"من أول ما نزلنا هذه الديرة، أنا أشهد ربي أنكم - يا أهل قطر - لم تقصروا في حق كل الموجودين، قدرتموهم واحترمتموهم جميعًا، لا فرق بين أي قطري أو أي شخص من دولة أخرى، بالنسبة لي، من المستحيل أن أقول كلمة سوء على أهل قطر".

هكذا تحدث حارس المنتخب البحريني السابق حمود سلطان خلال إحدى حلقات برنامج المجلس بقناة "الكأس" القطرية، فكان المصير اعتقالًا دام لساعات بعد عودته إلى بلده البحرين، جراء كلمة قصيرة نبعت من قلب رجل لم يكلف نفسه يومًا عناء الحديث في السياسة وويلاتها.

حمود سلطان بعد الإفراج عنه ظهر في مقطع صغير انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، قلل فيه من شأن الحادث واعتز ببلده البحرين وبمَلكه، ربما هي ردة الفعل الطبيعية من رجل غير مستعد للخوض في مجال ليس من تخصصه، لكن زوجته عبر تويتر كان لها رأي آخر بتغريدتها: "حينما يهان المواطن ويذل بسبب شكره أو مدحه لأهل قطر فهل تلك جريمة يحاسب عليها القانون؟ وهل يستدعي ذلك محاكمته؟".

حارس المنتخب البحريني السابق حمود سلطان قبل مواجهة المنتخب الكويتي في إحدى مباريات كأس الخليج

لطالما كان حمود سلطان سفيرًا خليجيًا بامتياز، حيث يعد واحدًا من أكثر المشاركين في بطولة كأس الخليج، بحضوره في ثماني نسخ متتالية، توج خلالها مرتين بلقب أفضل حارس في المسابقة، كذلك، لا يشكك أحد في وطنيته وحبه لراية بلده الذي مثل منتخبها الكروي لعشرين سنة، وأربعة وعشرين عامًا مع نادي المحرق البحريني، المزايدات تتوقف عند ذكر حمود سلطان بتمسكه بالبقاء في الدوري البحريني، رغم العروض المغرية.

لست بمعرض الهجوم على بلد أو الانتقاص من آخر، لكن من شُغف بمتابعة بطولة كأس الخليج، سيؤلمه المآل الذي صارت إليه علاقات دول الخليج بعدما كانت مضرب مثل في الوحدة والتآلف، عبر مسابقة رياضية إلى جانب مستواها التنظيمي الرفيع وأدائها الفني الراقي، عرفت كذلك بأجوائها الودية لتجديد الرحم بين بلدان الخليج العربي.

هي سخرية قدر وتاريخ يعيد نفسه بالمقلوب، ففي سنة 1968 كان للملكة البحرينية شرف المبادرة بفكرة تنظيم كأس الخليج والسعي لتحقيقه، فكان لها ما أراد بمباركة من الفيفا وتأييد من الجيران: (الكويت، السعودية، قطر)، اليوم تعود نفس البلدان تقريبًا للظهور على الساحة بوجه غير الذي عرفناه، قطع رباط الأخوة والمحبة الذي دعت له كل نسخ كأس الخليج، دمرت السياسة في طرفة عين ما نظَّرت له الرياضة لأكثر من أربعين عامًا.

اليوم ونحن على أبواب النسخة الـ23 من المسابقة المقامة بقطر، كدرٌ يسود المنطقة (الإمارات، البحرين، السعودية) رفضوا حضور قرعة المسابقة، والكويت لن تشارك بسبب تجميد عضويتها من الفيفا، ليصبح تنظيم "خليجي 23" في موعده الأصلي خلال شهري ديسمبر ويناير القادمين، ضربًا من الخيال.



سمو الأمير خالد بن فيصل بن عبد العزيز آل سعود الذي تعزو إليه فكرة تنظيم بطولة كأس الخليج​

ليست المرة الأولى

لن تكون هذه المرة الأولى التي تتدخل فيها السياسة لتغيير خريطة اللعبة في الخليج العربي، ففي "خليجي 10" سنة 1990 التي أقيمت بالكويت، رفض المنتخب السعودي المشاركة، احتجاجًا على تعويذة النسخة المتمثلة في فرسي (شويمة وعبيان) اللذان يرمزان لحروب قديمة نشبت بين الكويت والسعودية.

وفي النسخة التي تلتها - خليجي 11 - سنة 1992، استُبعد المنتخب العراقي من المسابقة بسبب نشوب حرب الخليج الثانية، وظلت المقاطعة لمنتخب أسود الرافدين حتى خليجي 17 سنة 2004 في قطر، ويصبح عدد المنتخبات المشاركة 8 منتخبات، لتلعب المسابقة بنظام المجموعتين لأول مرة.

داحس والغبراء وحرب البسوس أمثلة من تاريخ المنطقة الغابر المحزن، حروب وأزمات تبدأ لأسباب بسيطة سهلة الحل، لكنها عادة ما تعود بعواقب وخيمة ونتائج كارثية على جميع مجالات الحياة في هذه المنطقة، إلا أن الرياضة - وكرة القدم خصوصًا - كانت دائمًا حلًا لهذه المشاكل وعلاجًا فعَّالًا لكل المعضلات.

فالالتحامات الثنائية فيها دائمًا ما تؤدي إلى عناق حار بعد نهاية المباراة، ولطالما كان الجري خلف الفوز والتفوق فيها قرينًا بالروح الرياضية وحب الخير للآخر، حتى إن بعض العارفين أصبح يتكهن جازمًا أنه لو كانت هناك كرة قدم على عهد بني قيس وتغلب وبني بكر لما طالت الحروب بينهم ولما كانت النتائج بالفداحة التي كانت عليها، فهل نرى إثباتًا لذلك في هذه الأيام ونحن إلى ذلك في حاجة ماسة؟ دعونا نأمل في كرة القدم انفراجًا أوليًا لأزمة تعصف بخليجنا الحبيب.


فرحة المنتخب القطري بالفوز بآخر نسخة من كأس الخليج سنة 2014 بعد فوزه على شقيقه السعودي 2-1​