جرى الأمر أن نرقم الجمهوريات ولا نرقم الممالك خاصة لمن تشبع بقراءة التقاليد الدستورية الفرنسية، يغيب هذا التقليد عن التراث السياسي الإنجليزي وهو الأقرب شكلاً إلى المملكة العربية السعودية، لكنني أوشك أن أرى المملكة العربية السعودية الثانية التي ستحتفظ باسم آل سعود وتبني مملكة جديدة مختلفة، ربما أقول بكثير من الشك والريبة أنها قد تكون ملكية دستورية، لكن بين الشك/الأمل واليقين/الواقع أرى أن ولي العهد أو الملك القادم يملك أسباب النجاح في معركته الشرسة ضد النظام الذي هو حتى اللحظة جزء منه.

فما عناصر النجاح المتاحة بين يديه حتى الآن؟ وهل يفلح في استثمارها أم أن كل الأمل الذي نصطنع/نتوهم لا يخرج عن أجندة خارجية أمر الفتى بتنفيذها لتحقيق غاية أخرى ليس لبلاد نجد والحجاز ناقة فيها ولا جمل؟

الحركة ضد الثبات

يبدو هذا عنصرًا جديدًا في المشهد السعودي، وقد يكون مؤشر تغيير لصالح الملك القادم، فلقد عرف عن هذا النظام أنه نظام محافظ في كل شيء ويقدم وجهًا واحدًا للعالم، ملك شيخ يتكلم بهدوء ويتحرك بصعوبة وحاشية منحنية تطيع ولا تناقش ويحتفظ النظام بأسراره فلا ينكشف منها إلا إشاعات تتعلق خاصة باللهو والمجون في خارج المملكة، ولكن الشكل والجوهر السياسيين ثابتين كأنهما نسخة واحدة تتكرر وفجأة ملأت أخبار العائلة السعودية الأخبار.

ولي العهد يقفز المراحل رغم عمره ليفتك الموقع الثاني والأكثر فعالية، ثم يشرع في تغيير مرتكزات النظام بسرعة فائقة، فيقصي شريحة العلماء أو المشرعين الحقيقين للنظام، ثم يفكك أركان المؤسسة الدينية الأثقل وزنًا (مؤسسة المطوعة أو جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) التي كانت تضيق على الناس معاشهم.

ثم يبدأ في تصفية مراكز القوى المالية والإعلامية من داخل العائلة ومن حولها، فإذ بالبلد يتحرك على إيقاع حركته والأخبار تلاحقه بين مادح وذام، ولكن النظام تحرك وارتج أو تخلخلت أركانه في زمن وجيز، بل لعل الركن الأوثق منه انهدم، ركن الأسرة المتماسكة.

لقد كان نظامًا جامدًا في انتظار رجة وقد حصلت، وكل تغيير مؤذن بجديد وإن جر معه خسائر جانبية، كيف يمكن التغيير بأقل الأضرار الجانبية؟ هذا موضوع للمتابعة ولكن علامات القبول بالتغيير بدت للعيان.

جيل الشباب

معطى أول على غاية من الأهمية للتغيير، ليس ولي العهد هو الشاب الوحيد في المشهد السعودي الجديد، فالمجتمع السعودي شاب في أغلبه وفئة واسعة من الشباب ليست على مذهب آبائها في المحافظة خاصة الفئة المتعلمة تعليمًا عصريًا وهي فئة واسعة وتتسع باستمرار.

كسر شوكة الأمراء وأصدقاء الأمراء الأقوياء بمالهم وإعلامهم سيسمح ولو بعد حين بتنفس طبقة من رجال الأعمال الصغار المستثمرين في المملكة ويعطيهم مكانة في الدورة الاقتصادية التي ترزح تحت الاحتكار الأميري

وهذه نتيجة لعمل سابق على وجود ولي العهد (الملك القادم)، فقد دخلت المملكة مرحلة سعودة الوظائف منذ أكثر من 20 سنة واضطرت إلى إرسال البعثات التعليمية إلى أهم الجامعات الأمريكية والإنجليزية خاصة، وبدأ المبتعثون في العودة وملء الفراغ الوظيفي بعقل مختلف تربى في الغرب.

وهذه القاعدة الواسعة من الكفاءات المتحررة تظهر الآن حماسها للتغيير العميق في أسلوب الحكم والإدارة وهي بصدد فرض مطالبها السياسية لذلك تجد في هز العرش المحافظ بغيتها وتتحمس للأمير الذي يرج العرش رجًا، إنها نخبة جديدة حداثية بمقاييس المملكة ولكنها تحديثية بمقاييسها التي تعلمتها في خارج المملكة وبعيدًا عن المطوّعة.

تحرير المرأة

المعطى الثاني لصالح التغيير وقائده الشاب، المرأة السعودية، فلم يكن هناك من سند فقهي حقيقي لتسلط المجتمع السعودي على المرأة السعودية بحرمانها من أسباب الحياة الحرة كقيادة السيارة، فهو اجتهاد فقهي لا يمكن تبريره بأي نص.

لذلك فبمجرد إسقاط الفتوى المانعة لقيادة المرأة للسيارة تشكل رأي نسائي متفائل بالملك القادم، ويمكن القول إنه ضمن الآن كتلة النساء لصالحه، والنساء مهما تسلط عليهن من غبن هن البيت السعودي من الداخل ولن يطول الوقت حتى تتغلب الإرادة الهادئة للنساء على التوجه المحافظ، وربما صادف الأمر هوى عند رجال كثر لم يكن يقنعهم الاجتهاد، فسمحوا لنسائهم بتعلم قيادة السيارة في الخارج وهن يقدنها كلمّا خرجن من المملكة.

كما أن هناك عنصرًا آخر يستحق الاهتمام به وإن لم يتكلم بعد بالأرقام وهو أن كسر شوكة الأمراء وأصدقاء الأمراء الأقوياء بمالهم وإعلامهم سيسمح ولو بعد حين بتنفس طبقة من رجال الأعمال الصغار المستثمرين في المملكة ويعطيهم مكانة في الدورة الاقتصادية التي ترزح تحت الاحتكار الأميري الذي لا يمكن تبرئته من الفساد، وربما جلبت ضربات الأمير لطبقة الفاسدين من الأسرة وجوارها له أنصارًا من خارجها قد يكون منهم مستثمرون من خارج المملكة يخلقون عملاً وثروة غير ريعية.

وخلاصته فإنه على مستوى الرصيد البشري المساند للتغيير، فإننا إذا جمعنا كتل الشباب الجديد وكتلة النساء وكثير من فئات رجال الأعمال الصغار من خارج الأمراء الأغنياء فضلاً عن المثقفين غير المتدينين تدينًا تقليديًا، فإن صف الملك يكون أقوى بشريًا ويمكن لو أراد الذهاب بعيدًا في مخالفة التقاليد المحافظة بتسيير مظاهرات مؤيدة له لوجد شارعًا مليئًا بالأنصار، كانت نواتهم الأولى قد خرجت في احتفالات مختلطة بالعيد الوطني في الشارع مع اختلاط بدا غريبًا لأول مرة لكن لا أحد من المحافظين استطاع رده.

خطاب التطبيع مع الصهاينة ضمن للأمير دعم قوة سياسية كبيرة هي قوة اللوبي الصهيوني في العالم الذي ينتظر كسر آخر الحواجز النفسية بين الكيان والعرب 

ما زال من المبكر جدًا تخيل نظام ملكي سعودي يسمح بتسيير المظاهرات السياسية أو تنظيم الأحزاب (المقارنة بالملكية الدستورية الإنجليزية هو من قبيل المجاز حتى الآن)، لكن أسبابه البشرية تتجمع بين يدي الملك الشاب وتؤذن بفوز سياسي رغم ردات الفعل المتوقعة على المجزرة الأميرية في خريف 2017.

السند الخارجي

تزامن المجزرة داخل الأسرة التي بدأها الأمير مع زيارة الرئيس الأمريكي وتصريحات صهيونية متفائلة ومرحبة، دفعت التحليل إلى تعظيم تأثير الأجندة المملاة على الأمير من أصدقائه في الخارج وهو ما خلق نوعًا من الاستهانة بقوى التغيير الداخلية التي تنتظر حركة قوية ضد السلوك السياسي المحافظ داخل المملكة.

السند الخارجي معطى حقيقي وظاهر للعيان وهو مؤثر فعال وحامٍ قوي لسياسة الأمير الداخلية، فقد سكتت وسائل الإعلام العالمية في أغلبها عن مخالفة ما فعله الأمير بأسرته لأدنى شروط العدالة، ولكن الأجندة التي ترغب في كسر جمود المملكة بحجة أنها راعية الإرهاب وممولته في العالم جعلت فعل الأمير يحظى بسند ودعم وغض طرف، وقد قدم لها الأمير خدمة/رشوة جزيلة بطرح شركة أرامكو في البورصة.

كما أن خطاب التطبيع مع الصهاينة ضمن له دعم قوة سياسية كبيرة هي قوة اللوبي الصهيوني في العالم الذي ينتظر كسر آخر الحواجز النفسية بين الكيان والعرب، فتطبيع المملكة يعادل تطبيع كل المرجعيات المتبقية وخاصة رفع الكلفة عن بقية الأنظمة المطبعة لتتذرع بالتطبيع السعودي وتعلن علاقاتها السرية.

ما زلت لدى الأمير معضلة النجاة من حروب خاسرة شنها على جيرانه في اليمن وقطر، دون أن يغنم منها انتصارًا واحدًا

لهذه الأسباب يتجمع لدى الأمير (الملك القادم) الآن سند خارجي فعال وسند داخلي يتسع باستمرار ويمنح له فرصة حكم لم توات أباه ولا أعمامه الذين فضلوا الحفاظ على الموجود وتوزيع الرشاوى السياسية يمينًا وشمالاً للحفاظ على نظامهم ومكانتهم داخله.

الأفق الممكن؟

بعد شهرين من المتابعة المستمرة والقراءة عما يجري، بدا لي دون رجم بالغيب أن التغيير في السعودية بدأ فعلاً ومنذر بميلاد مملكة جديدة لم تتحدد معالمها بعد لأن التسرع في توقع الصورة النهائية ليس متاحًا، فأسلوب الأمير حتى الآن هو كسر وضع جامد بطرق غير حديثة ولا ديمقراطية بل من طينة عمل الديكتاتوريات العربية القديمة، وهذا لا يبشر بالنفاد إلى عمق الحاجة الشعبية إلى التغيير.

بداية الرضوخ الأميري ودفع إتاوات الخروج بمقابل تنذر بتأجيل الأحقاد والثارات (وتحين الانتقام)، ولكن تنبأ أيضًا عن بداية الاستسلام للأمر المقضي الجديد، والتعامل معه من موقع القبول وربما المشاركة، صف الرفض بدأ يتفكك ويضعف وهو انتصار للأمير حتى الآن.

ما زالت لدى الأمير معضلة النجاة من حروب خاسرة شنها على جيرانه في اليمن وقطر، دون أن يغنم منها انتصارًا واحدًا، وقد شكلت رغبته في هذه الحروب طعنًا في عقله السياسي، فقد كان في غنى عنها وأعطت انطباعًا بأنه (فيل في مغازة بورسلان)، لكن ربما تكون هزائمه الخارجية مدخلاً لتوبة ديمقراطية يحتاج فيها إلى الانكفاء على التغيير في الداخل والتركيز على بناء نظام سياسي جديد يوسع مشاركة الفئات الاجتماعية التي تقف الآن معه ضد العقل المحافظ للأسرة والتوقف عن لعب دور شرطي المنطقة لصالح قوى لها فائدة في تخريب كل المنطقة، بجرها إلى حروب بينية مدمرة لقواها وثرواتها.

سيكون حينها ممكنًا للمراقبين الحديث عن المملكة العربية السعودية الثانية، وحتى ذلك الحين ها نحن نتابع حركة الفيل في مغازة البورسلان، لكن يمكن الجزم أن السعودية تحت حكم محمد بن سلمان لن تكون هي نفسها تحت حكم من سبقه من أهله.