ترجمة وتحرير نون بوست

زادت حدة التوتر بين أوروبا الشرقية والغربية بسبب النظرة الاستعلائية   لدول أوروبا الغربية تجاه نظيرتها الشرقية. وللحد من هذا التوتر، يجب على كلا الطرفين تقديم تنازلات. خلال بداية الأسبوع الجاري، انعقد  مؤتمر "16+1" الذي جمع  بين الصين و16 دولة من  أوروبا الوسطى وأوروبا الغربية في مدينة بودابست، الأمر الذي أثار انزعاج دول الاتحاد الأوروبي التي لم تستسغ تنامي نفوذ الصين في أوروبا.

في الوقت الراهن، تحاول الصين استمالة دول أوروبا الشرقية من خلال  مبادرة "طريق الحرير الجديد"، التي تهدف إلى بناء طرق تجارية جديدة وتمويل المشاريع الكبرى؛ على غرار خط السكة الحديدية الرابط بين مدينتي بلغراد وبودابست.

في الواقع، تعكس هذه المبادرة التوجه الجديد للسياسة الخارجية الصينية تجاه أوروبا الشرقية. في المقابل، يخشى الاتحاد الأوروبي من نجاح الصين في مساعيها بتقسيم أوروبا، حيث قد يؤدي خط السكك الحديدية الرابط بين دول أوروبا الشرقية إلى تعزيز من قوة أوروبا الشرقية والوسطى على حساب الاتحاد الأوروبي.

أخطاء من الطرفين

قد يؤدي التصعيد بين دول أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية إلى توتير العلاقات بين الطرفين. ففي الآونة الأخيرة، شهدت العلاقات بين مختلف الدول الأوروبية تصدعا فيما يتعلق بسياسة اللاجئين، حيث ترفض الدول حديثة العضوية بالاتحاد الأوروبي استقبال اللاجئين المسلمين بشكل قاطع، فضلا على أنها تنظر باحتراز إلى ثقافة الترحيب باللاجئين في ألمانيا والنمسا.

مؤخرا، توسعت الهوة بين أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية على الرغم من أن دول أوروبا الشرقية تخلت عن سياستها الانعزالية. ففي صلب الاتحاد الأوروبي، تعامل دول أوروبا الغربية نظيرتها في شرق القارة العجوز على أنها "دول أوروبية من الدرجة الثانية". فعلى سبيل المثال، تبيع الشركات الأوروبية مواد غذائية سيئة الجودة لدول أوروبا الشرقية.

بالإضافة إلى ذلك، ترفض العديد من دول أوروبا الشرقية الاندماج الشامل في صلب الاتحاد الأوروبي. في هذا السياق، ترفض كل من بولندا وتشيكيا والمجر اعتماد عملة اليورو، على الرغم من أن دول البلطيق إلى جانب سلوفاكيا وسلوفينيا انضمت إلى منطقة اليورو.

في الحقيقة، تقع بعض دول أوروبا الشرقية في خلاف لا طائل منه مع دول الاتحاد الأوروبي. فمنذ وقت طويل، لا تتوافق  الحكومة البولندية المحافظة مع بقية دول أوروبا الغربية فيما يتعلق بمبدأي سيادة القانون والفصل بين السلطات،حيث ترغب وارسو في إعادة بناء نظامها القضائي، لكها تعتبر في الوقت نفسه مبدأ الفصل بين السلطات أمرا مزعجا.

من جهته، يهدد الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على الحكومة البولندية على خلفية المس من المبادئ الأساسية للاتحاد الأوروبي، في حين ترفض السلطات البولندية تدخل الاتحاد الأوروبي في شؤونها الداخلية. ويحظى الموقف البولندي بالدعم من قبل الحكومة المجرية. في هذا الصدد، أورد رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، "سئمنا من تلقي الدروس من طرف الدول الغربية فيما يتعلق بمسائل حقوق الإنسان والديمقراطية، فضلا عن التنمية واقتصاد السوق".

في المقابل، يعد موقف دول أوروبا الشرقية من دول أوروبا الغربية غير منطقي، إذ يجب على كل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي الالتزام بقوانينه الداخلية. من هذا المنطلق، لا يمكن لدولة عضو الاتحاد الأوروبي البت في إحدى القضايا في عزلة عن الإطار الأوروبي. خلافا لذلك، يجب على بروكسل التدخل في حال لم تتخذ أحد الدول الأعضاء القوانين الخاصة بالاتحاد الأوروبي على محمل الجد.

أخذ ورد فيما يتعلق بالسوق الأوروبية المشتركة

لئن بدت قضية المواد الغذائية سيئة الجودة ثانوية، إلا أنها قد تساهم في ارتفاع حدة التوتر بين أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية، خاصة وأن هذه القضية تعتبر حقيقة لا غبار عليها. ولكن بالنظر إلى تقارير مراقبي جودة المواد الغذائية، تبدو قضية المواد الغذائية سيئة الجودة مجرد زوبعة في فنجان.

في الآونة الأخيرة، لم تلاحظ السلطات المجرية أي اختلاف بين مكونات المنتجات الغذائية المعروضة  للبيع في فيينا وبودابست. لذلك، يبدو أن قضية المواد الغذائية سيئة الجودة نابعة من عقدة النقص التي تشعر بها دول أوروبا الشرقية. من جهة أخرى، يبدو أن دول أوروبا الشرقية عناصر فاعلة في السوق الأوروبية المشتركة لا سيما وأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ساعد دول شرق أوروبا على النهوض بالاقتصاد وتحسين مستويات عيش مواطنيها.

إلى جانب ذلك، تمكن العديد من مواطني أوروبا الشرقية من العثور على مواطن شغل في غرب أوروبا بفضل مبدأ حرية تنقل الأشخاص بين دول الاتحاد الأوروبي. على هذا الأساس، أعلنت الحكومتان البولندية والمجرية عن عدولهما عن فكرة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. ومن جانبها، اعتبرت واسو المبادرة الفرنسية المتعلقة بفرض المزيد من القيود على العمال والشركات الأوروبية بهدف منعها من استقطاب اليد العاملة الرخيصة بمثابة تكريس للسياسة الحمائية في الاتحاد الأوروبي.

على خلفية ذلك، شددت دول الاتحاد الأوروبي على أن المبادرة الفرنسية تهدف إلى الحد من فوارق الأجور بين العمال المنحدرين من دول الأوروبية الشرقية وغيرهم المنحدرين من دول أوروبا الشرقية، مع العلم أن عمال أوروبا الشرقية يتميزون عن غيرهم من العمال في أوروبا الغربية بأجورهم الزهيدة. في المقابل، أقرت العديد من دول أوروبا الشرقية جملة من الإصلاحات المالية للتخلص من عبء الاشتراكية. في هذه الحالة، يمكن أن تكون دول مثل بولندا بمثابة نموذج بالنسبة لدول أوروبا الغربية فيما يتعلق بالإصلاحات الاقتصادية.

أوروبا الغربية وأوروبيا الشرقية على قدم المساواة

يتطلب تحسين العلاقات بين دول أوروبا الغربية ودول أوروبا الشرقية تقديم بعض التنازلات من كلا الطرفين. فلا بد أن تتخلص دول أوروبا الشرقية من عقدة النقص التي جعلتها متراوحة بين الميل إلى نظرية المؤامرة في كل خلاف مع دول أوروبا الغربية والإعلاء من شأنها.

في هذه الحالة، يجب على أوروبا الشرقية أن تتحلى بشيء من الثقة في النفس، وذلك عبر تثمين ما حققته من انجازات اقتصادية بعد التخلي عن مبادئ الاشتراكية. أما من الناحية السياسية، فينبغي على دول أوروبا الشرقية المنتمية للاتحاد الأوروبي أن تدرك مدى تأثيرها على الاتحاد الأوروبي.

أما بالنسبة لدول أوروبا الغربية، فينبغي عليها أن تتخلى عن النظر باستعلاء لدول أوروبا الشرقية باعتبارها دولا فقيرة. ومن الناحية السياسية، يمكن لدول أوروبا الغربية أن تستفيد من التقاليد السياسية لدول أوروبيا الشرقية. فعلى سبيل المثال، تتميز بولندا بتقاليدها العريقة في مجال الكفاح من أجل الحريات، علاوة على يقظة مجتمعها المدني.

من الناحية الاقتصادية، تعتبر أوروبا الغربية أكثر قوة من أوروبا الشرقية. ومع ذلك، تعد أوروبا الشرقية من الدول التي حققت نموا ملحوظا في عدة مجالات خاصة صناعة السيارات وتطوير البرمجيات. عموما، لا توجد فوارق كبيرة بين الشركات المتواجدة في وارسو أو براتيسلافا ونظيراتها المنتصبة في برلين أو لندن. على ضوء هذه المعطيات، لا نبالغ إن اعتبرنا شرق وغرب أوروبا على قدم المساواة.

المصدر: نويه تسوريشر تسايتونغ