة للغاية

انسحاب قوات البيشمركة من كركوك أثار الكثير من علامات الاستفهام

كركوك أولى ضحايا الخلاف

آراء الخبراء والمقربين من دوائر صنع القرار داخل إقليم كردستان يشيرون إلى أن التطورات الأخيرة التي شهدتها مدينة كركوك وتسليمها للقوات العراقية بهذه الصورة، جاء نتيجة تنسيق بين بافل الطالباني نجل زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني الراحل من جهة، والجنرال الإيراني قاسم سليماني من جهة أخرى.

ومن ثم فالنصر الذي حققه سليماني في هذه المدينة يعود الفضل فيه بالدرجة الأولى إلى حزب الطالباني الذي يسيطر بدوره على كركوك والسليمانية، ففي الوقت الذي كان البارزاني يحشد قواته لمواجهة قوات الاتحاد والحشد الشعبي، كان حزب الطالباني يمهد الطريق لتسليم المدينة.

بيان الحزب الديموقراطي الكردستاني، اتهم "مسؤولي الاتحاد الوطني بإخلاء بعض المواقع الحساسة لقوات الحشد الشعبي والحرس الثوري الإيراني دون مواجهة، وتركوا الأخ كوسرت رسول (قائد البيشمركة)  وحده"، ورغم انتماء القيادي كوسرت رسول للاتحاد الوطني الكردستاني، لكنه ليس مواليًا لجناح بافيل طالباني، بل يوصف بالمقرب من بارزاني ومعه القياديين حجي محمود وشيخ جعفر.

إصرار البارزاني على إجراء الاستفتاء رغم التحفظات التركية والإقليمية يأتي في محاولة منه لإبراء ذمته من الاتهامات التي يكنها لها معارضو الداخل

وفي تسريب للاتفاق المبرم بين قاسم سليماني وبافيل طالباني، كشف بنوده النائب مسعود حيدر عن كتلة التغيير (غوران)، أشار إلى أن هناك 9 محاور رئيسية له على رأسها تقسيم كردستان إلى إقليمين بدلًا من إقليم واحد، وتكفل الحكومة الاتحادية لكردستان (طالباني) المنتظرة بدفع رواتب الموظفين والعاملين، مقابل تسليم بافيل طالباني للمناطق الاستراتيجية للجيش العراقي، وإعطاء آبار النفط للحكومة الاتحادية.

ورغم عدم التأكد من صحة هذا التسريب حتى كتابة هذه السطور، فإنه في حال صحته ستكون ضربة قاسية لحلف بارزاني، إذ أنه بالأمس قد خسر صداقة تركيا – الظهير السياسي الإقليمي له -  حين أصر على إجراء الاستفتاء، واليوم يخسر مورده الاقتصادي الأول وهو النفط، لصالح خصمه طالباني وحلفائه الإيرانيين.

ومن ثم باتت الخيارات أمام بارزاني صعبة للغاية، فإما إعلان الحرب على أكراد السليمانية وحزب طالباني لاستعادة ما فقد منه، وفي هذه الحالة سيفقد الإقليم استقراره الذي كان علامته المميزة طيلة السنوات الماضية، أو يركن إلى قبول الأمر الواقع وفي هذه الحالة ربما يفقد مدينة أخرى وعلى الأرجح ستكون أربيل.