"المعتقل السياسي يجب إطلاقه" و"اترك سوريا وفكر في حالنا" و"الشعب أصبح متسولاً" و"أخطأ بالثورة وأسقطنا النظام الملكي" و"استغليتم الدين سلمًا وأذللتم الشعب" و"يا شرطي اعتقل السارقين وليس المتظاهرين"، شعارات رفعها المتظاهرون المحتجون في إيران خلال اليومين الماضيين تنديدًا - وفق المعلن ظاهريًا - بالأوضاع الاقتصادية المتردية.

الاحتجاجات التي وصفت بأنها الأكبر منذ تظاهرات 2009 التي اشتعل فتيلها صباح الخميس من مدينة مشهد - ثاني أكبر مدن إيران -، لتتوسع في اليوم التالي لتشمل عدة مدن رئيسية أخرى على رأسها طهران وقم وكرمنشاه وأصفهان، أثارت الكثير من التساؤلات عن دوافعها الحقيقية وما يمكن أن تساهم به في تحريك المياه الراكدة في المشهد السياسي الإيراني، إضافة إلى ما يثار بشأن ضلوع بعض القوى الإقليمية والدولية وراء تمددها بهذا الشكل.

احتجاجات متواصلة

توسعت دائرة الاحتجاجات أمس الجمعة لتضم عدة مدن أخرى بجانب المدن الرئيسية منها شيراز وخرم آباد وكرمان شاه صاحبة الأغلبية الكردية، لحقت بها في المساء زاهدان ورشت وقائمشهر وهمدان وقزوين، وذلك مواصلة لاحتجاجات الخميس التي انطلقت من مدينة مشهد شارك فيها عدة مئات بحسب بعض المصادر الإيرانية.

بعض المقربين من دوائر صنع القرار أشاروا إلى أن تلك الاحتجاجات تعد الأكبر خلال الثمانية أعوام الماضية، منذ التظاهرات التي خرجت تنديدًا بترشح الرئيس الإيراني السابق محمود أحمد نجاد، للانتخابات الرئاسية في 2009 واستمرت قرابة 8 أشهر، وهو ما أعطاها زخمًا إعلاميًا وسياسيًا - محليًا وإقليميًا ودوليًا - غير مسبوق.

جهانغيري اتهم تيارًا سياسيًا - لم يسمه - بالوقوف وراء تلك الاحتجاجات التي تستهدف النظام في المقام الأول، مشيرًا أن هذا التيار يتخذ من رفع أسعار بعض السلع الغذائية وبعض المشتقات النفطية ذريعة

الشعارات التي رفعت خلال التظاهرات حملت في المقام الأول صبغة اقتصادية وإن كان ذلك لا ينكر الحضور السياسي في هذه الفعاليات وذلك بعد أن استهدفت المرشد علي أكبر خامنئي والرئيس الإصلاحي حسن روحاني، وهو ما أثار حفيظة واستفزاز سلطات الأمن التي تعاملت مع الأحداث بصورة مختلفة.

تعامل السلطات الأمنية الإيرانية مع هذه الاحتجاجات يشي إلى استعدادهم التام لها، وأنها ليست مفاجئة بالنسبة لهم، حيث اكتفت - حتى الآن - باعتقال 52 شخصًا من المشاركين في تلك التظاهرات، حسبما أشار رئيس محكمة الثورة في مشهد، بدعوى "أن القانون لن يتسامح مع الذين يستغلون الظروف الاجتماعية لخلق متاعب لسائر المواطنين والإخلال بالأمن".

ورغم البيانات التي تخرج من هنا وهناك عن أعداد المشاركين في تلك الفعاليات، والمتناقضة في كثير من إحصاءاتها، غير أن كل ما يثار لا يخرج عن كونه تخمينات وتوقعات غير موثقة، إذ لم يوجد أي بيانات رسمية موثقة بهذا الشأن، وهو ما جعلها عرضة لبورصة التكهنات، كل حسب ميوله وتوجهاته وأغراضه السياسية.

ما الدوافع؟

تصدرت الأوضاع الاقتصادية المتردية قائمة دوافع اشتعال فتيل تلك الاحتجاجات، حيث تعاني إيران خلال السنوات الأخيرة من تحديات اقتصادية خطيرة تمثل ضغوطًا على النظام السياسي بصورة كبيرة.

الخبراء أرجعوا الأزمة التي تواجهها طهران على المستوى الاقتصادي إلى عوامل ثلاث، أولها أن الاقتصاد منذ الثورة الإيرانية لم يحقق قفزات نوعية، بل بقي يعتمد على النفط، وهو ما أثر سلبًا على الموارد بصورة عامة، والثاني عدم إجراء تطوير إستراتيجي للبنية الاقتصادية ولا تشريعات أساسية ولا نظام بنكي، وهو ما أبقى المنظومة الاقتصادية على ما هي عليه دون تغيير طيلة العقود الماضية، والثالث فشل الاتفاق النووي الموقع في 2015 في جلب عائدات مالية منتظرة بسبب التعقيدات التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منذ قدومه للسلطة بداية هذا العام.

هذه العوامل انعكست بشكل أو بآخر على الواقع المعيشي للإيرانيين، حيث تشير الإحصاءات إلى ارتفاع معدلات التضخم منذ أكتوبر/تشرين الأول حتى نوفمبر/تشرين الثاني بنسبة 1.5%، لتصل في المجمل إلى 9.6% وهو معدل "مرتفع جدًا" قياسًا بالمعدلات المستقرة، كذلك فإن نسبة البطالة بلغت 12.4% في العام المالي الحاليّ، وهو ما يمثل ارتفاعًا نسبته 1.4%عن العام الماضي، وهناك نحو 3.2 ملايين عاطل عن العمل في إيران التي يبلغ عدد سكانها 80 مليون نسمة، وذلك وفق مركز الإحصاءات الإيراني.

تزامن الاحتجاجات مع الفعاليات السنوية التي كان من المفترض أن تقام اليوم السبت لإحياء ذكرى المظاهرات الموالية للحكومة في 2009 في مواجهة الاحتجاجات نظمها إصلاحيون حينها، أضفت بعدًا سياسيًا على أحداث اليومين السابقين، وهو ما أشار إليه نائب الرئيس الإيراني إسحاق جهانغيري.

جهانغيري اتهم تيارًا سياسيًا - لم يسمه - بالوقوف وراء تلك الاحتجاجات التي تستهدف النظام في المقام الأول، مشيرًا أن هذا التيار يتخذ من رفع أسعار بعض السلع الغذائية وبعض المشتقات النفطية ذريعة لتوجيه الانتقادات للرئيس حسن روحاني وحكومته، عبر تشجيع الناس للخروج في مظاهرات ضد الحكومة، لافتًا إلى أن المحافظين قد يكونون من بدأوا الاحتجاجات لكنهم فقدوا السيطرة عليها.

فريق آخر جنح في تعاطيه مع المشهد الإيراني إلى دور سعودي وراء التظاهرات الاحتجاجية المشتعلة في بعض المدن الإيرانية، في ظل تصاعد سحب التوتر في العلاقات بين الرياض وطهران والتصريحات الصادرة عن قيادات البلدين خلال الفترة الأخيرة

وحذر نائب الرئيس الإيراني أنصار هذا التيار - المعارض - من عواقب ما أسماه "السياسات الخطرة" في حال الإصرار عليها، مهددًا بأنهم لن يكونوا في مأمن، معتبرًا أن الوضع العام للاقتصاد الإيراني يسير على الطريق الصحيح وأن سياسات الحكومة تحاول حماية اقتصاد البلاد من أي ضربات مفاجئة، على حد قوله.

تحذيرات جهانغيري تأتي في وقت تشهد فيه إيران حالة استقطاب سياسي، في ظل تصاعد أرصدة بعض القوى السياسية المعارضة التي تسعى للاقتصاص من روحاني الذي يرون أنه استثمر في الاتفاق النووي كل فترته الرئاسية الأولى دون جلب أي خير للإيرانيين، ويلعب لحساب مصالحه الشخصية.

الأمر تجاوز النظام السياسي الممثل في شخص روحاني لينتقل إلى النفوذ الديني برمته ممثلاً في رأسه المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي، وهو تطور له دلالته بحسب البعض.

ففي قلب مدينة قم التي تعد معقلاً لرجال الدين الشيعة، أظهرت لقطات نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي محتجين وهم ينتقدون خامنئي بالاسم وهتفوا "السيد علي عليه أن يشعر بالعار ويترك البلاد وشأنها"، وأخرى "الموت للديكتاتور"، كما انتشرت تسجيلات أخرى تظهر متظاهرين يصرخون قائلين "الناس تتسول ورجال الدين يتصرفون كآلهة".

السياسة الخارجية الإيرانية

لم تخرج توجهات طهران الخارجية عن المشهد الاحتجاجي بصورة كبيرة، حيث عكست الشعارات المرفوعة كما تناقلتها وكالات الأنباء الإيرانية الحضور الفعال للسياسة الخارجية للبلاد وتداعياتها على الشأن الداخلي بصورة كبيرة.

التوغل الإيراني في سوريا وتمدد النفوذ في لبنان واللعب في غزة، ساهم بشكل كبير في استنزاف طهران سياسيًا واقتصاديًا من أجل إبقاء نظام بشار الأسد على قيد الحياة، وتثبيت أركان حزب الله، والحفاظ على الحد الأدنى من الوجود داخل فلسطين، كما يرى المتظاهرون.

الاحتجاجات طالبت النظام الإيراني بإعادة النظر في تلك السياسة الخارجية وتوفير الأموال التي تنفق عليها من أجل تلبية احتياجات المواطنين في الداخل، فهم أولى بها، خاصة بعدما وصل الحال بهم إلى مستويات غير مسبوقة من البطالة والفقر والتضخم وما نجم عنه من زيادة في معدلات الفساد.

 أمريكا تدعم

ما كان لأمريكا أن تترك فرصة كهذه دون استغلالها بما يحقق مصالحها الإقليمية وحليفتها "إسرائيل"، فبعد ساعات من اشتعال فتيل الاحتجاجات أعلنت الخارجية الأمريكية - علنًا - دعمها للشعب الإيراني ومطالبه بحقوقه الأساسية وإنهاء للفساد، كما أدانت بشدة اعتقال السلطات الإيرانية متظاهرين سلميين وطالبت بالإفراج عنهم.

الخارجية في بيانها دعت "النظام الإيراني إلى احترام حقوق شعبه وأهمها حرية التعبير عن آرائه"، وبحسب ما جاء على لسان المتحدثة باسم الوزارة، هيذر نويرت، فإن "القادة الإيرانيين حولوا دولة مزدهرة ذات تاريخ وثقافة غنيَين إلى دولة مارقة تصدر أساسًا العنف وسفك الدماء والفوضى"، هذا غير ما جاء على لسان ترامب بحث الحكومة الإيرانية على "احترام حقوق شعبها بما فيها حقه في التعبير عن نفسه".

البعض ذهب إلى أن الاحتجاجات التي تشهدها مدن إيران في حقيقتها نجاح لسياسات ترامب الرامية إلى فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية على طهران، خاصة أن أحد أبرز محاور اندلاع تلك الأحداث - كما تم ذكره آنفًا - فشل الاتفاق النووي الموقع في 2015 في جلب عائدات مالية منتظرة بسبب التعقيدات التي وضعها الرئيس الأمريكي منذ قدومه للسلطة بداية 2017.

موقع ستراتفور الأمريكي تعاطى مع هذه الاحتجاجات بصورة مختلفة، مستندًا في تحليله إلى دلالات الصور والتقارير المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مرجحًا أن تكون الأعداد المشاركة تتأرجح ما بين المئات وبضعة آلاف، لكن هذا لا ينكر تصاعد الاضطرابات الغاضبة حتى أن قوات الأمن استخدمت الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه من أجل تفريق المتظاهرين.

الموقع الاستخباراتي خلص إلى أنه رغم ما تمتلكه طهران من وسائل لقمع المظاهرات بالعنف إذا لزم الأمر، فإن البلاد عرضة لاضطرابات يمكن أن تؤثر على التغيير السياسي الشامل، في ظل اعتبار هذه الاحتجاجات سابقة خطيرة، مرجعًا أهمية تلك المظاهرات إلى سببين: الأول: الرسالة المراد توصيلها سواء للنظام السياسي أو الديني، ثانيًا: الأماكن التي انطلقت منها في موقع القلب من البلاد وطبيعة المشاركين، إذ إنها لم تخرج من بين أوساط المهمشين مثل الأكراد بالشمال الغربي أو سكان الأهواز بالجنوب الغربي أو البلوش بالجنوب الشرقي كما كان في السابق، ولكنها انطلقت من بين أوساط السكان الأساسيين.

التوتر الداخلي الناجم عن الاقتصاد المتدهور والكسب غير المشروع لا يعتبر شيئًا جديدًا في إيران، بل إن هذا الأمر أصبح قضية مركزية في الانتخابات الرئاسية العام الحاليّ، ومع ذلك فلا يمثل هذا العنصر الأهمية الحقيقية وراء تفسير ما حدث خلال اليومين الماضيين، بحس الموقع.

ومن ثم فرغم نجاح روحاني في تحرير الصادرات ورفع الحواجز من أمام الاستثمار الأجنبي، فإن الاقتصاد لا يزال يعاني من ارتفاع معدلات البطالة، وخاصة بين أوساط الشباب ولعل هذا ما يفسر أن أغلبية المشاركين في هذه التظاهرات كانوا من الشباب ولهذا دلالة أيضًا تختلف بشكل كبير مع ما كان يمارس قبل ذلك.

التداعيات الناجمة عن السياسة الخارجية للحكومة الإيرانية حذر منها الموقع الأمريكي، خاصة ما يتعلق باتفاق النووي أو المشاحنات الإقليمية مع السعودية أكبر منافسيها بالمنطقة، وهو ما يرفضه الإيرانيون بصورة كبيرة مما يدفع النظام الإيراني إلى إعادة النظر في تلك النشاطات مرة أخرى.

هل للسعودية دور؟

فريق آخر جنح في تعاطيه مع المشهد الإيراني إلى دور سعودي وراء التظاهرات الاحتجاجية المشتعلة في بعض المدن الإيرانية، في ظل تصاعد سحب التوتر في العلاقات بين الرياض وطهران والتصريحات الصادرة عن قيادات البلدين خلال الفترة الأخيرة.

أنصار هذا الرأي يستندون في رؤيتهم إلى التصريحات التي أدلى بها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، مايو/آيار الماضي خلال مقابلة تليفزيونية له حين أشار إلى أن بلاده ستقف بحزم في وجه ما أسماه "نزعة إيران التوسعية" وأن الرياض تعرف أنها هدف للنظام الإيراني متوعدًا بأن المعركة ستكون في إيران، مهددًا "لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية، بل سنعمل لتكون المعركة عندهم في إيران".

ورغم عدم وجود أي دليل يوثق التورط السعودي في تلك التظاهرات، غير أن ممارسات ولي العهد الأخيرة ضد خصومه وحلفائه على السواء، على رأسها ما حدث مع رجل المملكة الأول في لبنان سعد الحريري، والحديث عن تصاعد التوتر مع الأردن بسبب توجهاته الأخيرة حيال تركيا وقطر وإيران، دفعت هذا الفريق إلى تبني تلك الرؤية حتى إن كانت بعيدة نسبيًا.

وفي ظل الافتقار للمعلومات الدقيقة بشأن حجم تلك التظاهرات ومسارات تحركها، يظل الحديث عن تداعياتها على الخريطة السياسية الإيرانية والنظام الحاكم ليس أكثر من تكهنات تثبت الأيام القادمة درجة صدقها من عدمه، خاصة بعد خروج المئات في تظاهرات اليوم دعمًا للحكومة الحاليّة، غير أن الحقيقة الواضحة أنها الأقوى منذ 2009 وستدفع طهران وحكومتها إلى إعادة ترتيب الأوراق الداخلية والخارجية مجددًا.