ساعتان وعشرون دقيقة، إجمالي المدة الزمنية التي استغرقتها الدورة الـ38 للقمة الخليجية التي عقدت بالأمس في الكويت لتسجل رقمًا قياسيًا جديدًا يضاف إلى سجل التذبذب وعدم الاستقرار الذي يحياه مجلس التعاون الخليجي منذ 2011 وحتى الآن.

القمة التي كان مقررًا أن تتواصل فعالياتها يومين كاملين (5 و6 من ديسمبر2017) كانت الأقصر في تاريخ القمم التي عقدت منذ تدشين المجلس 1981، إذ إنها لم تستغرق أكثر من 140 دقيقة، تخللهم قمتين أحدهما مغلقة غير معلوم ما دار بداخلها وبيان ختامي غير مقنع ليسدل الستار على القمة التي كان يعول عليها البعض في تحريك المياه الراكدة في محيط بعض الملفات الإقليمية.

ورغم تأكيد بيان أمير الكويت على أهمية تماسك اللحمة الخليجية والحيلولة دون تفككها في ظل تصاعد الخلافات بين بعض الدول أعضاء المجلس، غير أن المشهد العام وضعف التمثيل وعدم الوعي بخطورة المرحلة وما تتطلبه من إعادة نظر في الرؤى والاستراتيجيات والمواقف، يثير الكثير من التساؤلات عن قدرة هذا التكتل الخليجي على الصمود، وما إذا كانت قمة الكويت ستكون الأخيرة لمجلس التعاون  في ظل الانقسام الواضح الذي جسدته الصورة العامة للجلسة الافتتاحية.

تمثيل هزيل

تدخل قمة الكويت تاريخ مجلس التعاون الخليجي كونها الأقل تمثيلاً والأقل اهتمامًا في الوقت نفسه، إذ إنها خلت من قيادات الصف الأول لدول المجلس إلا الكويت الدولة المستضيفة وقطر التي حرص أميرها الشيخ تميم بن حمد على تلبية دعوة نظيره الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح.

ورغم تأكيد عدد من المصادر حضور العاهل السعودي، سلمان بن عبد العزيز، ففي اللحظات الأخيرة تم التراجع ليترأس وفد المملكة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، في تمثيل قد يكون الأقل للسعودية في القمم الخليجية المتواترة.

وقد شهد مستوى التمثيل البحريني والإماراتي انخفاضًا حادًا هو الآخر، حيث مثل البحرين نائب رئيس مجلس الوزراء البحريني محمد بن مبارك آل خليفة، في الوقت الذي اعتاد عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى آل خليفة ترؤس وفد بلاده في السابق، وهو نفس الأمر مع الإمارات التي مثلها وزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش.

أما التمثيل العماني فقد حافظ على مستواه الذي اعتاد عليه في السنوات الستة الأخيرة، حيث ترأس نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء العماني فهد بن محمود آل سعيد، وفد بلاده، وهو التمثيل الطبيعي للسلطنة منذ غياب السلطان قابوس بن سعيد عن حضور القمم الخليجية منذ عام 2011 بسبب ظروفه الصحية.

هذا التمثيل الهزيل لم يمنع أمير الكويت من إظهار حفاوة الترحاب خلال استقباله وفود الدول المشاركة، حيث كان في استقبالهم بنفسه ولم يترك هذه المهمة إلى وزير خارجيته مثلاً، وهو ما فسره البعض كونه رسالة يوجهها الشيخ الصباح إلى زعماء الدول التي قاطعت القمة بأنها لم تتأثر كثيرًا بغيابهم.

اختيار الإمارات صباح يوم انعقاد القمة (الثلاثاء 5 من ديسمبر 2017) لإعلان تشكيل لجنة للتعاون العسكري والاقتصادي والسياسي والإعلامي والثقافي بينها وبين السعودية، يَرأسها وليّا عَهد الإمارات والسعوديّة، أثار علامة استفهام جديدة

يعكس الانقسام

عكست قمة الكويت ملامح الانقسام بين دول مجلس التعاون منذ الوهلة الأولى، واتضح ذلك بصورة جلية خلال الجلسة الافتتاحية لها، حيث جلس ممثلو السعودية والبحرين والإمارات وهم الدول المحاصرة لقطر على يسار أمير الكويت، بينما جلس أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، وأمين مجلس التعاون الخليجي عبداللطيف الزياني، على يمينه، وفي الوسط كان ممثل سلطنة عمان.

 وسواء كانت مقاعد الوفود محددة سلفًا من الدولة المضيفة أو بحسب رغبات الدول الأعضاء، فإنها جسدت حالة التشرذم الذي تحياه الدول الخليجية في الآونة الأخيرة، ولعل هذا ما دفع الشيخ الصباح إلى التأكيد على وضع قادة الخليج أمام مسؤولياتهم، رغبة منه في عدم تحمل مسؤولية انهيار مجلس التعاون، وأن يلقي الكرة في ملعب الآخرين، وهذا ما يفسر إصراره على عقد القمة رغم الأجواء الملبدة وغير الصافية بين الدول الأعضاء.

تجاهل قمة الكويت للأزمة الخليجية يشير إلى بقاء الأوضاع على ما هي عليه، مما يشي باستمرار ساحات السجال بين طرفي الأزمة، وربما يطول أمدها

علاوة على ذلك فإن انخفاض مستوى التمثيل لا شك أنه سيزعج الكويتيين بصورة كبيرة، وهو ما ينسحب على العلاقات مع الأشقاء الخليجيين، كونه يعكس سوء تقدير لبلدهم ومكانتها، وتجاهلاً واضحًا لجهود الوساطة التي يبذلها أمير البلاد للحيلولة دون تمدد الأزمة الخليجية القطرية للحفاظ على تماسك المجلس وعدم تعرضه للخروقات التي من شأنها أن تطيح به بالكلية.

قد يكون غياب ملك البحرين مبررًا، فالرجل قد لوح بذلك مبكرًا، حين أكد أنه لن يحضر قمة يشارك فيها أمير قطر، غير أن التساؤل الذي يفرض نفسه في الشارع الكويتي خاصة والخليجي عامة، كان عن دوافع غياب الملك سلمان، خاصة أن الأنباء كانت تشير وحتى اللحظات الأخيرة إلى حضوره ومشاركته، احترامًا منه لأمير الكويت وجهوده على أقل تقدير.

الموقف السعودي وإن لم يتم التعبير عنه رسميًا، أبدى عدم ارتياحه أكثر من مرة للموقف الكويتي المحايد من الأزمة، وهو ما دفع بعض الأقلام السعودية وتبعها الإماراتية والبحرينية في توجيه سهام النقد لدولة الكويت، وصل بعضها إلى حد "المعايرة" بالدعم السعودي الذي قدم لها إبان غزو العراق، ودورها في استدعاء القوات الأمريكية لشن حرب ضد صدام حسين، كما جاء على لسان عبد الرحمن الراشد المدير العام السابق لقناة "العربية" السعودية في مقال له نشره في صحيفة "الشرق الأوسط"

كذلك الغياب غير المفهوم لمحمد بن راشد نائب رئيس دولة الإمارات، وعبد الله بن زايد وزير الخارجية، والاكتفاء بوزير الدولة للشؤون الخارجية قرقاش، وهو تساؤل آخر فرض نفسه دون إجابة مقنعة حتى الآن، وهو ما قد يدفع - بحسب البعض - إلى زيادة رقعة التوتر بين دول المجلس.

غياب الأزمة الخليجية

من المفاجآت التي شهدتها قمة الكويت تجاهلها تمامًا للأزمة الخليجية التي أنهت شهرها السادس دون إحداث أي حراك في مسيرتها التي تمثل مسمارًا في نعش التكتل برمته.

الكثير من المراقبين توقعوا أن يتصدر موضوع الأزمة جدول أعمال القمة، خاصة أن الجميع كان ينظر لها كونها فرصة سانحة لجلوس جميع الأطراف على مائدة واحدة تحت رعاية أمير الكويت الذي لم يدخر جهدًا من أجل الوصول إلى هذه اللحظة التي كان يراهن عليها لتكليل جهود وساطته، لكنها غابت كما غاب قيادات دول الحصار في الوقت الذي حضرت فيه قطر وأميرها الذي طالما أبدى استعداده للحوار لحل الأزمة.

عكست قمة الكويت ملامح الانقسام بين دول مجلس التعاون منذ الوهلة الأولى، واتضح ذلك بصورة جلية خلال الجلسة الافتتاحية لها

تصريحات سفير الكويت في البحرين، الشيخ عزام الصباح، أكتوبر الماضي، الذي أكد من خلالها أن المنطقة ستشهد تطورات إيجابية، ستكون مقدمة لحدوث انفراجة في الأزمة الخليجية، وأن القمة الخليجية التي تستضيفها بلاده ستشهد نهاية مفرحة للاختلافات الخليجية، رفعت منسوب التفاؤل لدى الكثيرين، غير أنه اصطدم بتمثيل هزيل من دول الحصار.

تجاهل قمة الكويت للأزمة الخليجية يشير إلى بقاء الأوضاع على ما هي عليه، مما يشي باستمرار ساحات السجال بين طرفي الأزمة، وربما يطول أمدها، غير أن المستجدات الأخيرة التي فرضت نفسها على الساحة اليمنية عقب مقتل الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، على يد الحوثين، أو على الساحة اللبنانية إثر تراجع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، عن استقالته من منصبه التي أعلنها من الرياض، مما يضع الأخير في موقف ضعف يضاف إلى قائمة الإخفاقات في الشأن اللبناني مقارنة بتفوق حزب الله وأجنحته الداخلية، ربما تعيد النظر في التعاطي مع هذه الأزمة، خاصة أن من الحكمة أن تقلص المملكة جبهاتها المفتوحة خارجيًا.

بداية النهاية

حالة من التشاؤم خيمت على أجواء المهتمين بالشأن الخليجي فيما تعكسه دلالات الإخفاق التي شهدتها قمة الكويت، سواء فيما يتعلق بالتمثيل الهزيل أو عدم الاكتراث بها وهو ما تجسد في قصر وقت انعقادها الذي يعد سابقة تاريخية في سجلات قمم مجلس التعاون.

البعض ذهب إلى أن قمة الكويت ربما تكون القمة الأخيرة، إلا أن آخرين قللوا من هذا التعاطي، كاشفين أن الظرف الذي عقدت فيه هذه القمة ظرفًا استثنائيًا لا يمكن التعويل عليه، معززين آرائهم بكلمة أمير الكويت وممثل سلطنة عمان التي حملت في معظمها التأكيد على تماسك وحدة المجلس أي كانت التحديات.

إلا أن اختيار الإمارات صباح يوم انعقاد القمة (الثلاثاء 5 من ديسمبر 2017) لإعلان تشكيل لجنة للتعاون العسكري والاقتصادي والسياسي والإعلامي والثقافي بينها وبين السعودية، يَرأسها وليّا عَهد الإمارات والسعوديّة، أثار علامة استفهام جديدة، وكأنها رسالة واضحة تسعى كل من الرياض وأبو ظبي إلى القول من خلالها إن هذه اللجنة ستكون البديل لمجلس التعاون الخليجي.

ووفقًا للمادة الثانية من القرار فإن "اللجنة المشكلة تختص بالتعاون والتنسيق المشترك بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية وغيرها من المجالات التي تقتضيها مصلحة البلدين، ولها الصلاحيات اللازمة لتنفيذ وتسيير أعمالها".

تشكيل هذه اللجنة في هذا التوقيت ربما يكون مسمارًا في نعش المجلس بصورته القديمة، خاصة في حال انضمام البحرين لها، وهي خطوة متوقعة في ظل التناغم بين الدول الثلاثة، في مقابل تكتل آخر قد يتم تشكيله من بقية دول المجلس (الكويت - قطر - سلطنة عمان)، وهو ما يعني عمليًا بداية النهاية لهذا التكتل إن لم يتم تدارك هذا الأمر.

وهكذا تقف دول الخليج الآن أمام مفترق طرق صعب، بين مطرقة انقسامات داخلية تهدد بتفتيت تماسكها، وسندان المواجهة مع إيران في ظل حالة العداء المتصاعدة معها في أعقاب تفاقم أزمة اليمن الأخيرة وتطورات الشأن اللبناني، وهو ما يضع الجميع في تحدٍ واضح أمام مسؤولياته، يتطلب اتخاذ قرارات بعضها يحمل صفة الخطورة والمغامرة.