اكتظت الواجهة السياسية في اليمن بكثير من التناقضات والإرهاصات التي طرأت على السطح بمقتل صالح منتصف الأسبوع الماضي على يد المسلحين الحوثيين، في موجة الاشتباكات التي اندلعت في العاصمة صنعاء، على خلفية دعوة صالح أنصاره للانتفاض ضد الحوثيين، معلنًا فض تحالفه معهم.

انتفاضة صالح ضد الحوثيين، سخّنت الموقف وأوصلت الحليفين إلى نقطة لا عودة فيها، وهو ما نجم عنه اشتباكات وأعمال عنف في العاصمة صنعاء انتهت بمقتل صالح، في انتكاسة لا تخلو من الالتباس وكثير من الغموض والخيبة للكثيرين ممن استبشروا بهذا التحول الطارئ.

حادثة مقتل صالح في هذا التوقيت بالتحديد خلقت أيضًا حالة من الارتباك الشديد على أكثر من صعيد بشأن تغير المعادلة في صنعاء ومآلات الصراع في اليمن، بعد أن انقلبت الكفة لصالح الحوثيين، في الوقت الذي كان التحالف العربي الذي تقوده السعودية يراهن على قدرة صالح في خنق الحوثيين، بما يسرّع إنهاء الحرب التي طالت كثيرًا دون تحقيق أهدافها.

كيف انقلبت الموازين فجأة؟

في بادئ الأمر، رحبت كثير من الفصائل والقوى السياسية في اليمن بإعلان صالح فض تحالفه مع الحوثيين، أملًا أن يؤدي ذلك الشقاق بين الحليفين إلى انفراجة قريبة للأزمة، ولا سيما خلال اليوم الأول عقب إعلان قوات صالح السيطرة على عدد من المواقع والمؤسسات الحكومية في العاصمة صنعاء ومحافظات أخرى، وإخلائها من المسلحين الحوثيين، إضافة إلى احتشاد آلاف المواطنين والمسلحين القبليين من مؤيدي صالح في أحياء من العاصمة.

إلا أن قوات صالح رفضت السماح لهم في اليوم الأول بالالتحام مع الحوثيين، مما خلق انطباعًا أن صالح قادر على حسم المعركة بالقوة التي بحوزته.

صالح بالغ في تقدير دور القبائل الحليفة له فيما يعرف بـ"طوق صنعاء"، لكن يبدو أنه أدرك بعد فوات الأوان أن الحوثيين قد سدوا عليه تلك الثغرة بعد أن خذلته توقعاته حين غدا لقمة سائغة لخصومه

إلا أنه في اليوم التالي، انقلبت الموازين رأسًا على عقب، بعد أن حشد الحوثيون أعدادًا كبيرة من نخبة مقاتليهم الذين تم استدعاؤهم من صعدة ومحافظات أخرى، بهدف السيطرة على الوضع في صنعاء، وهو ما تم بالفعل، حين تمكنوا من استعادة السيطرة على مواقعهم التي خسروها، في غضون ساعات، ودحر ما تبقى من قوات الحرس الجمهوري التي تقهقرت بنفس السرعة التي سيطرت بها آنفًا.

رغم ذلك، بقيت الشكوك في البداية تحوم حول فرضية أن يكون ذلك التراجع لقوات صالح استدراج للحوثيين، على أساس أنه من غير الممكن أن يتمرد صالح على الحوثيين ويدعو لمواجهتهم عسكريًا وهو لا يستطيع حماية نفسه.

والحقيقة أن صالح بالغ في تقدير دور القبائل الحليفة له فيما يعرف بـ"طوق صنعاء"، لكن يبدو أنه أدرك - بعد فوات الأوان - أن الحوثيين قد سدوا عليه تلك الثغرة بعد أن خذلته توقعاته حين غدا لقمة سائغة لخصومه.

هكذا اتسع الخرق على الراقع

رغم أن تحالف الحوثي - صالح كان هشًا طوال الفترة الماضية ويشوبه انعدام الثقة المتبادلة بين الطرفين، فإن التصاق كل طرف بالآخر كان ضرورة اقتضتها المرحلة، حيث استمرت التصادمات بينهما تتصعد في أجواء ملتهبة من الوعيد والكيد المتبادل، قبل أن تنفجر في لحظة مفصلية من التقويم الزمني لصنعاء.

هناك عدد كبير من العسكريين الذين كانوا ضمن قوات الحرس الجمهوري ممن التحقوا بالحوثيين، وأغلبهم من الطائفة الزيدية، وهذا ما سهل مهمة الحوثيين في صهرهم عقائديًا من خلال الدورات التي يقوم بها الحوثيون

وفي الوقت الذي كان صالح يخطط لوضع يده في يد التحالف لقلب الطاولة على الحوثيين، كان الحوثيون يعدّون العدّة لتقليم أظافر الرجل، للحيلولة دون الالتفاف عليهم من الخلف.

ومما ينبغي الإشارة إليه أنه خلال الفترة الماضية ظلت مشاركة صالح العسكرية مع الحوثيين هزيلة نسبيًا، حيث إن معظم المقاتلين في الجبهات المختلفة من مسلحي جماعة الحوثي.

وفي أكثر من مرة صرحت قيادات في جماعة الحوثي عن عدم رضاهم من حجم المشاركة المحدودة لقوات صالح، حتى إن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، قال في أحد خطاباته منتصف أغسطس الماضي، مُعرّضًا بحليفه "صالح" (قبل أن ينهار تحالفهما): "البعض يطرح معنا رأس إصبعه بينما أقدامه في الخلف"، في إشارة إلى عدم جدية حليفه في الدفع بأعداد أكبر من قواته للقتال مع الحوثيين في الجبهات. 

مع العلم أن هناك عددًا كبيرًا من العسكريين الذين كانوا ضمن قوات الحرس الجمهوري ممن التحقوا بالحوثيين، وأغلبهم من الطائفة الزيدية، وهذا ما سهل مهمة الحوثيين في صهرهم عقائديًا من خلال الدورات التي يقوم بها الحوثيون، والتي تعد أمرًا ملزمًا لجميع المنخرطين في الحركة الحوثية، لضمان ولائهم للمشروع العقائدي الذي يتبناه الحوثي، ولعل هذا أهم الأسباب التي أعادت ضبط ولاءات كثير من القوات التابعة لصالح.

دعم "الشرعية" ليست أولوية لدى التحالف

يومًا بعد يوم تكشف شواهد الواقع أن التحالف ينحو منحى آخر في حربه التي لم تؤتِ ثمارها في اليمن، حتى إن قطاعًا كبيرا من اليمنيين لم يخفوا توجساتهم من انحراف مسار عمليات التحالف العربي التي بدت وكأنها تتخذ بعدًا آخر يجافي المصالح الوطنية لمستقبل اليمن، بعد أعوام من الحرب الدامية التي قضت على الأخضر واليابس.

الرئيس هادي غير قادر على العودة إلى عدن، لممارسة مهامه من العاصمة المؤقتة التي تسيطر عليها قوات الدعم والإسناد المعروفة إعلاميًا بـ"قوات الحزام الأمني" الموالية للإمارات

وكان من الواضح أن دول التحالف وفي مقدمتها الإمارات والسعودية غير جادة منذ البداية في دعم القيادة الشرعية بالقدر الذي يمكنها من ممارسة صلاحياتها الكاملة في تطبيع الأوضاع في المناطق المحررة على الأقل، بل على النقيض، بقيت الشرعية طوال الفترة الماضية تتمتع بسلطة رمزية وصلاحيات مفرغة.

ويكشف تصرف القوات الإماراتية أدواتها من القوات التي دربتها بإشرافٍ ودعم منها، أن إعادة الشرعية لم تكن مطلقًا من أولويات حربها في اليمن كما تقول في خطابها الرسمي، بل ما يحدث هو العكس، فهي تدفع باتجاه تقويض الشرعية من خلال دعم الفصائل الانفصالية المتمردة في جنوب اليمن.

ومن المعلوم أن الإمارات التي وجدت فرصتها للتدخل في اليمن عبر التحالف العربي الذي تقول أهدافه المعلنة إنه يسعى لإعادة الشرعية في اليمن، تجاهر بخصومتها للقيادة الشرعية على المكشوف، حيث إن الكتائب المسلحة التي شكلتها الإمارات ودربتها بمنأى عن الحكومة الشرعية لاستخدامها كعصا غليظة لبسط نفوذها الذي يتخذ منحى استعماري في المحافظات الجنوبية.

 إلى درجة أن الرئيس هادي غير قادر على العودة إلى عدن، لممارسة مهامه من العاصمة المؤقتة التي تسيطر عليها قوات الدعم والإسناد المعروفة إعلاميًا بـ"قوات الحزام الأمني" الموالية للإمارات، وهو يتناقض صراحةً مع الأهداف التي انطلقت من أجلها عاصفة الحزم.

من المبكر التكهن بالخطوة التالية للتحالف في الفترة المقبلة، إلا أن السعودية إن قررت التفاوض مع الحوثيين لا تستطيع التخلي عن مخاوفها من بقاء الحوثيين كتنظيم مسلح

ولعل أكثر ما يشغل بال ولي عهد أبوظبي حاليًّا هو إقصاء وتحجيم التيارات الإسلامية أكثر من الحرص على القضاء على الانقلاب أو إعادة الشرعية، ومن دلائل ذلك سلسلة السجون السرية وحملات الاعتقال والإخفاء التي تنشط فيها أدوات الإمارات في عدن والمكلا ومناطق جنوبية أخرى، لملاحقة من يغلب على ظنها أن لهم ارتباطات بتيارات إسلامية تعتبرها أبوظبي وجهًا آخر للقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

هذا إذا ما أغفلنا السلوك الاستعماري الذي يجنح للسيطرة على المحافظات والجزر المواني اليمنية التي لا تملك الحكومة الشرعية من أمرها شيئًا، بعد أن استفردت الامارات بالاستحواذ عليها دون منازع.

إلى جانب ذلك فإن العمليات العسكرية للتحالف على الأرض خلال أكثر من عامين، لم تحقق شيئًا ذا بال في أكثر من جبهة، رغم أنه كان من المؤكد أن التحالف كان قادرًا على حسمها بأقل الخسائر، إذا ما تحرك بجدية، مثل تعز صرواح وميدي وبعض مديريات محافظة الجوف التي كان من المفترض أن يخطو التحالف خطوات إلى الأمام بدلًا من تضخيم بعض الانتصارات الهشة التي تحققها القوات الحكومية هنا أو هناك.

ماذا بقي للتحالف بعد مقتل صالح؟

كانت السعودية واثقة من قدرتها على إعادة تدوير الخلاف بين الحوثيين وصالح، بناءً على ثقتها بقدرة الأخير على فرض نفسه على خريطة الأحداث، وهو ما لم يحدث.

تلك الانتكاسة غير المتوقعة في الموازين، لا شك أنها سوف تُضيّق على التحالف العربي هامش المناورة والرهان على حلفاء آخرين يكونون بديلًا عن الشرعية، حيث أصبحت الآن بين خيارات محدودة أكثر من ذي قبل، فإما الحوثي وإما الشرعية.

 وربما من المبكر التكهن بالخطوة التالية للتحالف في الفترة المقبلة، إلا أن السعودية إن قررت التفاوض مع الحوثيين لا تستطيع التخلي عن مخاوفها من بقاء الحوثيين كتنظيم مسلح تقول الرياض إن له دوافع توسعية وسياسية وطائفية تهدد أمن المملكة والإقليم على السواء.

 لكن يبقى السؤال الأهم لدى اليمنيين عالقًا: هل بمقدور السعودية تجاوز إخفاقاتها وحسم المعركة لصالحها في نهاية المطاف، أم أنها تتهيأ لإخفاقٍ جديد؟