مرة أخرى يعود الحشد الشعبي ليتصدر اهتمام الصحافة، فهذه القوة المليشياوية المثيرة للجدل ما زالت لحد الآن موضع اختلاف بين السياسيين العراقيين على اختلاف مكوناتهم، والآن بدأت تشكل موضوع خلاف للمكون الشيعي نفسه الذي ينتمي له معظم أفراد الحشد الشعبي.

أبرزت وكالة رويترز يوم الخميس الماضي 4 من يناير/كانون الثاني هذه السنة، موضوع الحشد الشعبي وما يدور خلف الكواليس من خطط لتحديد مصيره، ففي مقال تحليلي أوردت الوكالة تصريحات ومعلومات من مصادر لم تكشف عن أسمائها، تفيد بأن العبادي ماضٍ في محاولاته لتحجيم قوة الحشد الشعبي لأسباب عديدة، منها ما يتعرض له من ضغوطات من حلفائه الغربيين والمقصود بها الولايات المتحدة وباقي الدول الغربية، بالإضافة إلى رغبته بالتخلص من ثقل الحشد الشعبي الذي سوف يُستغل من سياسيين شيعة معروفين لتحقيق مكاسب انتخابية على حسابه.

ماذا تضمن المقال؟

وأهم ما أورده المقال التحليلي الذي نشرته وكالة رويترز، أن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يتعرض لضغوط من حلفائه في الغرب ورهن دعمهم لمسيرته السياسية بكبح نفوذ المليشيات الشيعية، ونقل عن مصادر عسكرية واستخباراتية قولها بإن خطة العبادي تقضي باستعادة الأسلحة الثقيلة لدى تلك المليشيات وتقليص أعدادها إلى النصف.

ووزارة الدفاع ستقوم باستبعاد المقاتلين ممن تزيد أعمارهم عن السن المطلوبة واستبعاد غير اللائقين بدنيًا، ونقل المقال عن ضابط في الجيش برتبة عقيد قوله إن الخطة ستنفذ بحذر ودقة شديدين لمنع أي رد فعل سلبي من قادة الحشد الشعبي (وهو المتوقع).

ربما تكون إيران من سربت تلك المعلومات للإعلام، وغايتها من ذلك توحيد الصف الشيعي مقابل عدو جديد يتمثل بالعبادي والقوى الغربية التي تدعمه

والعبادي وفي محاولة منه للتصدي للحشد الشعبي اتجه إلى رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر ليتلقى الدعم منه، ونقل المقال عن معاونين للرجلين قولهما، بأن العبادي والصدر عقدا اجتماعًا سريًا في مدينة كربلاء في 11 من نوفمبر/تشرين الثاني لبحث مساعدة الصدر للحكومة في نزع سلاح المليشيات، ودعم العبادي في محاولة تطهير البلاد من الساسة الفاسدين الذين يحاولون استخدام الحشد في التأثير بالانتخابات القادمة، كما تحدثا عن وضع نهاية للمليشيات التي تعمل فوق القانون ودعم مساعي العبادي ليكون رئيسًا للوزراء مرة ثانية.

ومما تقدم من معلومات وردت بالمقال التحليلي، يتبين أن العبادي مُقدم على خطوة كبيرة وخطيرة ربما تكون أشد خطورة من محاربته لتنظيم داعش طيلة الثلاث سنوات الماضية، وستجعله بمواجهة أكبر قوة عسكرية مؤدلجة بالفكر الذي يتبناه النظام الإيراني، وتدين للأخير بالولاء التام وكثيرًا ما تتحدى هذه القوة حكومة العبادي بدعم طهران لها.

لكن العبادي مجبر على المضي بذلك الطريق بسبب الضغوط الهائلة التي يسلطها عليه الغرب لتفكيك الحشد الشعبي كشرط لمواصلة دعمهم له، وبنفس الوقت فإن العبادي لا يثق بالإيرانيين ومن الممكن أن يتخلوا عنه لصالح غيره، إذ إن حلفاءهم من مليشيات الحشد، يتصرفون وكأنهم دولة داخل الدولة دون مراعاة لسيادة الحكومة التي يرأسها.

ومن خلال مطالعتنا للمقال التحليلي تبرز النقاط التالية

أولاً: لماذا صدر هذا التحليل عن وكالة رويترز الآن في هذا الوقت الذي يعاني النظام الإيراني من تظاهرات شعبية متصاعدة منذ أكثر من أسبوع تهدد بقائه؟ ومن أين لهذه الوكالة بهذه المعلومات الدقيقة التي نسبتها لأشخاص مهمين بالدولة العراقية دون أن تكشف أسماءهم؟ وكيف نعتبرها خططًا سرية وقد وصلت للإعلام؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة هناك عدة تفسيرات وإجابات، فمن الممكن أن كل المعلومات الواردة في المقال التحليلي ما هي إلا معلومات مقدمة من المخابرات الأمريكية للوكالة لنشرها في هذا الوقت بالذات مع زيادات وتفسيرات مضافة إليها، لتهيئة الأجواء لتغير حقيقي على الأرض في الفترة المقبلة.

وكل هذا يدخل في خضم حرب النفوذ والسيطرة التي تستعر نارها بين النظام الإيراني والولايات المتحدة في العراق، وقد استغلت أمريكا الأحداث التي تدور الآن في إيران لتمرير هذا المعلومات والإيعاز للعبادي للبدء بتنفيذها.

مليشيات الحشد الشعبي لا يمكن قطعًا أن تسمح بنزع سلاحها الثقيل وتخفيض عدد أفرادها للنصف، فصدام حقيقي سيندلع بين الأطراف الشيعية، ممثلة بالتيار الصدري من جهة وجميع المليشيات من جهة أخرى

التفسير الثاني لصدور هذا المقال هو ربما تكون إيران من سربت تلك المعلومات للإعلام، وغايتها من ذلك توحيد الصف الشيعي مقابل عدو جديد يتمثل بالعبادي والقوى الغربية التي تدعمه، بعد أن بدأت بوادر الشقاق تطفو على السطح داخل هذا الصف، يعزز ذلك القناعة الراسخة الآن في صفوف الشيعة العراقيين من أن الحشد الشعبي يجب أن يبقى وألا يُحل أو يحجم، كونه القوة الوحيدة التي تحميهم في حالة تجدد الصراع الطائفي في العراق.

أما إذا ما افترضنا أن كل المعلومات الواردة بالتحليل صحيحة، فتبرز أمامنا النقاط التالية:

1- يتبين لنا أن العبادي حسم أمره في موضوع تحجيم الحشد الشعبي ومنع وصوله للسلطة السياسية، وذلك من خلال تلقي الدعم خارجيًا متمثلاً بالولايات المتحدة التي تمتلك عدة قواعد عسكرية في العراق إضافة إلى عدد لا يستهان به من الجنود، بالإضافة إلى السيطرة الجوية المطلقة على أجواء البلاد.

كما أنه يركن شعبيًا على التيار الصدري في مواجهة خصومة الذين يفتقرون للجماهيرية التي يتمتع بها التيار الصدري، وفي هذا نستشهد بما ذكره المقال على لسان سياسي شيعي كبير تربطه صلة وثيقة بالصدر: أن الصدر يمكنه أن يدفع بمئات الآلاف من مناصريه إلى الشوارع تضامنًا مع العبادي بنداء واحد، وسيجعل خصوم العبادي يفكرون مرتين قبل تحدي العبادي.

وإذا ما علمنا أن مليشيات الحشد الشعبي لا يمكن قطعًا أن تسمح بنزع سلاحها الثقيل وتخفيض عدد أفرادها للنصف، فإن صدام حقيقي سيندلع بين الأطراف الشيعية، ممثلة بالتيار الصدري من جهة وجميع المليشيات من جهة أخرى.

وفي هذا يقول "علي الحسيني" أحد قيادات مليشيا كتائب الإمام: "عندنا ملايين من الأنصار الذين سيدافعون عن حقوقنا ضد أي محاولة لاستهدافنا"، فهل يا ترى العبادي مستعد لمثل هذه المواجهة غير المضمونة النتائج؟

يترافق خروج هذا المقال التحليلي مع دعوات لتأجيل الانتخابات يطلقها سياسيون من المكون العربي السني والمكون الكردي وتفهم غربي لذلك

2- تحظى مليشيات الحشد الشعبي برعاية من المرجع الأعلى للشيعة بالعراق "علي السيستاني" الذي لا يفوت مناسبة إلا ويعلن فيها تثمينه لتضحيات الحشد، وإرجاع الفضل له في حفض نظام بغداد، ومن الواجب رعايته والحفاظ عليه.

وفيما يبدو ردًا على المقال التحليلي الذي نشرته وكالة رويترز، خرج علينا المرجع الشيعي السيستاني بخطبة الجمعة وعلى لسان المتحدث باسمه أحمد الصافي في اليوم التالي لصدور المقال، قائلاً "المقاتلون ضد داعش (يقصد الحشد الشعبي) كانوا على بصيرة وأعطونا كل شيء، ولا بد أن تكون لدينا بصيرة في جزائهم والاهتمام بهم ورعايتهم وألا نعتبرهم تاريخ مضى".

3- علي السيستاني المرجع الشيعي الأول في العراق من أهم المدافعين عن مليشيات الحشد الشعبي، وفي الوقت الذي كان ينتظر الجميع منه أن يفتي بحل تلك المليشيات بعد الانتهاء من حرب داعش، اتخذ موقفًا مؤيدًا للحشد رافضًا حلّه على اعتبار أن التهديدات ما زالت مستمرة لحد الآن كما جاء في خطبته يوم 15 من الشهر الماضي.

فهل يتجرأ العبادي على مخالفة تعليمات السيستاني وهو الذي يمثل القوة الروحية الكبرى لعموم الشيعة في العراق والمرجعية الدينية والسياسية لهم؟ لكن كما جاء في التحليل فإن مقتدى الصدر قد وعد العبادي بأنه قادر على إقناع السيستاني بخطط العبادي لكبح مليشيات الحشد، وسيضمن دعمه للخطة، فهل الصدر قادر على إقناع السيستاني؟ هذا ما نشك به بشكل كبير. 

4- ومع تصاعد المظاهرات في المدن الإيرانية، منذ أكثر من أسبوع، فضَّل معظم السياسيين العراقيين الصمت، بالأخص السياسيين المرتبطين بالنظام الإيراني، إما لمراجعة حساباتهم والتفكير بالبدائل، أو للتفكير بإمكانية دعم النظام الإيراني عسكريًا وسياسيًا.

وبالمحصلة فإن الصمت هذا يدلل على مدى الخوف والتوجس من الأحداث التي تدور في إيران، وفي خضم تلك الصدمة التي يعاني منها موالي إيران بالعراق الذين هم بنفس الوقت خصوم العبادي، فإن الأخير استغل انشغال تلك الأطراف في المشكلة الإيرانية للإقدام على خطوته بنزع السلاح الثقيل من مليشيا الحشد والعمل على تقليل عددهم الى النصف، مستفيدًا أيضًا من تدخل الولايات المتحدة بموضوع التظاهرات، لتدعم خطواته.

ذلك لأنه يعلم أن إيران في وضعها الطبيعي لن تسمح بتحجيم الحشد الشعبي، وبالتالي فإن المهمة ليست سهلة للتصدي لقوات دربتها إيران وتقدم لها الدعم، وتسيطر على مئات المقرات ومخازن الأسلحة والمعسكرات بل ولديها مصانع للصواريخ الصغيرة حسب ما ورد بالمقال التحليلي، وبخطوته تلك فإن العبادي يخاطر بإغضاب أقوى طرف إقليمي فاعل بالعراق.

5- يترافق خروج هذا المقال التحليلي مع دعوات لتأجيل الانتخابات يطلقها سياسيون من المكون العربي السني والمكون الكردي وتفهم غربي لذلك، وعلى الرغم من أن العبادي يصرح كل حين بأن الانتخابات ستتم في موعدها المقرر في شهر مايو/ أيار خشية إغضاب الأطراف الشيعية، إلا أن تأجيلها سيكون من صالح العبادي إذا كان فعلاً يريد تحجيم الحشد الشعبي.

ذلك لأن التأجيل سيوفر للعبادي الوقت الكافي لتنفيذ خطته وإبعاد الحشد من أن يتحول لمنافس حقيقي في الانتخابات القادمة، وصعود هادي العامري إلى سدة الحكم بدعم من الحشد وإيران، وفي ذلك يقول "أمير الكناني" المستشار الصدري للرئيس العراقي فؤاد معصوم: "منظمة بدر ستقود قائمة الحشد الشعبي في الانتخابات المقبلة تحت زعامة هادي العامري، وهذا معلوم للجميع".

ومن هذا يتبين أن العبادي وصل للمرحلة التي يعتقد بها بأن لديه القوة الكافية لاتخاذ مثل هذه الخطوة المحفوفة بالمخاطر، ولديه القدرة على النجاح بها، مستندًا في ذلك على سجله الذي حقق فيه انتصارات على داعش واستطاع ترويض الكرد والتصدي لانفصالهم، بالإضافة إلى أنه يرتكن إلى دعم خارجي متمثل بالولايات المتحدة ودول غربية ودول عربية أخرى والتي هي في حالة عداء لإيران.

مع الأخذ بعين الاعتبار الدعم الشعبي الذي سيتلقاه من التيار الصدري، ناهيك عن مساندة المكون العربي السني الذي يرى بمليشيا الحشد كمنظمة إرهابية ارتكبت بحقه الكثير من الانتهاكات، وأن من مصلحة هذا المكون دعم خطوات العبادي في تحجيم الحشد الشعبي.

والسؤال هنا هل العبادي فعلاً قادر على اتخاذ مثل هذه الخطوة؟ وهل لديه القدرة على ذلك؟ مع علمنا أن العبادي إذا ما أراد ولاية ثانية له في رئاسة الوزراء فليس له من بديل عن اتخاذ هذه الخطوة.

وفي كل الأحوال على مستوى الصعيد الشخصي للعبادي، فلن يخسر شيئًا، فإذا لم يقدم عليها فمن المحتم أنه سيخسر الانتخابات، وإذا أقدم عليها فلديه فرصة بالنجاح.

وفي أسوأ الظروف فإن العبادي لن يخسر شيئًا طالما جواز سفره البريطاني يحمله في جيبه، يستطيع مغادرة البلاد والنجاة بنفسه في حالة انهيار كل شيء وبدء حرب طاحنه بين التيار الصدري وباقي المليشيات الإيرانية.