شنت القوات المسلحة المصرية أمس الجمعة عددًا من الهجمات الجوية والبرية التي تستهدف مخازن سلاح وتمركز تابعة للجماعات المسلحة بشمال ووسط سيناء، فيما عرفت بـ"العملية الشاملة سيناء 2018"، إضافة إلى تشديد الإجراءات الأمنية لتأمين المناطق الحيوية.

الجيش المصري ومن خلال ثلاثة بيانات متتالية أعلنهم المتحدث العسكري عبر الصفحة الرسمية له على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" كشف أن الهدف من هذه العملية "القضاء على الإرهاب بشمال ووسط سيناء والصحراء الغربية ومناطق بدلتا مصر".

وفي المقابل أعلنت وزارة الداخلية رفع درجة الاستعداد الأمني القصوى في جميع المحافظات وتعزيز تأمين المناطق المحيطة بالمنشآت الحيوية، وتشديد الإجراءات الأمنية وتكثيف الأكمنة داخل المحافظات وعلى الطرق، بخلاف شن عدد من الحملات الأمنية على بعض المناطق النائية.

وفي السياق ذاته، كتب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، من خلال حسابه على "تويتر" يقول: "أتابع بفخر بطولات أبنائي من القوات المسلحة والشرطة لتطهير أرض مصر الغالية من العناصر الإرهابية أعداء الحياة.. ودائمًا #تحيا_مصر".

https://www.facebook.com/AlSisiofficial/posts/2344971902195802

هذه العملية وإن لم تكن الأولى التي يشنها الجيش المصري ضد الجماعات المسلحة، غير أنها تعد الأبرز من حيث التجييش العسكري والإعلامي، وهو ما أثار الكثير من التساؤلات عن الرسائل التي تهدف لتوصيلها فضلاً عن أن توقيت العملية ذاته كان محط تساؤلات عديدة طرحتها بعض الأصوات السياسية والأمنية في آن واحد.

ليست الأولى

"العملية الشاملة سيناء 2018" لم تكن الأولى التي قامت بها قوات الجيش المصري ضد الجماعات المسلحة سواء في سيناء أو خارجها، حيث شنت قبلها قرابة 5 عمليات متتالية على مدار الست سنوات الأخيرة منذ 2011 وحتى الآن.

العملية نسر1.. بدأت في 12 من أغسطس 2011، عقب عدة تفجيرات استهدفت تصدير الغاز إلى "إسرائيل"، وإعلان تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" اعتزامه تحويل سيناء إلى إمارة إسلامية.

العملية نسر 2.. في 5 من أغسطس 2012، شن الجيش حملة عسكرية لتطهير سيناء مما أسماه حينها بـ"البؤر الإرهابية"؛ ردًا على مقتل 16 جنديًا في هجوم مسلح بالقرب من معبر كرم أبوسالم بمحافظة شمال سيناء.

الضربة الجوية لليبيا 1.. في 16 من فبراير 2015، شنت القوات الجوية ضربة على أحد الأهداف بمدينة درنة بليبيا، ردًا على بث تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" فيديو، يُظهر ذبحًا لـ21 مصريًا مسيحيًا، اختطفوا من ميليشيات مسلحة في ديسمبر 2014.

حق الشهيد.. في سبتمبر 2015، أعلن الجيش عملية عسكرية باسم "حق الشهيد"، للقضاء على العناصر المسلحة في عدة مناطق بمحافظة شمال سيناء، واستمرت المرحلة الأولى منها 16 يومًا، أُعلن خلالها مقتل العشرات من المسلحين.

الضربة الجوية بليبيا 2.. في 26 من مايو 2017، وعقب مقتل 28 شخصًا وإصابة 25 في هجوم استهدف حافلات تقل أقباطًا، في الطريق المؤدية لدير الأنبا صموئيل المعترف بمدينة العدوة بالمنيا، أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة شن القوات الجوية ضربة جوية على أحد مراكز تدريب الجماعات المسلحة في ليبيا.

تأتي هذه التحركات بالتزامن مع ما يثار بشأن إخلاء بعض المناطق الواقعة بمحيط حرم مطار العريش وتهجير سكانها لمسافة ربما تقارب عشرات الكيلومترات في أعقاب استهداف إحدى الطائرات بالمطار

التوقيت.. علامة استفهام

خلال العمليات الخمسة السابقة، كان التحرك يأتي في إطار رد الفعل على العمليات التي تقوم بها الجماعات المسلحة، ومن ثم يكون الثأر والرد عليها، إلا أن العملية الحاليّة لم تكن كذلك، إذ كانت بإعلان مسبق من الجيش، وهو ما أثار بعض التساؤلات عن توقيتها الذي يأتي في سياق سياسي وأمني ذي طبيعة استثنائية.

تأتي هذه العملية قبيل إجراء الانتخابات الرئاسية المقررة في مارس/آذار القادم، وهي الانتخابات التي أثارت حالة من الجدل بسبب عدم وجود منافسين حقيقيين أمام السيسي بعد إجبار المرشحين المحتملين كافة على التراجع إما بالانسحاب كما حدث مع 3 منهم (أحمد شفيق - محمد أنور السادات - خالد علي) أو الاعتقال كما حدث مع (سامي عنان وأحمد قنصوة)، ولم يعد أمام السيسي سوى مرشح واحد فقط تم الدفع به في اللحظات الأخيرة في محاولة لإخراج المشهد بصورة أقل قتامة مما عليه، وحتى هذا الأخير باتت مشاركته محل شك بعد الطعن عليه بسبب بعض المخالفات.

البعض هنا ذهب إلى احتمالية عدم إجراء انتخابات بالمرة وأن تسير الأمور في إطار التجديد بالتزكية أو على الأقل يخفت الزخم الإعلامي المضاد لها نظرًا لظروف الحرب التي تمر بها مصر في مواجهة الإرهاب ومن ثم على الجميع أن يصطف خلف القيادة السياسية دون النظر إلى أي إجراءات أخرى، وبهذا يتم الهروب من مأزق العملية الانتخابية خاصة بعد الانتقادات الحادة التي تعرضت لها من الداخل والخارج على حد سواء.

دلالة التوقيت أيضًا تتضح بصورة كبيرة بالعودة إلى الوراء قليلاً، وبالتحديد نهاية نوفمبر الماضي، حيث أصدر السيسي تكليفًا لكل من رئيس الأركان الفريق محمد فريد حجازي ووزير الداخلية مجدي عبدالغفار، بالانتهاء من تأمين سيناء والقضاء على نفوذ الحركات المسلحة خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر، تنتهي نهاية الشهر الحاليّ، وهو التكليف الذي أتى في أعقاب هجوم عناصر مسلحة على مسجد بلال بقرية الروضة خلال صلاة الجمعة، مما أسفر عن سقوط 300 قتيل على الأقل.

3 رسائل

التجييش العسكري والإعلامي لهذه العملية على وجه الخصوص مقارنة بغيرها من العمليات السابقة، وفي هذا السياق، المكاني والزمني، يشي بثلاثة رسائل تبعث بهم القاهرة للداخل والخارج.

الأولى: رسالة إلى الخارج.. يهدف من خلالها نظام السيسي إلى إظهار خطورة الأوضاع الأمنية التي تواجهها بلاده وتصديها للجماعات المسلحة والعناصر التخريبية، ولعل هذا يمثل ردًا على البيان شديد اللهجة الصادر عن البرلمان الأوروبي الخميس الماضي، الذي طالب من خلاله السلطات المصرية بوقف عمليات الإعدام في البلاد بحق متهمين، موجهًا إدانة حازمة للقاهرة بسبب إصدارها أحكامًا بتطبيق هذه الأحكام، إذ إن هناك ما لا يقل عن 2116 شخصًا حكم عليهم بالإعدام منذ يناير/كانون الثاني من العام 2014، فيما تم تنفيذ 81 حكمًا منها، مشيرًا إلى أن هذا النوع من العقوبة لم يتم استخدامه في فترة رئاستي محمد مرسي وعدلي منصور.

كذلك فإن التحركات التركية الأخيرة في السودان وبعض دول القارة السمراء، وما سببته تصريحات وزير الخارجية التركي قبل عدة أيام بشأن عدم الاعتراف باتفاقية ترسيم الحدود الموقعة بين مصر وقبرص من استفزاز للقاهرة وما تمخض عنها من تحذير من الجانب المصري، ربما تكون عاملاً ودافعًا قويًا تسعى بسببه السلطات المصرية إلى توصيل رسالة لأنقرة من خلال مثل هذه التحركات العسكرية.

هذا بخلاف رسائل الطمأنة لكل من الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" بمحاربة الجماعات المسلحة التي ربما تشكل تهديدًا لأمن الشرق الأوسط، وأن القاهرة على أهبة الاستعداد للمشاركة في الجهود الدولية الرامية إلى القضاء على تلك التنظيمات التي تؤرق حلفاء واشنطن في المنطقة.

تأتي هذه العملية قبيل إجراء الانتخابات الرئاسية المقررة في مارس/آذار القادم، وهي الانتخابات التي أثارت حالة من الجدل بسبب عدم وجود منافسين حقيقيين أمام السيسي

الثانية: رسالتان إلى الداخل.. الأولى: محاولة دحض ما يثار بشأن حدوث بعض الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية، خاصة في الوحدات الموجودة بمدينة الإسماعيلية (شرق القاهرة) وهي الأنباء التي تناقلتها بعض المصادر غير الرسمية في أعقاب اعتقال رئيس أركان حرب الجيش المصري الأسبق الفريق سامي عنان.

الثانية: استعادة الاصطفاف الشعبي مرة أخرى وراء النظام الحاليّ بما يستعيد بعضًا من الثقة والشعبية التي فقدت جراء الفشل في العديد من السياسات، وهو ما تثبته نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة، خاصة أن الحرب على الإرهاب تعد السلاح الأكثر فاعلية في يد السيسي للهروب من الأزمات التي يواجهها منذ توليه مقاليد الأمور.

5 تساؤلات تبحث عن إجابة

أثارت العملية منذ انطلاقها فجر أمس الجمعة، عددًا من التساؤلات لدى رجل الشارع في محاولة للبحث عن إجابة لها، في ظل حالة التعتيم المفروضة عليها، تتمحور معظمها حول خمسة محاور رئيسية.

السؤال الأول: هل للعملية علاقة بصفقة القرن؟ فرض هذا التساؤل نفسه مع الساعات الأولى لإعلان العملية الشاملة في سيناء، خاصة أنها كما ذكرنا سابقًا لم تكن ردة فعل على عملية مسلحة كما اعتاد المصريون خلال السنوات الأخيرة، البعض هنا تساءل عن العلاقة بينها وبين صفقة القرن التي نوه عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قبل عدة أشهر، وذكرها السيسي أكثر من مرة في خطابات له.

هذا التساؤل بات محل جدال لدى كثير من المصريين خاصة بعد إجراءات التهجير التي تقوم بها السلطات المصرية ضد أهالي سيناء، التي بدأت إرهاصاتها الأولى قبل ما يزيد على 3 أعوام حين تم إعلان الحرب ضد الجماعات المسلحة في سيناء، حيث تم تهجير عشرات الأسر من مناطق رفح والشيخ زويد على أمل العودة خلال أشهر قليلة، وها هي الحرب تدخل عامها الرابع دون عودة أي من المهجرين.

تأتي هذه التحركات بالتزامن مع ما يثار بشأن إخلاء بعض المناطق الواقعة بمحيط حرم مطار العريش وتهجير سكانها لمسافة ربما تقارب عشرات الكيلومترات في أعقاب استهداف إحدى الطائرات بالمطار في أثناء زيارة وزيري الداخلية والدفاع قبل أقل من شهر.

السؤال الثاني: هل تحمل هذه العملية استهدافًا للمعارضة الداخلية؟ القارئ للبيانات الثلاث الصادرة عن المتحدث الرسمي العسكري يلحظ أن جميعها تتحدث عن العمليات العسكرية، فيما عدا جملة في بيان رقم 1 أثارت قلق البعض نصت على: "بالتوازي مع مجابهة الجرائم الأخرى ذات التأثير على الأمن والاستقرار الداخلى"، وهو ما قد يفتح الباب نحو مزيد من تضييق الخناق على المعارضة والتصفية خارج القانون، خاصة أن العملية تزامنت مع بيان لوزارة الداخلية كشفت فيه مقتل 3 عناصر قالت إنهم تابعون لحركة "حسم" واعتقال 14 آخرين، هذا بخلاف مداهمة منزل نائب رئيس حزب مصر القوية واعتقاله.

5 عمليات مسلحة قام بها الجيش المصري للتصدي للجماعات المسلحة خلال الـ6 سنوات الأخيرة

السؤال الثالث: هل تهدف العملية حقًا إلى مداهمة البؤر الإرهابية؟ الإعلان المسبق عن العملية عبر مواقع التواصل الاجتماعي وما سبقها من تسريب بشأن رفع درجة الاستعداد القصوى في مجال الخدمات الطبية والعسكرية كان محل تساؤل لدى البعض، إذ إن العملية كان يجب أن تكون في نطاق السرية حتى تحقق عنصر المفاجأة، أما وأنها قد سربت قبل موعدها وبصورة رسمية فإن في هذا رسالة واضحة للعناصر المسلحة باتخاذ الحيطة والاستعداد، مما دفع بعض المحللين إلى القول بأن هناك "شو إعلامي" من وراء هذا التضخيم أكثر منه رغبة حقيقية في المواجهة.

القارئ للبيانات الثلاث الصادرة عن المتحدث الرسمي العسكري يلحظ أن جميعها تتحدث عن العمليات العسكرية، فيما عدا جملة في بيان رقم 1 أثارت قلق البعض

السؤال الرابع: هل هناك علاقة بما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" بشأن تحالف سري مع "إسرائيل"؟ حيث نشرت الصحيفة الأمريكية نهاية الأسبوع الماضي مقالاً عن طريق مراسلها ديفيد كيركباتريك، كشف فيه قيام تل أبيب بتنفيذ نحو 100 هجمة جوية في سيناء خلال العامين الماضيين بموافقة السيسي، وهو ما دفع البعض إلى الربط بين العملية الشاملة وما أثير بشأن التعاون مع الكيان الصهيوني في محاولة لغسل سمعة الجيش من هذا الاتهام الذي نفته القاهرة رسميًا.

السؤال الخامس: ما مصير أهالي سيناء بعد هذه العملية؟ شهادات بعض أهالي سيناء خلال الساعات الأخيرة عن فرض ما يشبه بالعزلة عليهم تزيد من حدة القلق، حيث تعليق الدراسة، ومنع قوات الجيش والشرطة المتمركزة على معديات قناة السويس ونفق الشهيد أحمد حمدي، من دخول أو خروج الأفراد من شمال وجنوب سيناء، كذلك إغلاق الطريق الدولي الساحلي لمحافظة شمال سيناء المار بجميع مدنها ومنع جميع المسافرين من المغادرة، هذا بخلاف غلق معبر رفح لأجل غير مسمى.