القصة من دون حرق للأحداث

يتعرض الطبيب الشرعي ناريمان لحادث مروري ليلاً ويتسبب في إصابة عائلة العامل البسيط موسى الذي كان يقل زوجته وطفليه على دراجته البخارية، يطلب موسى إحضار الشرطة، إلا أن ناريمان يثنيه عن ذلك، ويفحص أفراد العائلة بالأخص الطفل أمير، لا يجد أي إصابات خطيرة والكل في صحة جيدة، يعطي ناريمان تعويضًا لموسى ويطلب منه الذهاب إلى أقرب مستشفى للكشف على العائلة من باب الاحتياط.

يأخذ موسى التعويض وينطلق مع عائلته متجاهلاً دعوات ناريمان للذهاب للمستشفى.

في اليوم التالي يستلم ناريمان تقرير الطب الشرعي للجثث التي وصلت المصلحة ويجد الطفل أمير من ضمن المتوفين، تُشرح زميلته الدكتورة سايه بهباني جثة الطفل وتتوصل إلى أن الوفاة نتيجة حالة تسمم سجقي.

لا يصدق ناريمان التقرير ويدخل في صراع مع ضميره الذي يحمله مسؤولية وفاة الطفل، فهل تعرض الطفل للتسمم؟ أم تسبب هو في قتله جراء حادثة الأمس؟ وهل سيكشف ناريمان الحقيقة لرؤسائه ويعرض مستقبله المهني للخطر؟

السيناريو

كتب النص المخرج وحید جلیلوند بالتعاون مع علي زارينجار وهو فيلمه الثاني بعد فيلمه الأربعاء 9 مايو، يتناول النص بشكل موازٍ تأثير وفاة الطفل أمير على الدكتور ناريمان وعلى أبيه موسى وأمه ليلى.

ناريمان وموسى يعانيان من الذنب وشعورهما بتحمل المسؤولية تجاه وفاة أمير، فبينما يظن ناريمان أنه المسؤول عن وفاة الطفل بسبب الحادثة، يلوم موسى نفسه وتحمله زوجته ليلى مسؤولية وفاة ابنه أمير بعدما ظهرت نتيجة الطب الشرعي، ذلك أنه قبل أسبوع اشترى موسى دجاجات رخيصة جدًا، اتضح فيما بعد أنها نافقة.

يقوم موسى تحت وطأة الإحساس بالذنب بأفعال تحول مجرى حياته وحياة أسرته إلى جحيم، وهو ما يضاعف معاناة ناريمان الداخلية التي تبدأ زميلته سايه في ملاحظتها.

مشكلة النص تكمن في دافع ناريمان لتدمير حياته ولتحمل مسؤولية وفاة طفل ليس له علاقة بها.

رغم تأكيد التقارير انتفاء مسؤولية الحادثة عن إحداث إصابة مميتة للطفل، يصر ناريمان على أنه المسؤول، طوال الفيلم يظل السؤال عالقًا في ذهن المشاهد ولا يجيب المخرج جلیلوند عنه، وهو ما قد يضع النص في شبهة افتعال دافع لشخصية ناريمان.

انظر إليّ هنا، هل مات هذا الطفل في الحادثة؟ لماذا تريد تدمير نفسك وكل ما بنيت؟ - سايه تتحدث إلى ناريمان

التمثيل والشخصيات

قام بدور الدكتور ناريمان الممثل أمير أغاي (الشبيه جدًا بالممثل الأمريكي المخضرم ماندي باتكينز) في تعاونه الثاني مع جليلوند بعد ظهوره في فيلم الأربعاء 9 مايو ونجح في تجسيد الوازع الأخلاقي المسيطر على الشخصية لدرجة الهوس، جسد أيضًا تناقضاتها الغريبة، ورغم الأداء الصادق، فأغاي لم ينجح في انتزاع تعاطف المشاهدين تجاه شخصيته، وذلك لعدم وضوح دافعه كما وضحنا سابقًا.

على جانب الآخر لمع الممثل نافيد محمدزاده الذي أدى شخصية موسى واستطاع انتزاع تعاطف المشاهدين من خلال الإحساس بعقدة الذنب التي سيطرت على الشخصية.

محمدزاده ظهر سابقًا في فيلم ناهيد الذي عُرض ضمن فعاليات نظرة ما في مهرجان كان عام 2015، وأدى دور طليق الشخصية الرئيسية ناهيد التي تحاول الابتعاد عنه وبدء حياتها من جديد، استطاع بكفاءه تجسيد شخصية شرسة ومحبطة ومدمنة للمخدرات إلا أنها مثيرة للتعاطف، فمحمدزاده يمتلك موهبة تمكنه من تطعيم أدائه ببعض اللحظات التي تنتزع تعاطف المشاهد مهما كان قبح الشخصية التي يجسدها.

هناك لقطة في فيلم "بدون تاريخ بدون إمضاء"، تأتي بعدما تتهم ليلى زوجة موسى بفقدان الرجولة والمروءة وتحمله فيها مسؤولية قتل ابنها، يصرخ موسى غاضبًا متحسرًا في وسط أرض فضاء، أداء محمدزاده هنا كان كفيلاً بخلع قلوب المشاهدين، فهم يرون هنا أب يتمزق حزنًا وجزعًا من ألم الفقدان.

أزعم أن تلك اللقطة كانت سببًا في منح محمدزاده جائزة أفضل ممثل في المسابقة.

التصوير والإخراج

ركز المخرج على نقل حالة الذنب والحزن التي تشعر بها الشخصيات الرئيسية من خلال اعتماده على الأداء المتميز لفريق التمثيل واستخدام لوحة لونية رمادية باهتة تعبر عن عالم الشخصيات وتوظيف عدد من التكوينات تبرز عقدة الذنب ومدى سيطرته على شخصيات الفيلم الرئيسية، مثال على ذلك حصر الشخصيات بين الحوائط أو الحواجز من خلال التكوين.

ساعد في تجسيد هذه الحالة التصوير المعتمد على الظلال والإضاءة منخفضة الكثافة، الخالية من أي ألوان دافئة والمعتمدة بشكل أساسي على مصادر الإضاءة الباردة مثلما واضح بأسفل الصور.

ابتعد المخرج عن استخدام الموسيقى التصويرية واعتمد في شريط الصوت على الصمت وصوت البيئة المحيطة، وشخصيًا أرى أن هذا الفيلم كان سيستفيد من وجود موسيقى معبرة عن حالة الحزن والندم السائدة في الفيلم.

فاز الفيلم بجائزتي أفضل مخرج وأفضل ممثل في مسابقة آفاق في فينيسيا ومن المتوقع أن تكون له مسيرة مهرجانية مشرفة في أوروبا، ورغم الحفاوة النقدية والجوائز التي نالها الفيلم في فينيسيا، لم ترشحه إيران ليمثلها في جائزة الأوسكار هذا العام في فئة أحسن فيلم أجنبي.

رابط الفيلم على موقع IMDB
إعلان الفيلم