ننتظر هلال العيد ونطيل النظر إلى الشفق، هل يكون العيد غدًا؟ لكن السحب تدلهم فيغيب الشفق فنبيت في ليلة شك طويلة، فنكمل قدرنا برمضان كاملٍ، ونقول كانت ليلة شك، لا بد من الصبر حتى اليقين، تونس تعيش ليلة شك وتحلم بالعيد ولكن السحب تدلهم وتوقن أن لا مفر من قدر كامل، وها هي على عتبات الانتخاب تنتظر زعيمًا ولا تحتمل رئيسًا وتمنحنا برغمنا أو تجبرنا على الاستعانة بعلم النفس السياسي لنفهم هذا (الحيص بيص) المهيمن على شعب تحرر على الورق ومكث في كهف الشك يستجدي زعيمًا ليطمئن في سجنه المظلم خوفًا من الخروج إلى نور الديمقراطية.

من يكون رئيس تونس القادم؟ وكيف سيختار التونسيون الذين يبدو قسمًا كبيرًا منهم مرغمًا على الحرية أو نافرًا من كلفة الاختيار الحر؟

الثورة لم تنتج يقينًا

لم توفر الثورة الطمأنينة الكافية ليتسع مناخ الحرية، وقد بليت بنخبة إعلامية أقل ما توصف به أنها نخبة جنائز احترفت النواح وبث الإحباط (وللعلم هي نخبة يسارية اشتغلت عند ابن علي بأبخس الأثمان)، فوسعت حالة اللايقين واعتاشت بتخويف الناس من التغيير الديمقراطي لأن اليسار يعرف خطر الصندوق الانتخابي على وجوده.

الخوف المبرمج من الحرية توسع بفعل إعلام التثبيط اليساري إلى فئات واسعة لم يرتق وعيها السياسي إلى أكثر من المطلبية المادية، وها هي تصل إلى آخر قدرة الحكومات على الاستجابة للمطلبية، فيزداد الشك والخوف من الديمقراطية، فتظهر وبفعل نفس الأدوات الإعلامية الرغبة في خلق زعيم كاريزماتي يقود البلد إلى بر الأمان.

لقد وضع الإعلام اليساري المأجور من أدوات ابن علي المالية (الثورة لم تنقل الثروة من أيد أصحابها القدامى) في ذهن الناس أن الثورة مصيبة والخلاص لا يكون ولن يكون إلا بزعيم من طينة ابن علي أو السيسي أو بشار.

قبول المنافسة يعني بذل جهد فكري وعملي يتقدم من خلاله السياسي إلى الناس ببرامج وخطط مطمئنة تسمح بالاختيار الحر، ولكن القبول بالآخر يساوي عند هؤلاء الزعماء الصغار صفرًا كبيرًا

قد نفهم خوف العامة من المستقبل وهي التي غسلت وسائل الإعلام أدمغتها (ففيها فئة لا تزال تؤمن بأن التلفزة لا تقول إلا الحق المنزل)، ولكن ما سبب خوف النخب من الحرية؟

إن غياب زعيم فذ من المشهد السياسي أي فقدان شخصية قوية مؤمنة بالديمقراطية وقادرة على إدارة حوار عميق عن المستقبل دون التفريط في إدارة حكيمة للحظة الراهنة بكل صعوباتها، رفع من حالة اللايقين عند النخبة أيضًا، فأنتج ذلك لديها حنينًا جارفًا إلى القوة والجبروت بما كشف هشاشتها النفسية وضعف أدوات التحليل لديها وقربها إلى القطيع المرعوب.

رفض الحالة الديمقراطية المتدرجة لدى النخب أربك الزعامات الصغيرة الطموحة أو الطامعة في السلطة التي تمد أعناقها في المشهد الخائف، فهي تخشى المنافسة؛ لذلك تفكر كما يفكر لاعب أناني في فريق كرة من الهواة بمنطق (إذا لم أكن أنا فلن يكون أحد)، فقبول المنافسة يعني بذل جهد فكري وعملي يتقدم من خلاله السياسي إلى الناس ببرامج وخطط مطمئنة تسمح بالاختيار الحر، ولكن القبول بالآخر يساوي عند هؤلاء الزعماء الصغار صفرًا كبيرًا.

قد نعذر هؤلاء للحظة، فما هم إلا ثمرة السياسات الماحقة للكفاءة التي سار عليها بورقيبة وابن علي، فأعدم قدرة الشعب على صناعات قيادات/زعامات قوية، ولكن هذه حجة العاجز، فبعد سنوات سبعة من الثورة يفترض أن يكون القادرون الأكْفَاء قد عالجوا هذه النقيصة وطوروا خطابهم وخططهم لأن الديكتاتور الماحق اختفى والشعب يتلهف للتغيير.

بعد سبع سنوات لم يفرز الشارع زعامات جديدة واهترأت الزعامات القديمة والشارع مرتبك يحتمي بخوفه من التغيير بحلم ديكتاتور، فالمهم الآن ليس الحرية بل الأمان الجسدي، وعلى الألسنة الخائفة يتردد القول البائس: ماذا نفعل بالحرية؟ ويذهب بؤس البعض إلى حد التغزل بالسيسي في مصر دون حساب الأرواح المحروقة.

على عتبات 2019.. من يكون الرئيس؟

لم يتغير المشهد منذ 2014 (تاريخ وضع رجل عجوز مستنفد الصلاحية على رأس الدولة التي يفوق عدد سكانها الشباب الـ50%)، ولكن إلى أي حد يمكن استدامة خريطة انتخابات 2014؟

نشهد تفكك حزب النداء وتحوله إلى أصل تجاري لدى الرئيس وابنه

ننظر فنرى الشارع منقسم بين المصوتين ضد حزب النهضة دون إيمان ببديل ديمقراطي وهم الذين تجمعوا مع الرئيس الحاليّ بالتخويف والترهيب من البديل الإسلامي والمصوتين مع الثورة وهم الذين صوتوا للرئيس المنصف المرزوقي (بمن فيهم قاعدة حزب النهضة) دون قدرة على خلق استمرارية تصويت، وكثير من غثاء ذهب هدرًا نفورًا من الطرفين في الدور الثاني.

إن انكسار العلاقة بين حزب النهضة والدكتور المرزوقي، قسم ظهر التصويت المفيد ضد النظام القديم، (فقد كان في هذا الجانب تصويت للثورة مفيد أو عقابي ضد تصويت مفيد أو عقابي للنظام القديم)، هرب الإسلاميون من المرزوقي ومن طهوريته الثورية المكلفة لهم، ورد المرزوقي الفعل منكرًا الوضع الخاص الذي يعيشه الإسلاميون خاصة بعد انقلاب مصر (رغم صداقته الكبيرة مع الرئيس مرسي السجين)، فتعمقت القطيعة حتى وصلت إلى عدم تبادل التحية في المحافل الرسمية.

لقد فقد المرزوقي بذلك قواعد النهضة التي تكن له الاحترام بخلاف الكثير من قيادات الحزب، وفقدت النهضة خيارًا غير معاد لها في المشهد الداخلي، وانكسار هذه العلاقة جعل الثورة تخسر احتمالات كثيرة كان يمكن أن تؤلف ضد النظام القديم، وتواصل بث الأمل في ترميم صف الثورة، وكشف احتمالات التغيير السلمي المتدرج تحت سقف الدستور الذي كان ثمرة هذا التحالف (نهضة مرزوقي).

في المقابل نشهد تفكك حزب النداء وتحوله إلى أصل تجاري لدى الرئيس وابنه، مع عجز كامل على إفراز وجه سياسي قادر على التجميع على أسس غير معاداة حزب النهضة والرئيس المرزوقي، ونشهد أنه كلما اختنق الحزب في قضية ترجُّ شعبيته سارع إلى إبراز عداوته المبدئية لحزب النهضة وتقديم نفسه كحصن تقدمي أخير ضدها، معولاً أن يستعيد أجواء التخويف منها في انتخابات 2019، وهو لا يستعمل هذا الملف في الداخل فقط، بل يقدم نفسه للغرب المعادي بطبيعته للأحزاب الإسلامية كحل وحيد يجب دعمه لحماية أوروبا من الإسلاميين (وهذا سر منع الرئيس الفرنسي من مقابلة راشد الغنوشي في زيارته الأخيرة).

ليلة الشك مستمرة وما هذا إلا حديث أولي عن حيرة شعب حرر نفسه بدمه فاستعبدته نخبه بخوفها من الحرية والصبر على مكاره التغيير الطويل النفس

الجميع بداخل النداء يسأل مَنْ بعد الباجي؟ والباجي يعرف مكانته وأهميته في مرحلة اللايقين، لذلك يروج لتأجيل الانتخابات وطرح خيار التمديد على طريقة عباس في رام الله، فما دام الغرب (الموقف الأوروبي والأمريكي) قابلاً بعباس خوفًا من حماس، يمكن أن يقبل بالباجي خوفًا من الغنوشي، هنا تمتد ليلة الشك الطويلة وننتظر العيد، فلا يصل إلا في ميقاته وليس لعيد الديمقراطية ميقات معلوم.

نحتاج جورج وياه

في سواد ليلة الشك نسخر بمرارة، لقد عثر أهل ليبيريا على لاعب كرة قدم شاب ووسيم فقدموه للرئاسة، ولقد نظرنا فوجدنا لاعبينا أقل براعة ووسامة من سياسيينا، فما منهم إلا باحث عن عقد مجز ولو لجمع الكرات التائهة في فريق أوروبي، فحرمنا من احتمال تحويل نجم كرة فنان إلى رئيس.

كيف نخترع لنا رئيسًا يرضي حب بعضنا إلى الزعامة، فيطمئن من خوف ويرضي رغبة بعضنا في رئيس تكنقراط يصول ويجول بالقانون دون البلاغة الفارغة من قبيل رمي "إسرائيل" في البحر، ليلة الشك مستمرة وما هذا إلا حديث أولي عن حيرة شعب حرر نفسه بدمه فاستعبدته نخبه بخوفها من الحرية والصبر على مكاره التغيير الطويل النفس.

الطريق طويل والشك مستمر، ولقد جربنا الجميع فلم يفلح أحد والانقسامات الداخلية لا تزال تعصف بالتجربة، وقد توقف التخويف بنموذج ليبيا عن الفعل في نفوسنا، وبعضنا يقول ما قال مظفر النواب إن خرابًا بالحق بناء بالحق، ولكن هذا لا يقصر ليل التحولات العميقة، فمن سيدفع الثمن غير فقراء البلد، يا لفقراء البلد كم يحملون من أعباء ثقيلة في ليلة الشك الديمقراطي حيث تغيب النخب داخل جحورها خوفًا، وتطلب من العامة أن تفعل شيئًا، إن نذر خراب كبير تلوح، وإني مطلق نفيرًا أن قد أزف أوان الحرب على النخب الخانعة، فالبلد يضيع.