يشكل المسلمون في كندا 3% من عدد سكان البلاد، هذا العدد القليل موزع على مجمل مساحة كندا، وإن كان للمدن الكبرى كمونتريال وتورونتو النصيب الأكبر من عدد المسلمين، ولكن وجود المسلمين بكثافة في كبريات المدن الكندية لا يعني أنهم يشكلون أكثرية في أي من هذه المدن.

ترجع أصول هؤلاء المسلمين إلى بلدان عديدة، عربية وغير عربية، مع وجود بعض المسلمين الجدد الذين لم يفدوا من بلاد إسلامية وإنما ولدوا في كندا أو وفدوا إليها من بلاد غير إسلامية، وكانوا يعتنقون ديانات غير الإسلام ثم عرفوا الإسلام فأحبوه واعتنقوه.

وضع المسلمين في كندا يستأثر بحيز كبير من اهتمام السياسيين والإعلاميين والمفكرين الكنديين، لدرجة أنه بإمكاننا القول بوجود مسألة إسلامية في كندا رغم قلة عدد المسلمين فيها، لهذا الاهتمام أسباب عديدة أهمها ما يجري على الصعيد العالمي من أحداث والتحديات التي يواجهها المسلمون للتأقلم والاندماج في المجتمعات الكندية، لأنه في الحقيقة ليس هنالك مجتمع كندي واحد وإنما هنالك مجتمعات كندية.

كما أشرنا سابقًا هناك مسألة إسلامية في كندا وهذه المسألة تحتم على المسلمين في كندا تحديد هويتهم وهذا ليس بالأمر السهل، فعندما يتحدث المسلمون في كندا عن أنفسهم أو عندما يتحدث عنهم الآخرون يتحدثون عن جالية إسلامية، وهذا التعريف فضفاض لأنه عندما يسأل سائل ما الجالية الإسلامية تتشعب الإجابات.

من الناحية المذهبية كل الفرق والمذاهب الموجودة في العالم الإسلامي موجودة في كندا، لأن كندا كما هو معروف بلد هجرة وبلد حريات تستقطب الوافدين إليها من كل أنحاء الأرض

وبالتالي فإن عدم تحديد هوية المسلم الكندي يشكل مشكلة لهذا المسلم وللذين يتعاملون معه من سياسيين وإعلاميين ومفكرين وحتى مواطنين عاديين، هذه الهوية لها عدة وجوه، فالمسلمون الوافدون إلى كندا من الخارج حملوا معهم بشكل عام هوياتهم الوطنية أو القومية التي اعتادوا عليها في مواطن نشأتهم.

فهناك من يعتبر نفسه لبنانيًا أو مصريًا أو مغربيًا أو جزائريًا أو باكستانيًا أو غير ذلك، بالإضافة إلى الهويات المرتبطة بدول معينة هنالك هويات عابرة للدول كالهوية الإسلامية أو العربية، أو تكتلات إقليمية تضم بلدان المغرب العربي، كما أن هناك الهويات الإثنية البحتة كالهوية الكردية أو الأمازيغية التي يرفض حملتها الانضواء تحت علم دولة معينة.

فعلى سبيل المثال عندما حصل الاعتداء على مسجد كيبيك الكبير سقط 6 قتلى نحسبهم عند الله شهداء، وكان بين هؤلاء القتلى جزائريان من أصول أمازيغية، ورفع العلم الجزائري وحضر سفير الجزائر مراسم التشييع وألقيت خطب بالفرنسية والعربية، فاحتجت بعض الجمعيات الأمازيغية وطالبت برفع العلم الأمازيغي والكلام بالأمازيغية.

يضاف إلى الانقسامات على أساس وطني وقومي الانقسامات على أساس مذهبي وفكري، فمن الناحية المذهبية كل الفرق والمذاهب الموجودة في العالم الإسلامي موجودة في كندا، لأن كندا كما هو معروف بلد هجرة وبلد حريات تستقطب الوافدين إليها من كل أنحاء الأرض، ففي كندا يوجد أهل السنة والجماعة والشيعة بكل فرقهم من إسماعيليين ودروز ونصيريين وغيرهم من المذاهب.

واقع المسلمين كأقلية في كندا ككل الأقليات الدينية أو العرقية، يتعرضون للتمييز المباشر أو غير المباشر، في الحصول على وظيفة تتلاءم مع اختصاصاتهم

أما من الناحية الفكرية، فالمسلمون في كندا موزعون على كل التيارات الفكرية الموجودة في العالم الإسلامي، من إخوان مسلمين وسلفيين وأحباش وصوفية وأنصار حزب النهضة التونسي وحزب الله اللبناني وإيران وغيرها من التيارات الإسلامية.

يضاف إلى هذه التيارات الإسلامية التيارات العلمانية بما فيها التيارات العلمانية التي لا يعادي أتباعها الإسلام كأنصار بعض الأحزاب العربية، والتيارات العلمانية التي يتبنى أنصارها الإلحاد ويعادون الأديان بشكل عام والإسلام بشكل خاص عداءً واضحًا وصريحًا، ويخوضون حربًا شعواء ضد الإسلام، وحرب هؤلاء على الإسلام أشد شراسة من حروب أعداء علنيين للإسلام من غير المسلمين.

لكل هذه التيارات الدينية وغير الدينية، والتي بإمكاننا القول إن أتباعها مسلمون أو من أصول إسلامية إذا صح التعبير، مساجد أو مراكز أو منظمات مجتمع مدني، يمارسون أنشطتهم والدعوة إلى أفكارهم من خلالها، والتنافر والصراع بين هذه التيارات في العالم القديم، والذي كان في كثير من الأحيان سببًا لمغادرة الكثيرين من أتباع هذه التيارات بلدانهم الأصلية والهجرة إلى كندا، هذا التنافر والصراع حمله هؤلاء الناس إلى كندا فيما حملوه من أمتعة شخصية يحرصون على الحفاظ عليها.

يقابل هذا الصراع والتنافر الذي ينخر ما يسمى مجازًا الجالية الإسلامية، واقع المسلمين كأقلية في كندا ونظرة الناس خارج هذه الجالية إليها وموقفهم منها، أما واقع المسلمين كأقلية في كندا فإنهم ككل الأقليات الدينية أو العرقية، يتعرضون للتمييز المباشر أو غير المباشر في الحصول على وظيفة تتلاءم مع اختصاصاتهم.

يتصور هؤلاء الناس أن إصرار المسلم على ممارسة شعائره الدينية، رفض للقيم الكندية ولواجب الاندماج في المجتمع الكندي الذي استقبله

وهذا التمييز ينالهم جميعًا ولا يفرق بين عربي وأعجمي ولا بين مشرقي ومغربي ولا بين سني وشيعي، كلهم سواسية أمام هذا التمييز، الفرق الوحيد هو الوضع الخاص لكل شخص ومدى حاجة رب العمل لاختصاصه، أما نظرة الناس في كندا إلى المسلمين فإن عامة الناس ينظرون إلى هذه الجالية كوحدة اجتماعية.

فلا يفرقون أو ربما لا يعرفون الفرق بين سني وشيعي ودرزي وغير ذلك، حتى إنهم في كثير من الأحيان لا يفرقون بين مؤمن وملحد من أصول إسلامية، فبنظرهم الجميع مسلمون، والدعايات المعادية للإسلام تطالهم جميعًا دون استثناء، ويطالب عامة الناس في كندا المسلمين، حسب التعريف الفضفاض المذكور آنفًا، بتبني القيم والثقافة الكندية والاندماج في المجتمع الكندي.

ويتصور هؤلاء الناس أن إصرار المسلم على ممارسة شعائره الدينية، رفض للقيم الكندية ولواجب الاندماج في المجتمع الكندي الذي استقبله، ويحاول السياسيون من وقت لآخر إصدار قوانين تحد من الحريات الدينية باسم العلمانية، وليس هناك أدنى شك أن هذه القوانين إذا تم التصويت عليها، ستؤثر سلبًا على المسلمين بكل تياراتهم المذهبية والفكرية والسياسية، وهذا ما يحتم عليهم تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ووضع خلافاتهم جانبًا للتصدي للخطر الذي يهددهم جميعًا.

وقد ورد آنفًا أن عامة الناس في كندا لا يفرقون ولا يعرفون الفرق بين أتباع المذاهب والتيارات الفكرية الإسلامية، وفي كثير من الأحيان لا يفرقون بين المؤمن والملحد من أصول إسلامية، وهذا أمر واقع بالنسبة للعامة، أما الخاصة والمسؤولون عن رسم السياسات واتخاذ القرارات، فإنهم يعرفون الفرق ويوظفونه لخدمة مصالحهم تطبيقًا لقاعدة فرق تسد، ففي المعركة التي خاضها التيار القومي الكيبيكي المتطرف بعلمانيته ضد الحجاب، جند في معركته أشخاصًا يحملون أسماء إسلامية لمحاربة الإسلام.

لا مناص للمسلمين في كندا من الاندماج في مجتمعهم الجديد كمواطنين كنديين يدينون بديانة الإسلام، والمطالبة بحقوقهم والقيام بواجباتهم كأي مواطن آخر، بهذه الطريقة يخرج المسلم الكندي من سجن اختاره لنفسه أو اختاره له الآخرون اسمه "جالية" يصعب رسم معالمها

لقد كان عداء هؤلاء الأشخاص للإسلام وحربهم عليه أشد ضراوة من حروب غيرهم، وكان التيار العلماني المتطرف الكندي يستعمل هؤلاء الأشخاص كحصان طروادة ويقدمهم للإعلام على أنهم مسلمون ويعرفون الإسلام أكثر من غيرهم، وهذا ما يدفعهم لاتخاذ هذه المواقف الجريئة ضد الإسلام، فتنطبق عليهم مقولة وشهد شاهد من أهله.

من كل ما تقدم يظهر بوضوح، إذا أراد المسلمون في كندا ألا يخسروا حاضرهم ومستقبلهم في البلد الذي وفدوا إليه كما خسروا ماضيهم في البلاد التي غادروها، عليهم معرفة مدى أهمية تحديدهم لهويتهم والاتفاق على ما يوحدهم بدل الانشغال بما يفرقهم، خاصة أن ما يفرقهم هو ما أجبرهم على مغادرة الأوطان وفراق الأهل والإخوان.

فلا مناص للمسلمين في كندا من الاندماج في مجتمعهم الجديد كمواطنين كنديين يدينون بديانة الإسلام، والمطالبة بحقوقهم والقيام بواجباتهم كأي مواطن آخر، بهذه الطريقة يخرج المسلم الكندي من سجن اختاره لنفسه أو اختاره له الآخرون اسمه "جالية" يصعب رسم معالمها، وكلما حاول تحديدها اختلف مع الآخرين من مسلمين وغير مسلمين.

إن اندماج المسلم في مجتمعه الجديد لا يشكل تخليًا عن دينه ولا تخليًا عن جذوره الثقافية، فالإسلام دين عالمي لا يرتبط بأرض معينة ولا بقوم دون غيرهم من الأقوام، فمحمد عليه الصلاة والسلام بعث رحمة للعالمين.

إن الانخراط في المجتمع الكندي والاندماج فيه كمواطنين لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات يبدأ بتعلم لغة هذا المجتمع وهي الفرنسية ومن ثم الإنجليزية، يبدو هذا القول للوهلة الأولى بديهيًا، ولكن نجد أنفسننا للأسف بحاجة للحديث عنه لأن كثير من المسلمين الوافدين إلى هذه البلاد، وغيرهم العديدين من أبناء الأقليات الأخرى، يعيشون سنوات عديدة في هذا المجتمع دون تعلم لغته، وهكذا فهم يتصرفون كأنهم زائرون غرباء.

طبعًا تعلم لغة أجنبية ليس بالأمر السهل، ولا أقول شر لا بد منه وإنما أقول خير لا بد منه، ويستطيع الإنسان أن يتعلم اللغة بجد ونشاط وصبر وأناة، خطوة خطوة مهما طال الوقت، فمن جد وجد ومن زرع حصد ومن سار على الدرب وصل.

المهمة الأخرى التي يتعين على المسلمين في كندا القيام بها هي الانخراط في مؤسسات المجتمع المدني اجتماعيًا وسياسيًا، وذلك بالانتماء كأعضاء إلى الأحزاب السياسية ليكون لهم تأثير من الداخل على سياسات هذه الأحزاب، وإثبات وجودهم كناخبين فاعلين ليحسب السياسيون لهم حسابًا عند اتخاذهم قرارات لها تأثير على حياة المسلمين في المجتمع.

إن التقوقع على الذات والتعامل مع المجتمع كمجتمع غريب، سيجر الضرر على المسلمين أنفسهم وعلى المجتمع الذي استقبلهم، لأن في التعامل مع المجتمع كغرباء هدر للطاقات في الحاضر وتهديد لأمن المجتمع واستقراره في المستقبل.