وصل العاهل المغربي محمد السادس أمس الأحد إلى الدوحة، في زيارة رسمية إلى دولة قطر، قادمًا من دولة الإمارات العربية المتحدة، في إطار جهود الوساطة التي يقوم بها لحّل الأزمة الخليجية وعودة العلاقات الدبلوماسية بين بلدان المنطقة إلى سالف عهدها.

وساطة منتظرة

رغم أنه لم يصدر عن وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة في المغرب التي بثت خبر زيارة العاهل المغربي إلى المنطقة، ما يشير إلى مسعى مغربي للعب دور الوساطة في الأزمة الخليجية التي وقعت في 6 من يونيو/حزيران الماضي، فإن خبراء أكدوا أن هذه الزيارة المفاجئة للملك المغربي محمد السادس لقطر وقبلها الإمارات، جاءت لتُعيد طرح مبادرة المملكة المغربية - بإجراء وساطة لتقريب وجهات النظر بين أطراف الأزمة الخليجية - إلى الواجهة من جديد.

يأمل مراقبون أن تسفر الخطوة المغربية - إن تضمنت تفعيل الوساطة التي سبق لوزير الخارجية ناصر بوريطة أن دشنها ـ عن حلحلة الأزمة الخليجية

وكانت المملكة المغربية قد أعلنت في الـ11 من يونيو/حزيران الماضي عن رغبتها في القيام بوساطة بعد قرار دول الحصار الـ4 (السعودية، الإمارات، البحرين، مصر) بقطع العلاقات مع قطر في الـ5 من الشهر نفسه، حيث دعا الملك محمد السادس الأطراف المعنية في الأزمة الخليجية إلى ضبط النفس والتحلي بالحكمة من أجل التخفيف من التوتر وتجاوز هذه الأزمة وتسوية الأسباب التي أدت إليها بشكل نهائي، مبديًا استعداد المملكة للوساطة من أجل حل الأزمة.

وبعد عرض الوساطة حينها، قام وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، بزيارات إلى بعض البلدان الخليجية لجس نبض قياداتها بشأن الوساطة المغربية، كذلك أقامت الرباط جسرًا جويًا لإرسال المساعدات الغذائية إلى الدوحة لمواجهة تداعيات الحصار، تماشيًا مع تعاليم الدين الإسلامي الحنيف وما يستوجبه - خاصة خلال شهر رمضان الكريم - من تكافل وتآزر وتضامن بين الشعوب الإسلامية، حسب وزارة الخارجية المغربية.

العاهل المغربي في الإمارات

ويأمل مراقبون أن تسفر الخطوة المغربية - إن تضمنت تفعيل الوساطة التي سبق لوزير الخارجية ناصر بوريطة أن دشنها - عن حلحلة الأزمة الخليجية، مع فشل العديد من جهود الوساطة العربية والدولية في حل هذه الأزمة الخليجية، بسبب مناورات دول الحصار المتكررة وقائمة الشروط المجحفة التي قدمتها السعودية والإمارات والبحرين ومصر للدوحة.

ويرافق العاهل المغربي خلال هذه الزيارة وفد رسمي يضم على الخصوص، مستشاري الملك محمد السادس فؤاد عالي الهمة وياسر الزناكي وعبد اللطيف المنوني، كما يضم الوفد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي ناصر بوريطة ووزير الثقافة والاتصال محمد الأعرج ورئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف المهدي القطبي، إلى جانب عدد من سامي الشخصيات المدنية والعسكرية.

دوافع الوساطة

في تعقيبه على جهود الوساطة التي من الممكن أن يقوم بها العاهل المغربي، قال المحلل والخبير السياسي المغربي رشيد لزرق لنون بوست: "ملك المغرب مؤهل أكثر من غيره للعب دور إيجابي في تجسير الهوة بين قطر وباقي الدول المختلف معها وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، بالنظر للروابط الشخصية والسياسية التي تجمع المغرب مع جميع دول المنطقة" وأضاف لزرق في حديثه لنون "حاجة المغرب للشراكة الخليجية تجعله معني بضرورة إنهاء الخلاف بين دول المنطقة، خاصة أنه يعول على الشراكة مع هذه الدول لدخوله لإفريقيا، وذلك عبر تحقيق شراكة مزدهرة بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي".

المغرب يعي جيدًا أنه لا مجال بعد الآن للاعتماد حصرًا على شركائه الاقتصاديين التقليديين، مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة

فالمغرب بحسب لزرق يعي جيدًا أنه لا مجال بعد الآن للاعتماد حصرًاعلى شركائه الاقتصاديين التقليديين، مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، كما أن المغرب ليس مستعدًا بعد اليوم للتقيد بالشروط المجحفة التي يفرضها هؤلاء الحلفاء كلما أرادوا أن يمنحوا قرضًا للبلاد أو يجلبوا استثمارًا، ويقول لزرق في ختام حديثه: "باعتبار العلاقات القوية بين عاهل البلاد وأشقائه في الخليج، فإنه يُنظر إلى الرباط كفاعل مؤثر في معادلة الأمن المستقبلية لدول مجلس التعاون الخليجي، في ظل انسلاخ الولايات المتحدة الأمريكية بشكل تدريجي عن دورها في توفير مظلة أمنية للمنطقة".

وفي يونيو الماضي أعلنت 7 دول قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، وهي السعودية ومصر والإمارات والبحرين واليمن وموريتانيا وجزر القمر، واتهمتها بدعم الإرهاب، في أسوأ صدع تشهده المنطقة منذ سنوات، بينما لم تقطع الكويت وسلطنة عمان علاقاتهما مع الدوحة، فيما أعلنت دولتا الأردن وجيبوتي خفض تمثيلها الدبلوماسي مع الدوحة.

مصالح مشتركة

إضافة إلى ذلك، يرى خبراء أن الوساطة المغربية ترجع إلى طبيعة العلاقات التي تجمع المملكة بأطراف الأزمة، فعلاقات المغرب مع الخليج فرضت عليه تجنب الدفاع عن طرف دون آخر، على عكس ما قامت به بعض الدول في هذا الشأن وزاد في تأزيم الوضع، وما يؤكد عمق هذه العلاقات وقوتها انعقاد القمة الخليجية المغربية في العاصمة السعودية الرياض في أبريل 2016، التي أكدت تقارب الرؤى تجاه القضايا الإقليمية ومنها قضية الصحراء الغربية التي يرى فيها المغرب قضيته المصيرية.

القمة المغربية الخليجية عام 2016

وكان المغرب من أبرز الداعمين والمشاركين في التحالف العربي الذي تقوده السعودية ويهدف إلى دعم الشرعية في اليمن، وأبرز الحاضرين كذلك في التحالف العسكري الإسلامي الذي أعلنته المملكة العربية السعودية الثلاثاء 15 من ديسمبر 2015، الذي تشكل من 34 دولة ووصل لاحقًا عدد أعضائه إلى 39 لمحاربة الإرهاب انطلاقًا من مقره في الرياض.

وليس من مصلحة المغرب في الوقت الحاليّ أن يعوّل على شريك أو شركاء معيّنين في الخليج، بل عليه أن يقيم علاقات جيدة مع الجميع، فوفق أرقام وزارة المالية والاقتصاد المغربية بلغت قيمة الهبات والمنح المالية من دول الخليج إلى المغرب نحو 4 مليارات دولار خلال 2014، فيما بلغ حجم التبادلات التجارية بين الطرفين 3 مليارات دولار عام 2014، وهو ما يمثل 4.9% من إجمالي التبادل التجاري للمغرب، مقابل 3.6% في عام 2000، وذلك حسب التقرير الاقتصادي والمالي المرفق بمشروع قانون مالية 2016.