بينما ينتاب الغموض الإدارة الأمريكية بشأن مدى تنفيذ الرئيس دونالد ترامب تهديده بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني أو الانصياع إلى ضغوط تمديد تعليق العقوبات المفروضة ضد طهران قبل نهاية المهلة المحددة - 90 يومًا بدءًا من 12 من أكتوبر الماضي - والمقرر لها غدًا الجمعة، بدأ وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، جولته الخارجية لعدد من الدول الأوروبية بجانب روسيا.

الزيارة المتزامنة مع ما يتردد بخصوص انسحاب أمريكي محتمل من الاتفاق، تأتي في إطار تفعيل طهران جهودها الدبلوماسية في محاولة لتشكيل تحالف روسي أوروبي مضاد للولايات المتحدة خاصة في ظل الانتقادات الدولية والإقليمية الموجهة لإدارة ترامب التي وسعت من دائرة العداء لأمريكا خلال العام الأول من حكمه.

الإيرانيون يعولون كثيرًا على جولة ظريف وقدرتها على بناء رأي عام دولي قادر على دفع الجهات السياسية الأمريكية للضغط على ترامب لإثنائه عن تعهداته السابقة بشأن هذا الملف، خاصة أن الوضع الداخلي الإيراني لا يحتمل المزيد من التهديدات في ظل استمرار موجة الاحتجاجات الممتدة طيلة العشرة أيام الماضية، فهل تنجح الدبلوماسية الإيرانية في إجهاض تحركات الرئيس الأمريكي وفريقه المقرب؟

تهديدات مباشرة

الأشهر الأخيرة شهدت تصعيدًا واضحًا في حجم التلاسن والتهديدات المتبادلة بين المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين فيما يتعلق بملف الاتفاق النووي، مما دفع البعض إلى توقع اتخاذ موقف قاسٍ ضد طهران من الإدارة الأمريكية التي تصعد من تحذيراتها ما بين الحين والآخر.

الخارجية الأمريكية كانت على خط التلاسن بصورة ملفتة للنظر، حيث صرحت أنها ستعلن قرار الحكومة بشأن تمديد نظام رفع العقوبات عن إيران غدًا الجمعة، مضيفة أنه من المتوقع أن يلتقي ترامب مع وزيري الخارجية ريكس تيلرسون، والدفاع جيم ماتيس في البيت الأبيض في وقت لاحق من الأسبوع قبل هذا القرار، وتابعت الخارجية الأمريكية: نتوقع قرارًا يوم الجمعة، والمناقشات مستمرة بشأن هذا الأمر.

مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية كشف أمس الأربعاء أن بعض كبار مستشاري الرئيس دونالد ترامب حثوه على تمديد تعليق العقوبات الخاصة بإيران بحلول يوم الجمعة

تصريحات الوزارة جاءت بعد أيام قليلة من تصريحات مشابهة أطلقها وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، بشأن عزم ترامب اتخاذ قرار نهائي بشأن الاتفاق النووي قريبًا، حيث قال تيلرسون في مقابلة أجراها مع وكالة "أسوشيتد برس"، الجمعة الماضية: "سيتم قريبًا تعديل القانون الذي يلزم الولايات المتحدة بالتقيد بالاتفاق النووي المبرم مع إيران".

مضيفًا أن "التعديل الذي من شأنه إقناع الولايات المتحدة بالبقاء في اتفاق عام 2015 قد يأتي الأسبوع المقبل أو بعد ذلك بوقت قصير"، وتابع: الرئيس قال إنه سيعدل الاتفاق أو سيلغيه، وأردف: نحن الآن في مرحلة الالتزام بوعد ترامب فيما يتعلق بتعديل الاتفاق، وأشار تيلرسون حينها إلى أن الإدارة الأمريكية تعمل حاليًّا مع قيادات الكونغرس من أجل إقرار ذلك التعديل.

تهديدات متواصلة قاربت على العام لترامب بالانسحاب من الاتفاق 

جولة استباقية

بعد خمسة أيام على تصريحات الخارجية الأمريكية بشأن احتمالية اتخاذ موقف صارم حيال الاتفاق، إما بالإلغاء أو التعديل، وساعات قليلة من دعوة نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، المجتمع الدولي إلى الاستعداد لانسحاب محتمل للولايات المتحدة من الاتفاق النووي التاريخي، في ظل سعي ترامب منذ أكثر من عام للقضاء علي هذا الاتفاق، وأن بلاده مستعدة لكل الاحتمالات، استهل وزير الخارجية جولة خارجية لمناقشة العديد من الملفات على رأسها التحركات الأمريكية ضد طهران، فسرها البعض بأنها جولة استباقية لتفادي أي خطوة متهورة من واشنطن.

الزيارة التي بدأها ظريف أمس الأربعاء إلى روسيا حيث التقى بنظيره سيرجي لافروف، أعقبها لقاء آخر مع مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيدريكا موغريني، من المقرر أن يستكملها اليوم بلقاءات أحادية مع وزراء خارجية كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا.

المباحثات وفق ما تم إعلانه ستتطرق إلى الاتفاق النووي الموقع بين الولايات المتحدة والثلاثي الأوروبي (فرنسا وألمانيا وبريطانيا)، بجانب الثنائي الآسيوي (روسيا والصين)، إضافة إلى المخاطر الناجمة عن التهديدات المستمرة من الإدارة الأمريكية بشأن الانسحاب من هذا الاتفاق، وهو ما سيكون له تداعيات سلبية على المجتمع الدولي برمته وهذا ما حذر منه نائب وزير الخارجية الإيراني.

غموض في الموقف الأمريكي

جولة وزير الخارجية الإيراني تأتي وسط أجواء ملبدة بسحب الغموض تخيم على الإدارة الأمريكية المنقسمة فيما بينها بشأن اتخاذ قرار الانسحاب من الاتفاق أو تمديد تعليق العقوبات الخاصة بإيران والمقرر البت فيها قبل انتهاء المهلة المحددة التي تنتهي غدًا الجمعة.

مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية كشف أمس الأربعاء أن بعض كبار مستشاري الرئيس دونالد ترامب حثوه على تمديد تعليق العقوبات الخاصة بإيران بحلول يوم الجمعة المقبل عندما يحين موعد اتخاذ قرار بشأنها لكنه أبدى في جلسات خاصة عدم رغبته في فعل ذلك، بحسب "رويترز".

المسؤول أشار إلى أن ترامب سيسعى لاتخاذ قرار نهائي بشأن ما إذا كان سيمدد تعليق العقوبات خلال اجتماع مع مساعديه لشؤون الأمن القومي اليوم الخميس، مشيرًا أن كبار مستشاريه سيوصونه بأن يمدد إعفاء إيران من العقوبات، علمًا بأن المهلة المحددة لتجديد الموقف من الاتفاق والمقرر لها 90 يومًا بدءًا من قرار فرض المزيد من العقوبات في 12 من أكتوبر الماضي، ستنتهي غدًا الجمعة، وبات ملزمًا على الإدارة الأمريكية تجديدها بموقف آخر أو الإبقاء على الموقف الحاليّ.

المقربون من دوائر صنع القرار في واشنطن يتوقعون تجديد الرئيس الإعفاء من العقوبات، لكنهم شددوا على عدم اتخاذ قرار نهائي بعد في هذا الصدد، لافتين إلى أن ترامب قد استشاط غضبًا في بعض الجلسات الخاصة من حقيقة أنه قد يجد نفسه مضطرًا لتعليق العقوبات مجددًا لأنه يعتقد أن سلفه الرئيس الديمقراطي باراك أوباما تفاوض على اتفاق سيء للولايات المتحدة بالموافقة على (خطة العمل الشاملة المشتركة) وهو الاسم الرسمي للاتفاق النووي.

يذكر أن أي قرار قد تتخذه الولايات المتحدة بعدم تعليق العقوبات المفروضة ضد إيران سيضعها في موقف حرج أمام المجتمع الدولي، كونه يعني خرقًا واضحًا للاتفاق وانتهاكًا لبنوده وهو ما سيكون له تداعيات سلبية على علاقات أمريكا بالدول الموقعة عليه، وهذا ما يحذر منه العديد من الساسة الأمريكان.

نجحت الجهود الدبلوماسية الإيرانية على مدار ما يزيد على عشر سنوات من إقناع أوروبا وآسيا وحتى الولايات المتحدة بتوقيع الاتفاق النووي 2015 الذي كان بمثابة انتصار دبلوماسي غير مسبوق لطهران منذ ثورتها الإسلامية، مستغلة في ذلك إمكاناتها الاقتصادية لا سيما النفطية

12 عامًا من التهديدات

في الـ13 من أغسطس 2005 قال الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش، إنه لا يستبعد اللجوء إلى القوة ضد إيران بعد قرارها استئناف نشاط تحويل اليورانيوم المشارك في الصناعة النووية، غير أنه لم يمض أكثر من أشهر قليلة حتى أعلنت طهران رسميًا نجاحها في تخصيب اليورانيوم والدخول إلى آفاق صناعة الرؤوس النووية، ولم يتحرك أحد.

وبعد 4 سنوات تقريبًا من تهديدات بوش، قال الرئيس السابق باراك أوباما إن كل الخيارات بما فيها الخيارات العسكرية ستبقى متاحة لمنع إيران من حيازة السلاح النووي، لكنه اعتبر أن ضربة جوية لن تكفي لتسوية هذه المسألة، داعيًا في ذات الوقت إلى فرض سياسة متشددة على إيران تترافق مع عقوبات قاسية تحمل الإيرانيين على إعادة النظر في حساباتهم.

بعد 6 سنوات من تحذيرات أوباما وجدت الولايات المتحدة نفسها بمشاركة فرنسا وبريطانيا وألمانيا بجانب روسيا والصين مجبرة على توقيع الاتفاق النووي مع إيران بشكل رسمي، ليسدل الستار - دوليًا - على هذا الملف في أعقاب تعهد طهران الالتزام بالبنود التي تضمنها الاتفاق.

غير أنه مع قدوم ترامب عادت معه نغمة التهديدات مرة أخرى، لكنها هذه المرة مغايرة تمامًا في الشكل والمضمون والأهداف، إذ إنها ستعكس صورة سيئة عن الولايات المتحدة وعدم التزامها بالاتفاقيات الموقعة، فضلاً عن تداعياتها السلبية على علاقاتها بالدول الموقعة على الاتفاق، وهو ما حذرت منه العديد من الجهات السيادية داخل أمريكا.

الحقيقة أن العلاقات الإيرانية - الأمريكية لم تنقطع في الأساس منذ "الثورة الإسلامية" في إيران عام 1979، وقد تنوعت هذه الاتصالات ومستوياتها، وتمخض عن هذا النوع من التواصل تفاهمات أمريكية أساسية مع النظام في إيران في أكثر من محطة، كانت عاملاً مهمًا، وربما حاسمًا، في تنسيق ودعم الهجوم الأمريكي على أفغانستان لإسقاط حركة طالبان، وعلى نفس النسق والتوجه تم التنسيق الكامل بين النظام في إيران والإدارة الأمريكية بشأن العمليات العسكرية الأمريكية لاحتلال العراق وإسقاط نظام صدام حسين عام 2003، حيث أكدت إيران مرارًا وعلى لسان قادتها أنها ساهمت في حسم عملية الاحتلال وإنجاحها.

وفي خضم هذا التنسيق بين البلدين، وإن لم يكن ظاهريًا، غير أنه من المستبعد أن تتهور أمريكا بالإقدام على أي عمل عسكري ضد طهران خاصة أنها تمثل "الدجاجة التي تبيض ذهبًا" لترامب، فبسببها تواصل الولايات المتحدة وجودها في الشرق الأوسط، وتفعل من سبل الدفاع عن مصالحها وحلفائها على رأسهم دولة الاحتلال، وبفضل شيطنتها ينتعش سوق السلاح الأمريكي، وهكذا، يبقى الأمر في النهاية لا يخرج عن إطار الابتزاز ليس أكثر.

تمسك روسي أوروبي بالاتفاق في مواجهة ترامب

هل تنجح الدبلوماسية الإيرانية؟

نجحت الجهود الدبلوماسية الإيرانية وعلى مدار ما يزيد على عشر سنوات من إقناع أوروبا وآسيا وحتى الولايات المتحدة بتوقيع الاتفاق النووي 2015 الذي كان بمثابة انتصار دبلوماسي غير مسبوق لطهران منذ ثورتها الإسلامية، مستغلة في ذلك إمكاناتها الاقتصادية لا سيما النفطية من جانب، وتحالفاتها الإقليمية مع دول نجحت في فرض نفسها دوليًا على رأسها الصين وروسيا من جانب آخر.

هذا الاتفاق وإن عكس حجم الانفتاح الإيراني الأوروبي غير أنه فتح آفاقًا جديدة نحو مزيد من التعاون لا سيما على المستوى الاقتصادي وهو ما تجسده هرولة الأوروبيين لزيارة طهران في أعقاب توقيع الاتفاق في محاولة لاقتناص الفرص الواعدة التي توفرها احتمالات رفع العقوبات.

ففي 20 من يوليو2015، زار وزير الاقتصاد الألماني، نائب المستشارة أنجيلا ميركل، سيجمار جابرييل، طهران، ضمن وفد من ممثلي الشركات الألمانية، كأول مسؤول ألماني رفيع المستوى يزور طهران خلال 13 عامًا، معلنًا أن اجتماعًا وزاريًا للجنة الاقتصادية الألمانية ـ الإيرانية سيعقد أوائل العام القادم في طهران.

وفي 29 من يوليو 2015، زار لوارن فابيوس، طهران، في أول زيارة يقوم بها وزير خارجية فرنسي لإيران منذ 12 عامًا، في محاولة لتبديد أي توتر في العلاقة بين الجانبين بسبب الموقف المتشدد الذي اتخذته فرنسا في أثناء المفاوضات النووية مع إيران، وسوف يرسل اتحاد الشركات الفرنسية (ميدف) وفدًا مكونًا من نحو 80 شركة إلى طهران في أواخر شهر سبتمبر المقبل.

المقربون من دوائر صنع القرار في واشنطن يتوقعون تجديد الرئيس الإعفاء من العقوبات لكنهم شددوا على عدم اتخاذ قرار نهائي بعد في هذا الصدد

وفي 3 من أغسطس 2015، حل وزير الخارجية الإيطالي باولو جنتيلوني، في طهران، وكان وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند، قال بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران، إن بلاده ما زالت ملتزمة بإعادة فتح سفارتها في إيران قبل نهاية العام بمجرد حل بعض القضايا العالقة.

وفي يناير 2016 كان التحرك السياسي متزامنًا مع التحركات الاقتصادية، حيث قام الرئيس الإيراني حسن روحاني، بجولة أوروبية شملت إيطاليا وفرنسا، التقى خلالهما نظيريه وتباحثوا في سبل تفعيل التعاون المشترك وتقريب وجهات النظر حيال العديد من الملفات الإقليمية.

ثم تأتي جولة ظريف الراهنة لتؤكد مواصلة الجهود الدبلوماسية الإيرانية لتشكيل رأي عام عالمي مناهض للتحركات الأمريكية الساعية إلى إلغاء الاتفاق، وتشير المؤشرات العامة إلى قدرة طهران على حشد المجتمع الدولي ضد ترامب وسياساته المتهورة في كثير من تحركاتها وهو ما تعكسه ردود فعل الدول الأوروبية حيال توجهات الرئيس الأمريكي.

في أكتوبر/تشرين الماضي، أعلنت باريس وبرلين ولندن، أنها لا تزال "ملتزمة" بالاتفاق النووي الإيراني، ردًا على ما أعلنه ترامب في خطابه الشهير الجمعة 13 من أكتوبر/تشرين الأول 2016 باختياره عدم التصديق على التزام طهران بالاتفاق، محذرًا من أن بلاده قد تنسحب منه بالكامل في نهاية المطاف.

ففي بيان مشترك صادر عن رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قالوا فيه: "ما زلنا ملتزمين بالاتفاق وتطبيقه الكامل من جميع الأطراف"، فيما حذر القادة الثلاث الولايات المتحدة من اتخاذ قرارات قد تضر بالاتفاق النووي مع إيران مثل إعادة فرض عقوبات على طهران.

وفي موسكو كان الخطاب أكثر حدة من نظيره الأوروبي، حيث نددت وزارة الخارجية الروسية بإستراتيجية ترامب الجديدة حيال إيران ووصفتها بـ"الخطاب العدائي والمهدد"، مؤكدة أن الاتفاق النووي مع طهران لا يزال سليمًا.

الخارجية الروسية في بيانها قللت من شأن تحذيرات ترامب، معتبرة أن رفضه الإقرار بالتزام طهران "لن يكون له تأثير مباشر على تطبيق النص"، لكنه يشكل أحد عوامل النقاش الداخلي في الولايات المتحدة، مشددة على أن "استخدام خطاب عدائي ومهدد هو أمر مرفوض" واستخدام أساليب كهذه لمعالجة المشاكل التي تطال المصالح الأمنية الأساسية لبلدان أخرى آيل حتمًا إلى الفشل.

من زاوية أخرى فإن تزامن زيارة وزير الخارجية الإيراني لروسيا وبعض دول أوروبا مع تبني العديد من دول الاتحاد الأوروبي مواقف مغايرة لتلك التي اتخذتها أمريكا من المظاهرات التي اندلعت في إيران قبل نحو عشرة أيام، فبينما كانت تؤجج واشنطن التظاهرات دعت أوروبا إلى احتواء الموقف والاستماع لمطالب المتظاهرين ومحذرة من استغلال الوضع الداخلي، يشي بتنسيق واضح بين طهران ودول القارة العجوز التي نجحت في السنوات الأخيرة في الخروج عن عباءة الولايات المتحدة التي طالما سارت في كنفها عقودًا طويلة.