من وقت إلى آخر تشهد العلاقات الأمريكية الباكستانية موجة توتر تصل إلى قمتها ثم تتراجع إلى سكون على شاطئ المصالح المشتركة التي يمكن رعاية الحد الأدنى منها على الأقل، وفي الفترة الأخيرة شهدت هذه العلاقات واحدا من هذه التوترات حين ذكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إسلام آباد لم تعط الولايات المتحدة مقابل المليارات التي قدمتها لها سوى "الأكاذيب والخداع". ويبدو أن أفق الأزمة الجديدة في حاجة إلى قراءة مختلفة عن الأزمات السابقة تحتمها شخصية رأس الإدارة الأمريكية الحالية التي تختلف عن رؤوس الإدارات الأمريكية السابقة.

نظرة في طبيعة العلاقة الأمريكية الباكستانية

حرصت واشنطن على تمتين علاقاتها بدولة باكستان الوليدة منذ خمسينيات القرن الماضي؛ أملا في موطئ قدم قريب من خصر الاتحاد السوفيتي المترامي الأطراف حينئذ في وسط آسيا وشمالها. وتلقت الدولة الوليدة من الأمريكيين في المقابل مساعدات اقتصادية كانت ضرورية لها في ظلال الوضع الهش الذي نشأت عليه.

ومن الطبيعي أن ترى الولايات المتحدة في باكستان مجرد قُطر ضعيف يقدم لها خدمات في مقابل مساعدات أو "أجرة"، ومن هنا فلا ينبغي - وفقا لهذه الرؤية - أن تكون بين الطرفين ندية تحفظ للأضعف حقه في توجيه علاقاته الخارجية وشؤونه الداخلية كما تقتضي مصالحه، كما أن الطرف القوي لا يلزمه أن يقف إلى جانب حليفه في الأزمات الصعبة ويعطيه أفضلية في مواجهة خصومه، وهو ما عبرت عنه مناسبات وأحداث كثيرة شهدتها حوالي سبعة عقود من العلاقات بين الطرفين حتى الآن..

بدت حاجة الأمريكيين إلى باكستان ماسة في حربهم التي شُنَّت بالوكالة عنهم ضد الاتحاد السوفيتي عقب غزو أفغانستان

لقد تخلت أمريكا عن تسليح حليفتها باكستان في حربها مع الهند عام 1965 مع كون واشنطن هي المصدر الرئيسي لتسليح باكستان حينذاك، وتركتها صريعة التمزق في حرب عام 1971، ومال تعامل واشنطن مع نيودلهي وإسلام آباد إلى تفضيل الأولى - وهي عضو قديم ونشط في عدم الانحياز - على طول الخط، فجاء الموقف الأمريكي من إعلان الهند امتلاك السلاح النووي أقل حدة من إعلان باكستان عن نفس المسألة، على الرغم من أن امتلاك الباكستانيين للنووي كان للردع وليس ابتداء لحمل نوايا العدوان أو إحداث خلل واضح في موازين القوى بين الجارتين.

وفي زيارة شهيرة له إلى الهند وباكستان على التتابع تُظهر هذا الانحياز، عقد الرئيس الأمريكي الأسبق بل كلينتون مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية مع الهنود خلال أيام قضاها هناك ونبه إلى ضرورة تنمية العلاقات بين البلدين، في حين مكث ساعات قلائل في باكستان ملأها بالتحذير من حماية باكستان للإرهاب وتوانيها في مقاومته، حتى خرجت بعض وسائل الإعلام في حينها تقول: ابتسامات ومشروعات من كلينتون للهند وعبوس وتحذيرات لباكستان!

كان من الطبيعي أن تفكر إسلام آباد خلال هذه الأزمات في حليف آخر ملائم، وهذا ما بادر إليه رئيس الوزراء ذو الفقار علي بوتو في بداية السبعينيات حين توجه ناحية الصين التي كانت على خلاف مع الروس حينئذ، ولم تكن قد شهدت الطفرة الاقتصادية التي تعيشها منذ ثلاثة عقود.

ومن هنا فإن معضلة العلاقات الأمرباكستانية يمكن أن تتلخص في الإجابة عن هذا السؤال: أيهما ألجأ الآخر إلى البحث عن حليف ليس على صلات ودية معه (الصين بالنسبة للولايات المتحدة والهند بالنسبة إلى باكستان)؟

أمريكا لا تستغني عن باكستان، وهذه تحتاج إلى المساعدات الاقتصادية التي تتلقاها من واشنطن، ومن هنا صَبَر كلا الحليفين على الآخر وهو يعرف عيوبه

وتتلخص الإجابة في النظرة الدونية من الولايات المتحدة إلى باكستان في المقام الأول واعتبارها دولة للإيجار (أو دولة وظيفية لا مشروعا سياسيا لشعب)، ثم عدم ثقة الأولى في الثانية بعد أن اختارت - تحت ضغوط الحفاظ على الذات - سياسة اللعب على المحاور والتحالفات.

وحقيقة لم يتم الطلاق البائن بين الطرفين في أي مرحلة سابقة لحاجة كل منهما إلى الآخر، إلا أن التوتر والفتور ظل سائدا في أغلب الأحيان.

وقد بدت حاجة الأمريكيين إلى باكستان ماسة في حربهم التي شُنَّت بالوكالة عنهم ضد الاتحاد السوفيتي عقب غزو أفغانستان، ومع أن خرتشوف هدد باكستان في الستينيات بالمحو لو مثلت ثغرة في للأمريكيين في الجوار السوفيتي، فإن الرئيس السوفيتي التالي الذي تولى غزو أفغانستان ليونيد برجينيف ومَن خلفه لم يدركوا خطورة التسرب الأمريكي إلى الإمبراطورية من خلال باكستان، وقد يرجع هذا إلى أن الروس هم الذين وقعوا في مصيدة الأخطاء القاتلة بغزوهم لأفغانستان في وقت ما كانوا يحتاجون فيه إلى توسع إمبراطوري أكبر، ولكن إلى علاج أمراض الدولة الكبيرة التي دب فيها الهرم سريعا وكان ينخر فيها السوس.

وقد قاد باكستان في هذه المرحلة الجنرال محمد ضياء الحق الذي لعب على وتر الحاجة الأمريكية الماسة إليه، فاستطاع أن يحصد من خلف ظهر الحرب مساعدات غربية اقتصادية كبيرة، كما اهتم بتسليح الجيش الباكستاني وتطوير أدائه ومواصلة المشروع النووي. إلا أن الرقص مع الذئاب أدى بالرجل إلى مصيره المحتوم عام 1988 في تحطم طائرة عسكرية كانت تقله مع السفير الأمريكي في إسلام آباد، ويردد الباكستانيون أن زوجة السفير التي أقامت في بلادهم كانت تقول: إن بلادي قتلت زوجي!

وربما يبدو للمتابع أن فترة حكم جنرال آخر تثبت خلاف هذا الموقف الباكستاني الساعي إلى الندية ورفض دور الدولة الوظيفية في العلاقة مع الأمريكيين، وهو الجنرال برويز مشرف الذي تماهى مع السياسة الأمريكية في المنطقة. إلا أننا ينبغي ألا ننسى في هذا الصدد أمرين هما:

تبدو تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب وتغريداته الأخيرة حول باكستان مندفعة لا شك، لكنها تكشف قلق العلاقة الدائم بين الطرفين

الأول: أن السياسة الأمريكية حينئذ كانت سياسة هجومية شرسة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، ولم يكن في مستطاع مشرف ولا جنرالات جيشه الوقوف في مواجهتها.

الثاني: كان الجنرال مشرف في هذه الفترة حديث عهد بانقلاب عسكري قام به ضد وزارة نواز شريف، ويحتاج إلى تثيبت قدميه في السلطة، وقد بدا له أن الظروف الاستثنائية وأجواء الحرب على أفغانستان يمكن أن تحقق غرضه بشرط التوافق مع الإرادة الأمريكية في المنطقة.

وعقب رحيل مشرف عن الحكم عادت الأمور كما كانت؛ أي تحالف أمريكي باكستاني على حافة الهاوية، فأمريكا لا تستغني عن باكستان، وهذه تحتاج - لأسباب بنوية في الاقتصاد الباكستاني والتركيبة السياسية للدولة - إلى المساعدات الاقتصادية التي تتلقاها من واشنطن، ومن هنا صبر كلا الحليفين على الآخر وهو يعرف عيوبه، وإن ازدادت علاقة الولايات المتحدة بالهند وأفغانستان ما بعد طالبان قوة، ووصلت علاقة الصينيين بالباكستان - مع التقدم الاقتصادي الهائل الذي حققوه - إلى صورة مثالية في مواجهة التمدد الأمريكي ومواجهة الهند التي لها مشكلات عميقة مع جارتيها الحليفتين.

جديد ترامب

تبدو تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب وتغريداته الأخيرة حول باكستان مندفعة لا شك، لكنها تكشف قلق العلاقة الدائم بين الطرفين، وتحدد محاولات باكستان للمحافظة على ذاتها تحت ضغط القوة الأمريكية الضخمة على أنها تمرد وعدم قيام بوظيفة تحصل لأجلها على المساعدات.

وحقيقة لم تكن باكستان صريحة يوما ما في مخاصمتها للولايات المتحدة؛ ليس بسبب قوة هذه الأخيرة فحسب، ولكن لأجل بعض المعونات التي تُقدَّم لها أيضًا، فهي تقوم بنصف الواجب، وربما ترتكب أعمالا تؤكد لواشنطن من خلالها أنها لا تستغني عنها، ويكفي أن نعلم أن مجرد عدم تعاون إسلام آباد يفشل كثيرا من جهود التحالف الغربي في تحقيق الاستقرار الذي يريده لأفغانستان من وجهة نظره، فما بالنا لو تدخلت بصورة سلبية؟!

إن العلاقات المتوترة بين إسلام آباد وواشنطن خير للأمريكيين من الطلاق البائن؛ لأن مصالح الثانية والطبيعة الجيوسياسية للمنطقة تجعل من باكستان طرفا مهما في معادلاتها

ولكن هناك حقيقة أخرى أيضًا، وهي أن هجوم ترامب على باكستان كان صريحا جدا، إلا أنه لم يوضح الحقيقة الغائبة أو السبب الرئيس في هذا الخلل في العلاقة بين الدولتين من تحويل الولايات المتحدة لحلفائها الصغار إلى مادة استعمالية - على حد تعبير ما بعد الحداثيين - توجههم كيف شاءت إلى ما شاءت، ثم تلفظهم متى لم تجد في صداقتهم جدوى، أو شعرت بتمردهم عليها!

إن الأمريكيين - مقابل هذه الأساليب التي يتعاطون بها مع باكستان - يعطون أنفسهم الحق في تعميق علاقات استراتيجية مع الهند كيف شاءوا، واعتبارها شريكا عريقا وندا يمكن تبادل المصالح معه، وهذا يسبب غصصا كثيرة في حلوق الباكستانيين.

ومن حظ باكستان الجيد في المرحلة الحالية هذا الصعود الاقتصادي القوي لجارتها الصين وتبوؤها أحد مواقع الصدارة الاقتصادية في العالم وبحثها عن شراكات اقتصادية واسعة في كل مكان يمكنها الوصول إليه؛ فقد أتاح هذا التطور الكبير لإسلام آباد أن تتحرك في علاقتها بدول الإقليم والقوى الكبرى في العالم بحيث لا تبقى رهينة لطرف واحد.

مهما يكن، فإن العلاقات المتوترة بين إسلام آباد وواشنطن خير للأمريكيين من الطلاق البائن؛ لأن مصالح الثانية والطبيعة الجيوسياسية للمنطقة تجعل من باكستان طرفا مهما في معادلاتها، وكذلك فإن حضور الولايات المتحدة في المنطقة بهذه الصورة يحجم فرص نشوب صراع عسكري واسع بين الهند وباكستان.