استطاع الوزير الأول الجزائري أحمد أويحيى -والشخص المتوقع أن يكون خليفة لبوتفليقه- أن يتجاوز الحملة التي استهدفته عقب توقيعه ميثاق الشراكة بين القطاع العمومي والخاص التي قادتها عدة أطراف أبرزها حليفه السياسي الحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني)، وبهذا يبدو أن الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي استطاع أن ينجو من الإقالة ويتكرر معه ما حدث لسلفه عبد المجيد تبون.

ولم يكن الحديث في الجزائر خلال الأيام الأخيرة سوى عن ترقب إقالة أويحيى بعد أن راجت أخبار عن رحيله وصلت حتى تقديم استقالته للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، بعد أن أصدر الأخير تعليمة تمنع خصخصة أي مؤسسة عمومية دون المرور على رئيس الجمهورية، وهي التعليمة التي جاءت لتوقف ما اتخذه أويحيى عندما وقع ميثاق الشراكة بين القطاعين العمومي والخاص.

بداية الحكاية

في 22 من ديسمبر/كانون الثاني عقدت أطراف ثلاثية العقد الاجتماعي المتمثلة في الحكومة والاتحاد العام للعمال الجزائريين وأرباب العمل، اجتماعًا حضره الوزير الأول، تم فيه التوقيع على ميثاق الشراكة بين القطاع العام والخاص.

غير أن هذا الميثاق أثار ضجة كبيرة وسط البلاد وفتح النار على أحمد أويحيى الذي اتهم بالنية في العودة إلى تطبيق سياسة الخصخصة التي كان عرابها في التسعينيات، عندما بيعت مئات المؤسسات الحكومية للقطاع الخاص بالدينار الرمزي وتم تسريح آلاف العمال.

جمال ولد عباس الأمين العام لجبهة التحرير الوطني الجزائرية الحاكمة

وانتقد جمال ولد عباس الأمين العام للحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني) الذي يرأسه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ميل أويحيى نحو خصخصة القطاع العمومي، وأكد أن حزبه لن يسمح باستهداف الطبقة العاملة، على حد قوله.

وفي 15 من يناير/كانون الثاني الحاليّ، نقلت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية عن مصدر مأذون أن الرئيس بوتفليقة وجه تعليمة إلى الحكومة بإخضاع أي عملية فتح لرأس مال المؤسسات العمومية الاقتصادية أمام القطاع الخاص إلى موافقته المسبقة.

وأوضح المصدر أن "هذا القرار عمل سياسي يهدف إلى إضفاء المزيد من  الشفافية والإنصاف والنجاعة على هذه الشراكة بين القطاعين العمومي والخاص التي غالبًا ما تشكل موضوع شكوك وتأويلات مفرطة تشبهها بنهب للأملاك الوطنية".

وأوضح المصدر نفسه أن هذه التعليمة أحكام الأمر رقم 01-04 (لا سيما المواد 20 - 21 - 22) المؤرخ في 20 من أغسطس 2001 المتعلق بتنظيم وتسيير وخصخصة المؤسسات العمومية الاقتصادية، حيث تنص المادة 20 أن إستراتيجية وبرنامج الخصخصة يجب أن يصادق عليه مجلس الوزراء برئاسة رئيس الدولة، أما بالنسبة للحكومة فتتكفل بتطبيق البرنامج الذي انتخب من أجله رئيس الجمهورية.

تهدئة

كعادته استطاع أحمد أويحيى أن يتخطى الحملة التي أثيرت حوله بشأن رؤاه عن الخصخصة، وأكد في ندوة صحفية أن الصراع الذي اختلق بشأن ملف الخصخصة لم يكن في مصلحة الجزائر، وأشاد بـ"حكمة بوتفليقة" التي أخمدت الاتهامات التي التهبت بين أقطاب الطبقة السياسية، لكن الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي أكد أن العمل بميثاق الشراكة بين القطاعين  العمومي والخاص سيستمر.

وحرص على التأكيد أنه برئ من الاتهامات الموجهة له بالقول: "أطراف الثلاثية اتفقوا في سنة 2016 على ترقية الشراكة بين القطاعين العمومي والخاص، وانطلقت الحكومة في تحضير مشروع قانون لهذه الشراكة، وبعد تنصيبي وزيرًا أولاً درسنا الملف مع الشركاء وقررنا أننا لا نحتاج إلى قانون لأنه إذا تعلق الأمر بالخصخصة، فهناك قانون خاص بها، وإذا تعلق الأمر بالاستثمار المشترك فهناك قانون خاص به"، وكان عبد المالك سلال على رأس الوزارة الأولى في 2016، وأنهيت مهامه بعد الانتخابات التشريعية التي عرفتها البلاد مايو الماضي.

أحمد أويحيى مع الرئيس الجزائري بوتفليقة

وذكر أويحيى أن "الجزائر صادقت على أول قانون للخصخصة في 1995، وفي 2001 تمت صياغة القانون المعتمد إلى غاية اليوم الذي ينص على الخصخصة 100%، ومع تطور الأحداث والمعطيات وبقرار من رئيس الجمهورية تم سنة 2009 إعداد قانون مالية تكميلي تضمن العديد من الإجراءات منها قاعدة 49/51 إذا تعلق الأمر بشريك أجنبي، والقاعدة 34/66 إذا تعلق الأمر بطرف جزائري، وفي قانون المالية لسنة 2016 تم تلطيف التسميات، وأصبح يطلق على الخصخصة اسم الشراكة".

وأكد السيد أويحيى أن "أي ملف للخصخصة أو الشراكة داخل في إطار برنامج صادق عليه مجلس الوزراء، وكل عملية خصخصة تكون موضوع عروض يتم تقييمها واختيار أحسنها من طرف الجهة المعنية وتقديمها أمام مجلس مساهمات الدولة الذي فيه 14 وزيرًا، ثم يعرض على رئيس الجمهورية للفصل فيه".

دعم للعهدة الخامسة

على غير العادة، لم يتحاش أويحيى الحديث عن العهدات الرئاسية لبوتفليقة، وقال للصحافة إنه سيكون إلى جانب الرئيس في حال قرر خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في أبريل/نيسان 2018.

أحمد أويحيى يؤكد دعمه لبوتفليقة لولاية خامسة

وجدد الوزير الأول تأكيده أنه لن يكون مرشحًا في أي انتخابات يكون بوتفليقة أحد المتنافسين فيها، ويطرح اسم أحمد أويحيى بقوة ضمن بعض الشخصيات الأخرى كمرشح محتمل للرئاسيات المقبلة في حال لم يرد بوتفليقة خوض الفوز بعهدة جديدة.

ونفى أويحيى أن يكون قد حدث خلاف بينه وبين الرئيس بوتفليقة بسبب ملف خصخصة المؤسسات العمومية، وأكد أنه يظل من رجاله الأوفياء الذين لن يخونوه مطلقًا، وذكر أن بوتفليقة من عينه وزيرًا أول بعدما كان يتولى منصب مدير ديوان رئيس الجمهورية، وهو أحسن رد على من يتهمونه بخيانة بوتفليقة.

لكن رغم تأكيدات الوزير الأول بأنه لا يزال يحظى بثقة رئيس بوتفليقة، يبقى السؤال المطروح في الجزائر: هل نجا أويحيى من الإقالة أم أن عدم التخلي عن مهامه مسألة مؤقتة فرضتها توازنات آنية ستكشفها الأيام الخالية؟