رغم نفي الرئاسة الجزائرية لخبر اعتزام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الترشح لولاية رئاسية خامسة كما ورد على لسان أحد المسؤولين السابقين في الدولة، فإن ذلك لا ينفي يقينًا وجود نية لدى مقربين من بوتفليقة إلى حمل الرجل "المريض" إلى إعادة الترشح مرة خامسة لرئاسة الجزائر وبالتالي تأجيل حلم التغيير في بلد المليون شهيد إلى 6 سنوات أخرى على الأقل.

المحامي يؤكد والرئاسة تنفي

نهاية الأسبوع الماضي، نقلت وسائل إعلام محلية، عن مسؤول جزائري سابق، أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لديه نية في الاستمرار في الحكم والترشح لولاية رئاسية خامسة في الانتخابات المزمع إجراؤها ربيع عام 2019.

وقال المحامي والحقوقي فاروق قسنطيني الذي كان يشغل سابقًا منصب رئيس اللجنة الاستشارية لحقوق الإنسان في الجزائر (مؤسسة تابعة لرئاسة الجمهورية) وفقًا لجريدة الخبر: "التقيت بالرئيس بوتفليقة قبل أسبوع بالإقامة الرئاسية في زرالدة، وتحدثت معه لنحو ساعة، وأفهمني بأن لديه رغبة في الترشح وبأن الصندوق ما سيفصل، وهذه مبادئ الديمقراطية".

قصر المرادية سرعان ما نفى حدوث أي لقاء بين رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة والمحامي فاروق قسنطيني

وأوضح الرئيس السابق للجنة حقوق الإنسان أنه يعرف الرئيس جيدًا، وأنه يريد أن يبقى في خدمة بلده حتى يتوفاه الله، وبطبعه خدوم، معتبرًا أن من حق الرئيس بوتفليقة الترشح لولاية خامسة، والدستور يسمح له بذلك.

إلا أن قصر المرادية سرعان ما نفى حدوث أي لقاء بين رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة والمحامي فاروق قسنطيني، وفقًا لبيان رئاسي نشرته الإذاعة الجزائرية الرسمية، وأكدت الرئاسة الجزائرية أن عددًا من التقارير الإعلامية تحدثت منذ يوم السبت عن لقاء مزعوم بين رئيس الجمهورية والرئيس السابق للجنة حقوق الإنسان، مشددة على أنها تكذب بصرامة اللقاء من أساسه ومضمونه، الذي اعتبرته مجرد أكاذيب.

سلسلة من الإشارات والمؤشرات

هذا التصريح وإن نفته رئاسة الجمهورية، فإنه يأتي في سياق سلسلة تصريحات لمسؤولين بارزين في الدولة وفي أحزاب الموالاة تتحدث عن نية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة البقاء في سدة الحكم والترشح لولاية رئاسية خامسة رغم مرضه الذي يمنعه من أداء وظيفته بالوجه الكامل المطلوب منه.

وسبق أن أعلن رئيس الحكومة الجزائرية أحمد أويحي، رفضه الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في ربيع عام 2019 في حال قرر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الترشح لولاية رئاسية خامسة.

وقبل ذلك أعلن الأمين العام لحزب "جبهة التحرير الوطني" (حزب السلطة الأول) جمال ولد عباس، أن الحزب الذي يعد بوتفليقة رئيسًا له، سيدعم ولاية رئاسية خامسة للأخير في حال قرر ذلك، وقال ولد عباس إن الرئيس المقبل لا يمكن أن يكون إلا من حزب جبهة التحرير الوطني، قبل أن يضيف أن الرئيس بوتفليقة لن يكون مرشح الجيش في 2019، وهو ما يعني ضمنيًا أن الرئيس سيترشح لولاية خامسة.

أويحي يتخلى عن حلم الرئاسة لفائدة بوتفليقة

إلى جانب ذلك، أعلن رئيس حزب "تجمع أمل الجزائر" عمار غول، أنه سيبقي على دعمه للرئيس بوتفليقة "في كل قراراته وخياراته"، كما قال رئيس حزب "التحالف الجمهوري" بلقاسم ساحلي، إنه سيدعم ترشح الرئيس بوتفليقة لولاية خامسة متى قرر ذلك، وآخر التصريحات والمؤشرات صدرت من المنظمة الوطنية للزوايا الطرقية (أكبر تجمع للطرق الصوفية في الجزائر)، حيث قال رئيسها عبد القادر باسين إن المنظمة التي يقودها تحضر لإنشاء قطب سياسي لدعم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وبرنامجه، والاتصالات جارية مع عدة أطراف من أجل تأسيس هذا القطب الذي سيضم إضافة إلى الزوايا مثقفين وأحزاب سياسية وجمعيات ومنظمات، وكل الذين يؤيدون ويدعمون الرئيس بوتفليقة وبرنامجه.

وأوضح رئيس المنظمة أن الزوايا الطرقية كانت وما زالت تدعم الرئيس بوتفليقة، وذلك منذ وصوله للرئاسة سنة 1999، وكانت من الأوائل الذين طالبوا بترشحه إلى ولاية رئاسية رابعة سنة 2014، ولا تزال تراه قادرًا على مواصلة الحكم، ولذلك تدعوه للترشح لولاية خامسة في 2019، وشدد في كلامه على أن التفكير في شخص آخر لتولي الرئاسة حرام، لأن الزوايا مرتبطة بعقد أخلاقي مع الرئيس بوتفليقة، ولا يمكنها أن تخونه أو تتراجع عنه.

جس نبض أم تمرير فكرة؟

هذه التصريحات المتتالية يرى فيها عديد من المراقبين، عملية جس نبض للشارع الجزائري والأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية خاصة المعارضة منها، لمعرفة مدى تقبلهم لفكرة ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى ولاية رئاسية خامسة رغم مرضه المتواصل منذ سنة 2014.

فيما يرى آخرون أن الأطراف الدائرة ببوتفليقة لا ترمي من خلال هذه التصريحات المتتالية لمعرفة مدى تقبل مختلف الأطراف الجزائرية بفكرة ترشح بوتفليقة مجددًا للرئاسة، وإنما تهدف إلى تمرير فكرة الولاية الخامسة من الآن، ولا تفضل الانتظار حتى يقترب موعد الانتخابات المقررة في ربيع سنة 2019، خلافًا لما كان عليه الأمر في انتخابات عام 2014، عندما انتظرت السلطة إلى آخر لحظة من أجل إعلان ترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية رابعة.

المرض والدستور

نتيجة مرضه المتواصل، خفض بوتفليقة الذي وصل إلى الحكم عام 1999، وانتخب لولاية رابعة من خمس سنوات في 17 من أبريل 2014 بنسبة أصوات فاقت 82%، كثيرًا من نشاطه العام، وهو ما دفع المعارضة الجزائرية للتشكيك في قدرته على حكم البلد وتسبب في استمرار التكهنات بشأن صحته، حتى إن بعض معارضي بوتفليقة دعوا لإجراء انتخابات مبكرة لسوء حالته الصحية.

رغم مرضه بوتفليقة يتشبث بالكرسي

وسبق أن أصيب بوتفليقة البالغ من العمر 80 سنة، عام 2005 بقرحة معدية استدعت عملية جراحية في مستشفى فال دوغراس، قبل أن يصاب في 2013 بجلطة دماغية أثرت على بعض وظائفه وأقعدته على الكرسي المتنقل، وغيبته عن مخاطبة شعبه وممارسة مهامه أمام كاميرات الإعلام إلا في الضرورة القصوى، ولا تشاهده الجماهير عادة إلا في مقاطع فيديو قصيرة يبثها التليفزيون الرسمي خلال استقباله مسؤولين أجانب يزورون البلاد في مقره الرئاسي، ورغم هذا يأبى بوتفليقة والمحيطين به أن يترك الحكم ويسمح بتغيير سلمي في البلاد.

إضافة إلى مرضه، ينص الدستور الحالي للجزائر على تحديد الفترة الرئاسية بولايتين فقط غير قابلتين للتجديد، إلا أن المقربين منه يقولون إن بوتفليقة حصل على ولاياته الأربعة قبل إقرار الدستور الحالي لذلك فإنه من الناحية القانونية بإمكانه الترشح لولاية خامسة وسادسة إن أراد.

تمسك دوائر الحكم

تمسك دوائر الحكم بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة، يفسره عديد من الخبراء، بأن المتحكمين بالحكم يرون في بوتفليقة الشخص الوحيد الذي يحظى بالاجتماع والمتاح أمام النظام رغم تراجع أدائه ونشاطه إلى الحد الأدنى، للاستمرار سنوات أخرى في حكم الجزائر والتحكم في خيراتها، ويؤكد مراقبون أن فشل دوائر الحكم في إيجاد بديل لبوتفليقة، سيؤدي إلى استمرار تجربة هذا الأخير في الحكم رغم مرضه والدعوات المتواصلة من المعارضة التي تطالب بقطع الطريق عليه، تفاديًا لدخول البلاد في منطقة اللاعودة.

تقرير يستبعد أن يقدم الرئيس المقبل للجزائر على اتخاذ خطوات جريئة من أجل تغيير بنية النظام وتحسين نظام الحكم

وفي وقت سابق كشف معهد "آون" AON الأمريكي للدراسات الأمنية وإدارة المخاطر في تقرير له، أن الوضعية الصحية للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ستزيد من الصراع بشأن السلطة وحدة الانقسام الداخلي من أجل تولي مقاليد الحكم، ما من شأنه، بحسب التقرير، أن يغذي الشلل السياسي ويضعف جهود البلاد في مجال الإصلاحات السياسية والاقتصادية، مستبعدًا أن يقدم الرئيس المقبل للجزائر على اتخاذ خطوات جريئة من أجل تغيير بنية النظام وتحسين نظام الحكم.

تأجيل التغيير

الحديث عن إمكانية ترشح بوتفليقة ومواصلته الحكم في الجزائر، يؤجل رياح التغيير التي يأمل شعب الجزائر أن تطئ أرضهم منذ سنوات، فهذا الترشح يؤكد أن الوضع سيبقى على حاله والأطراف الحاكمة ستبقى في السلطة لفترة أخرى يجهل الجميع موعد نهايتها، حماية للمصالح والمكاسب التي حققوها وما زالوا يأملون في تحقيق غيرها.

ويؤكد جزائريون أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ومن حوله ليس لديهم أي نية لمغادرة الحكم في البلاد بل يسعون للخلود فيه، ولا يريدون ترك الجزائر تدخل مرحلة دولة القانون ولا السماح بالتغيير وفقًا لأسس الديمقراطية التي أضحت بمثابة ديمقراطية الحزب الواحد والرجل الأوحد.

تململ في الشارع الجزائري

المسؤول عن تأجيل التغيير في الجزائر، ليس النظام بمفرده، فللمعارضة نصيب أيضًا، ذلك أن المشهد السياسي الجزائري يزدحم بسلسلة مبادرات ودعوات تطالب بالتغيير وإنهاء حالة الارتباك الراهن، في أبعاده المتصلة بإدارة شؤون الحكم وغموض الموقف في مؤسسة الرئاسة، وتردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، إلا أنها مبادرات لا تكاد تجتمع في إطار أو تصور واحد، على الرغم من تقاطعها في تحليل الأوضاع.