أثارت المقابلة التي أجراها رئيس الوزراء اللبناني المستقيل سعد الحريري، أمس الأحد 12/11/2017، على تليفزيون المستقبل، من قلب العاصمة السعودية الرياض، حالة من الجدل داخل الشارع اللبناني خاصة والعربي على وجه العموم، كونها المقابلة الأولى له منذ تقديم استقالته في الـ4 من نوفمبر الحاليّ.

وبعيدًا عن مضمون اللقاء وما جاء به من تصريحات، فإن لغة الحريري المستخدمة - لفظيًا وجسديًا - والتي كللت ببكائه على الهواء مباشرة فضلًا عن بعض التفاصيل الأخرى كانت الشغل الشاغل لكثير من المحللين ممن رأوا أن حوار الأمس قطع الشك باليقين لدى الفريق الذي كانت تساوره بعض الشكوك بشأن احتجاز الحريري ووضعه تحت الإقامة الجبرية وأن كل ما قاله في هذا الحوار كان بضغط من السلطات السعودية، في مقابل فريق آخر يرى في الرسائل التي تضمنتها تصريحات الرئيس المستقيل تفنيدًّا للاتهامات الموجهة للسعودية باحتجازه وإجباره على الاستقالة.

رسائل الحريري

اشتملت المقابلة التي أجراها الحريري على عدة رسائل سياسية تمحورت في معظمها حول العلاقات السعودية اللبنانية، وكيف كانت المملكة الداعم الأول لبيروت طيلة السنوات الماضية، هذا بخلاف العلاقات الوثيقة التي تربطه بصورة شخصية وولي العهد محمد بن سلمان.

في البداية نفى الحريري ما يقال بشأن احتجازه في السعودية، مفسرًا قرار الاستقالة بأنه "صدمة إيجابية" كانت تهدف الصالح اللبناني قبل أي شيء، ملفتًا إلى بعض المؤامرات التي تحاك ضده وتستهدف حياته في المقام الأول سواء كانت من داخل لبنان أو خارجه قاصدًا النظام السوري بقوله: "أنا وقفت بوجه داعش والنصرة والقاعدة، لكن هناك كثيرين لا يريدون سعد الحريري، من أجل حفظ أمني كان لا بد من بناء شبكة أمان والقيام بعدة خطوات".

ثم انتقل بعض ذلك للحديث عن التدخلات الإيرانية في شؤون دول المنطقة، ومساعيها لإحداث الفوضى وعدم الاستقرار لدى كثير من الدول العربية، منتقلًا إلى حزب الله وما يقوم به من دور تخريبي داخل لبنان، محذرًا من عقوبات إضافية قد يتعرض لها لبنان بسبب تصرفات الحزب الموالي لإيران.

وعمما يتم تداوله بشأن وضعه رهن الاحتجاز القسري، أكد الحريري على العلاقات الوثيقة مع السعودية وولي العهد محمد بن سلمان، مضيفًا أنه اكتشف معطيات جديدة خلال الزيارة الثانية للرياض، دفعته للحفاظ على البلاد من خلال الاستقالة، والذهاب إلى الرياض، مؤكدًا حرية تنقله في أي وقت.

وتابع: "لن أسمح لأحد بأن يعلن حربًا على لبنان لحسابات إقليمية"، ونفى أن يكون هناك حرب بالتنسيق مع "إسرائيل" على لبنان، واصفًا هذه الأنباء الإسرائيلية بأنها مجرد ألاعيب، تعليقًا على الأنباء التي تتحدث عن حرب قادمة في المنطقة، وعن تورط سعودي إسرائيلي فيها.

وعن سؤال بشأن زيارته للإمارات أرجع ذلك إلى الحرص على مصلحة بلاده، قائلاً: "ذهبت إلى هناك للحفاظ على أمن لبنان"، مبينًا أنه كان هناك اتفاق على صحة الخطوة، وأن اللقاء كان مميزًا، "ذهبت لأبين الموقف الذي اتخذته وكان هناك تفهم لذلك".

وبسؤاله عن التزامن بين استقالته وحملة الاعتقالات التي يشنها ابن سلمان رفض الحريري الإجابة معتبرًا ذلك شأن داخلي، مدعيًا أن التزامن كان مجرد صدفة، مضيفًا "ولي العهد السعودي أدرى بما يقوم به، والعاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز هو المسؤول شخصيًا عن حملة محاربة الفساد".

الحريري: أنا وقفت بوجه داعش والنصرة والقاعدة، لكن هناك كثيرين لا يريدون سعد الحريري، من أجل حفظ أمني كان لا بد من بناء شبكة أمان والقيام بعدة خطوات.

وفي خضم الحوار التقطت كاميرا البرنامج لحظات اختناق الحريري بالبكاء وذلك حين تحدث عن حب غير اللبنانيين للبنان وغيرتهم عليه أكثر من بعض اللبنانيين أنفسهم، ثم تحدث بعد ذلك عن عودته للبنان خلال الأيام القادمة دون أن يحدد موعدًا لذلك.

https://www.youtube.com/watch?v=nyoT4u5k9mI

تساؤلات مشروعة

فرض لقاء الأمس نفسه على بورصة التكهنات السياسية داخل لبنان وخارجها خاصة أن تفاصيل الحوار وكواليسه كانت تحمل الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام التي تبحث عن إجابة، خاصة أن الحريري لم يظهر كعادته التي عرفها عنه اللبنانيون وغير اللبنانيين.

بوجه تظهر عليه علامات التعب ورأس حبلى بالهموم وصوت يعتصره الألم بدأ الحريري حديثه للوهلة الأولى في مشهد أثار علامة استفهام كبيرة لدى الكثير من اللبنانيين، خاصة أنهم لم يعهدوه على هذه الشاكلة، فلحيته الطويلة ولغة جسده أشارت إلى وضع غير طبيعي بحسب ما ردده مقربون.

وللبرهنة على ذلك طالب البعض بالعودة إلى قبل 6 أشهر تقريبًا وبالتحديد في مايو 2017 حين أجرى الحريري مقابلة مع قناة روتانا خليجية السعودية، استهلها بضحكاته وابتساماته المعهودة، فضلاً عن أن لغة الجسد كانت تشير لثقة وأريحية كبيرة، مقارنة بالصورة التي خرج عليها أمس في حواره مع قناة المستقبل.

ومن الملفت للنظر أيضًا خلال اللقاء ظهور رجل يقف خلف مقدمة الحوار الإعلامية بولا يعقوبيان، وبيده ورقة، فيما ينظر إليه الحريري بشكل ملفت، ثم يشير إليه بالابتعاد من خلال إيماءة بيديه، فيما فسره نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي بأن الرجل إما أنه يراقب الحريري أو يود إعطاءه ورقة بها بعض الإرشادات، فيما شبهه البعض بالرجل المثير للجدل الذي وقف خلف نائب الرئيس المصري عمر سليمان، عند قراءته خطاب تنحي مبارك عام 2011.

غير أن يعقوبيان أشارت تعليقًا على هذا الشخص أنه ضمن فريق عمل رئيس الحكومة المستقيل، وكان ينبهه لأمر ما - لم تسمه - بعدما أشارت خلال المقابلة مع الحريري على الهواء مباشرة أن ما حدث خطأ تقني، وذلك في مداخلة لها مع الإعلامي المصري عمرو أديب.

ولفت ناشطون إلى ملاحظات أخرى في المقابلة، مثل الخزانة "العتيقة" التي ظهرت خلف الحريري، حيث يظهر بأن مقبض أحد دواليبها مخلوع من مكانه، ملفتين إلى أنه ذكر أن عائلته تتابع المقابلة من المنزل، فيما يقول إنه موجود في المنزل، في إشارة إلى تناقض رواية رئيس الوزراء.

مقاطعة إعلامية لبنانية

من المسائل التي أثارت التساؤل أيضًا أن مقابلة بهذا الحجم لرئيس وزراء يقال إنه محتجز في دولة أخرى تقابل بمقاطعة إعلامية من الإعلام اللبناني، حيث بثت لقاء الأمس قناتان فقط، هما تليفزيون المستقبل ونقلتها عنه قناة mtv اللبناني، بينما قاطعت قنوات NBN .. OTV...NEW TV و المنار والتليفزيون الرسمي اللبناني.

الملفت للنظر أيضًا خلال اللقاء ظهور رجل يقف خلف مقدمة الحوار الإعلامية بولا يعقوبيان، وبيده ورقة، فيما ينظر إليه الحريري بشكل ملفت، ثم يشير إليه بالابتعاد من خلال إيماءة بيديه

وعن دوافع المقاطعة أشارت بعض المصادر إلى أنها جاءت انطلاقًا من تصريح الرئيس ميشال عون الذي قال فيه: "كل ما صدر وسيصدر عن الحريري من مواقف أو ما سينسب إليه، موضع شكّ والتباس ولا يمكن الركون إليه أو اعتباره مواقف صادرة بملء إرادة رئيس الحكومة"، مما يعني أن ما يصدر عنه مجبر عليه وليس بإرادته.

في المقابل شن وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية ثامر السبهان، حملة انتقادات ضد اللبنانيين أمس بسبب ما تردد بشأن وقف بث البرنامج في الضواحي الجنوبية، معقل حزب الله، حيث غرد على صفحته الشخصية على "تويتر" يقول: "أثبتوا كذبهم وضعف حججهم الواهية، وقطعوا الإرسال حتى لا ينكشف ضلالهم أمام العالم واللبنانيين".

وتابع: "الحريري يتحدث وهم يلطمون كعادتهم".

في المقابل، ردّ مغرّدون على تويتر وفيسبوك بنفي أنباء قطع حزب الله مقابلة الحريري، مهاجمين السبهان بصور وعبارات تؤكد متابعتهم اللقاء من شاشات التلفزة بالضاحية الجنوبية.

تحت الضغط

كشف اللقاء وكواليسه أن ما يقال بشأن احتجاز الحريري في السعودية ووضعه تحت الإقامة الجبرية ليست شائعات أو اتهامات وأن إجباره على تقديم استقالته بات حقيقة واضحة لا مراء فيها، كانت هذه الكلمات هي خلاصة ما توصل إليه بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي من اللبنانيين ممن تابعوا لقاء الأمس.

الناشطون دشنوا عددًا من الهاشتاغات التي تشير إلى أن تصريحات رئيس الوزراء المستقيل كانت تحت ضغط وإملاء من السلطات السعودية، على رأسها هاشتاغان تحت عنوان "تحت الضغط" و"المغيّب سعد الحريري"، قالوا خلالهما إن الحريري "مسلوب الحرية"، خلال وجوده في الرياض.

من جانبه وصف السياسي التونسي المعروف الدكتور محمد الهاشمي، مقابلة الأمس بـ"الفضيحة"، مشيرًا إلى أن الحريري أجبر على الثناء على ابن سلمان والنظام السعودي.

وقال الهاشمي في تغريدة له بتويتر "مسكين الشيخ سعد #الحريري رغم أن محمد بن سلمان حطّم شركة سعودي أوجيه لعائلة الحريري فقد اضطر لمدحه والثناء عليه بسخاء في الحوار الفضيحة هذه الليلة، أعوذ بالله من قهر الرجال".

بينما وصف الإعلامي وائل قنديل حديث الحريري عن علاقته مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بأنها بمثابة "انتحار سياسي"، مدونا في تغريدة له عبر صفحته الرسمية بـ"تويتر": "يحسدونني على علاقتي بمحمد بن سلمان، وحين أعود للبنان سأفعل مثله في محاربة الفساد، ما نصه: "هذا التصريح بمثابة انتحار سياسي للحريري".

وكان الرئيس اللبناني ميشال عون في بيان صادر عن الرئاسة  أمس الأحد قال إن حرية رئيس الحكومة سعد الحريري محدودة في الرياض، وهي المرة الأولى التي تعلن فيها السلطات اللبنانية رسميًا اعتقادها بأن السعودية تحتجز رئيس الوزراء ضد إرادته.

وأكد عون "على الظروف الغامضة والملتبسة التي يعيش فيها رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري في الرياض منذ يوم السبت الماضي"، معتبرًا أن "هذه الظروف وصلت إلى درجة الحد من حرية الرئيس الحريري وفرض شروط على إقامته وعلى التواصل معه حتى من أفراد عائلته".

محمد الهاشمي: رغم أن محمد بن سلمان حطّم شركة سعودي أوجيه لعائلة الحريري فقد اضطر لمدحه والثناء عليه بسخاء في الحوار الفضيحة هذه الليلة، أعوذ بالله من قهر الرجال.

وهكذا يبدو أن الأهداف التي أعدت المقابلة لأجلها والمتمثلة في دحض الاتهامات الموجهة للرياض باحتجاز رئيس الوزراء اللبناني ووضعه تحت الإقامة الجبرية، اصطدمت بالدلالات التي كشفتها تفاصيل وكواليس اللقاء ليخرج على عكس المأمول والمتوقع.

وبصرف النظر إن عاد الحريري إلى لبنان خلال الأيام القادمة كما أشار أو لم يعد، فإن المشهد في وضعيته الحالية يشي إلى أمر ما أحيك ضده من السلطات السعودية، مرجحًا تصريحات الرئيس اللبناني بأن هناك ظروفًا غامضة وملتبسة يعيش فيها رئيس مجلس الوزراء المستقيل داخل الرياض.