ما إن وضعت الحرب أوزارها في معركة الانتخابات البلدية في مقاطعة كيبيك بكندا يوم الأحد الـ5 من نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠١٧، حتى بدأت طلائع رايات معركة انتخابية جديدة تلوح في الأفق، المعركة الجديدة هي انتخابات مجلس نواب المقاطعة وحكومتها. 

المواطنون في كيبيك على موعد مع مواسم انتخابات سنوية تقريبًا: الانتخابات البلدية في خريف 2017، الانتخبات البرلمانية على صعيد المقاطعة في خريف 2018، والانتخابات البرلمانية الفيدرالية على صعيد كندا في خريف 2019، والسؤال الذي يفرض نفسه دائمًا على مسلمي كندا هو: ما دورهم في هذه الانتخابات؟ وما أثرها على حياتهم في هذا المجتمع وحقوقهم في هذا البلد؟

إذا كان الماضي دليلاً على المستقبل فإننا نخشى أن يتحول المسلمون وحقوقهم، كما حصل في انتخابات سابقة، إلى سلعة انتخابية وشماعة يعلق عليها كل ذي غاية غايته، هذا لم يحصل في الانتخابات البلدية الأخيرة وذلك عائد لسببين رئيسين: الأول تشابه وجهات نظر الفريقين الرئيسيين المتنافسين في الانتخابات البلدية في مونتريال، وهي كبرى المدن في المقاطعة، بشأن المسألة الإسلامية، والسبب الثاني أن ثلث سكان مدينة مونتريال ينتمون إلى أقليات دينية أو إثنية وأي محاولة لاستغلال حقوق أقلية ما ستكون لها آثار سلبية لا تحمد عقباها.

أما في الأرياف فإن عدد المسلمين لا يشكل أي وزن يحسب له حسابًا، وبالتالي لم تقحم قضاياهم في مهاترات المعارك الانتخابات البلدية، ولكن بقدر ما أن المسألة الإسلامية لم تلعب دورًا مهمًا في الانتخابات البلدية الأخيرة فإنها لعبت دورًا حاسمًا في انتخابات برلمان مقاطعة كيبيك عام 2014 والانتخابات الفيدرالية الكندية عام 2015.

انتخابات برلمان مقاطعة كيبيك في خريف 2014

لقد أجريت هذه الانتخابات والحزب الكيبكي ذو الميول القومية الانفصالية بقيادة السيدة پولين ماروا رئيسة الحكومة المنتهية ولايتها في السلطة، وكانت حكومة السيدة ماروا قد قدمت مشروع شرعة القيم الكيبيكية وجعلت من هذه الشرعة بندًا رئيسيًا في برنامجها الانتخابي، وكان في هذه الشرعة المقترحة تقليص لحرية المسلمات في ارتداء الحجاب وهذا ما رأى فيه المسلمون والعديد من المدافعين عن حقوق الأقليات انتقاصًا من هذه الحقوق واعتداءً على حقوق الإنسان، مما ساهم في تحويل الانتخابات إلى استفتاء على العلمانية والحقوق الدينية.

عدد المنتقبات في كندا قليل جدًا، المسلمون رجال ونساء، متدينين وغير متدينين يشكلون 3% من عدد السكان

جرت الانتخابات التي تحولت إلى استفتاء، في جو محموم من الدعاية المعادية للأديان بشكل عام وللإسلام بشكل خاص وتحولت المعركة الانتخابية إلى أرض خصبة لثقافة الكراهية والتخويف من الآخر للحفاظ على ما يسمى بالهوية الكيبيكية العلمانية.

لقد كانت النتيجة عكس ما توقعه القوميون الذين كانوا يتصورون أنهم من خلال اللعب على وتر الحساسية القومية سيكسبون تعاطف الأكثرية ويفوزون في الانتخابات.

كانت النتيجة عكسية تمامًا لأنها ساهمت بإقناع أعداد غفيرة من المسلمين بضرورة القيام بدورهم كمواطنين وأن يمارسوا حقهم وواجبهم الانتخابي، فكانت مشاركتهم في الانتخابات تاريخية، وكانت المرة الأولى في التاريخ التي يصوت فيها المسلمون بكثافة.

إضافة إلى مشاركة المواطنين المسلمين بكثافة في الانتخابات، تشكلت جبهة عريضة من المدافعين عن حقوق الأقليات وعملت على إسقاط مشروع الشرعة وإسقاط الحزب الذي أتى بها، وهكذا خسرت حكومة پولين ماروا وفاز حزب الأحرار بقيادة السيد ڤيليپ كويار في الانتخابات.

انتخابات البرلمان الفيدرالي في خريف 2015

لقد جرت هذه الانتخابات في ظل حكومة حزب المحافظين المنتهية ولايتها وكانت بقيادة رئيس الوزراء السيد ستيڤن هارپر، كان المجتمع ناضجًا للتغيير بعد تسع سنوات من حكم حزب المحافظين وهذا ما كانت تؤكده مجمل استطلاعات الرأي التي كانت تشير إلى أن أكثرية المنتخبين يميلون للتصويت لحزب الديمقراطيين الجدد بقيادة السيد توماس مولكير الذي كان يقود المعارضة الرسمية في البرلمان المنتهية ولايته، أما حزب الأحرار بقيادة الشاب جوستان ترودو فلم تكن استطلاعات الرأي تدل على احتمال نجاحه في الانتخابات. 

السبب كان واضحًا آنذاك، أكثرية المواطنين تتوق للتغيير والحزب الذي يمثل بنظرها إمكانية التغيير هو الحزب الديمقراطي الجديد لأنه يمثل المعارضة الرسمية وزعيمه المخضرم توماس مولكير يتمتع بالخبرة اللازمة لقيادة البلد، بينما زعيم حزب الأحرار السيد ترودو فهو شاب يافع لا يتمتع بخبرة السيد مولكير.

عندما شعر مخططو إستراتيجية حزب المحافظين بالخطر المحدق وأدركوا أنهم لا محالة سيخسرون السلطة إذا لم يغيروا إستراتيجيتهم الانتخابية رفعوا راية منع النقاب ليستدروا عطف اليمين العنصري المعادي للمسلمين وبهذه الطريقة حولوا الانتخابات النيابية إلى استفتاء عن مسألة النقاب. 

مما لا شك فيه أن عدد المنتقبات في كندا قليل جدًا، المسلمون رجال ونساء، متدينين وغير متدينين يشكلون 3% من عدد السكان وكما هو معروف المسلمون الرجال أكثر من المسلمين النساء، فعدد النساء المسلمات قد يكون نحو 1.2% بما فيهن المتدينات وغير المتدينات، السافرات والمحجبات والمنتقبات، وهذا ما يدل على أن عدد المنتقبات قليل جدًا ومن غير المعقول أن يتصور عاقل أن هذا العدد القليل قد يشكل خطرًا على هوية المجتمع الكندي.

كما حدث في المعركة الانتخابية على صعيد مقاطعة كيبيك في خريف 2014 شكلت المعركة الانتخابية الفيدرالية في خريف 2015 أرضًا خصبة للكراهية والدعاية المعادية للإسلام

ولكن لأسباب انتخابية تحولت قضية حقوق المسلمات المنتقبات إلى الموضوع الأساسي في انتخابات البرلمان الفيدرالي في خريف 2015،  فحزب المحافظين يدعو إلى منع النقاب والحزب الديمقراطي الجديد يدعو إلى الحفاظ على الحريات الشخصية وحرية المعتقد. 

بعد هذا التحول في مسار المعركة الانتخابية وتحولها إلى استفتاء بشأن مسألة النقاب بدأت شعبية الحزب الديمقراطي الجديد تتقلص وهذا ما كان يخطط له حزب المحافظين، ولكن حزب المحافظين لم يكن بإمكانه الاستفادة من تقلص شعبية الديمقراطيون الجدد فكما قال الشاعر العربي: ما كل ما يتمنى المرء يدركه، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

أكثرية المواطنين كانت تتوق للتغيير وبالتالي عندما بدأ المواطنون يشكون بحظوظ الحزب الديمقراطي الجديد بقيادة البلد نحو التغيير انقلبوا إلى الخيار الآخر وهو حزب الأحرار بقيادة السيد جوستان ترودو مع أن موقف السيد  ترودو من مسألة النقاب لم يكن مغايرًا لموقف السيد مولكير، ولكن الناخب الكندي الذي كان يريد التغيير بعد تسع سنوات من حكم حزب المحافظين لم يعبأ لهذا التلاؤم بين وجهتي نظر مولكير وترودو ولم يناقش موقف الأحرار من مسألة النقاب. 

وكما حدث في المعركة الانتخابية على صعيد مقاطعة كيبيك في خريف 2014 شكلت المعركة الانتخابية الفيدرالية في خريف 2015 أرضًا خصبة للكراهية والدعاية المعادية للإسلام. 

وكما حصل في انتخابات المقاطعة عام 2014 انقلب السحر على الساحر في الانتخابات الفيدرالية عام 2015 أيضًا لأن السيد هارپر نجح في تأليب المسلمين ضده وحثهم على الخروج بأعداد غفيرة للتصويت لصالح خصومه الانتخابيين وهكذا هزم ستيڤن هارپر ووصل السيد جوستان ترودو إلى سدة رئاسة الوزارة.

انتخابات برلمان مقاطعة كيبيك في خريف 2018

بدأت الأحزاب المحلية بتحضير إستراتيجياتها الانتخابية وشحذ أسلحتها استعدادًا للمعركة القادمة وما بدأ يظهر للعيان فإن مسألة العلمانية وحقوق المسلمين وخاصة المسلمات ستكون في صميم المعركة الانتخابية القادمة، لهذا لا بد لمسلمي كيبيك من اليقظة ورص الصفوف وتحديد الحلفاء استعدادًا للمرحلة القادمة، اليمين المتطرف على شاكلة قطيع الذئاب "l meute"" وتحالف العاصفة ""Storm Alliance موجود في البلد ويعمل جاهدًا ليكون صوته مسموعًا في الشارع ووسائل التواصل الاجتماعي.

لا مناص للمسلمين في هذا البلد من ممارسة حقوقهم الديمقراطية والقيام بواجبهم بالترشيح والتصويت في الانتخابات القادمة وبناء التحالفات مع كل أبناء الوطن المعادين للعنصرية والتمييز

هذا اليمين المتطرف يطرح شعارات عنصرية معادية للهجرة والأقليات بشكل عام وللمسلمين بشكل خاص، وإن كان يدعي أنه لا يعادي المسلمين وإنما يعادي الإسلام المتطرف، ولكن إذا سأل سائل مناصري هذا اليمين المتطرف ما تعريفهم لاتباع الإسلام المتطرف يجد أنه يشمل كل المسلمين. 

طبعًا ليس هنالك خطر في أن يصل هذا اليمين المتطرف إلى السلطة ولكن خطره يتمثل بتأثيره على رسم سياسات الأحزاب الأخرى التي قد يكون لها إمكانية الوصول إلى السلطة.

إن شعارات الدفاع عن الهوية الكيبيكية والثقافة الكيبيكية والقيم الكيبيكية ضد الأقليات قد تلقى استحسانًا لدى بعض شرائح المجتمع التي تحتاج الأحزاب الأخرى إلى كسب أصواتها للفوز في الانتخابات. 

وهذه الأحزاب بالتأكيد لا تريد "الخروج من المولد بلا حُمُّص" كما يقول المثل العامي ومن هنا تبدأ المزايدات، فكل حزب يريد أن يظهر على أنه هو دون غيره المدافع الحقيقي عن الهوية الكيبيكية والثقافة الكيبيكية والقيم الكيبيكية حتى ولو كانت هذه المزايدات على حساب الأقليات من أبناء الوطن. 

لهذا لا مناص للمسلمين في هذا البلد من ممارسة حقوقهم الديمقراطية والقيام بواجبهم بالترشيح والتصويت في الانتخابات القادمة وبناء التحالفات مع كل أبناء الوطن المعادين للعنصرية والتمييز.

إنه لمن بالغ الأهمية أن يفهم السياسيون من كل الأحزاب أن دغدغة مشاعر العامة والعزف على وتر الحساسية القومية ستعود عليهم، قبل غيرهم، بسوء العاقبة وأنهم سيخسرون الانتخابات كما حصل لغيرهم عام 2014 وعام 2015 والعاقل من اتعظ بغيره.