شهر فبراير، ذاك الكابوس المخيم على كرة القدم المصرية عند حلوله، خوفًا من تكرار مصائب حلّت، راح ضحيتها العشرات، إنه شهر الحزن في أرض الكنانة، حيث اختلطت الدموع بالدماء، ومشاعر الحزن بالغضب، والأسى بالكمد، في ذات الشهر كانت مأساة بورسعيد وأحداث إستاد الدفاع الجوي، وفي الاثنين كانت الضحية واحدة: جمهور لا يبغي شيئًا غير مشاهدة كرة القدم.

قد يكون الأمر صدفة، وقد يكون غير ذلك، لكن تسارع هذه الأحداث ووقوعها بهذا التاريخ، أشبه بعِقاب لشعب يشهد خلال الشهر الذي يسبقه واحدة من أجمل ذكريات البلد: ثورة 25 يناير.

فبراير يُعاقب يناير، لكن ما ذنب أولئك الضحايا وتلك الأمهات اللاتي ثكلن أولادهن لأفعال حمقاء وجرائم نكراء أصبحت نقطة سوداء في تاريخ كرة قدم مصر، وكارثة لا تزال تبعاتها حتى هذه اللحظة، صارت مباراة كرة قدم في مصر يُتأهب لها كما لو أنها حرب عالمية قد تنشب في أي لحظة، بعدما كان الجميع يرى في هذه اللعبة وفي هذا البلد بالذات مصدر شغف وحماس ينجذب له العالم بأسره.

ونحن صغار، كُنا نرى قمة الأهلي والزمالك نظيرة لكبرى مباريات الكرة الأوروبية، استمتع العالم العربي بإبداع بيبو وتألق حسام غالي، وأشاد بشخصية حازم إمام وأهداف حسام حسن، وذات الأمر انطلى على منتخب الفراعنة الذي اكتسح القارة الإفريقية عبر الفوز باللقب القاري 3 مرات متتالية.

ثم فجأة، ما بين ليلة وضحاها، اختفى كل شيء، واندثرت كرة القدم الجميلة لأن السياسة حكمت بتعكير الصفو وتدمير بقعة الأمل الوحيدة التي تشبث بها شعب عانى الأمرين يوم عزم على الوقوف والمطالبة بحقه، لقد عوقب هذا الشعب أشد العقاب.

أحداث بورسعيد.. جريمة في حق الأبرياء



جماهير الأهلي تُخلد ضحايا أحداث بورسعيد خلال مباريات الفريق

الأول من فبراير 2012، مباراة أخرى من الدوري المصري بين الأهلي والمصري البورسعيدي، كانت الأمور تدعو إلى الشك بسبب أحداث شغب حصلت قبل المباراة، لكن لا أحد تخيّل أن الكارثة ستحصل، وسيُفارق الحياة بسببها 74 شخصًا، 72 منهم كانوا من جماهير النادي الأهلي.

شهداء عيان ممن نجوا من هذه الفاجعة يروون الأحداث التي تؤدي لمنحى واحد: أن الجريمة مُفتعلة، وليست أبدًا ضربًا من ضروب شغب الملاعب، يقول أحد الناجين من مشجعي النادي الأهلي: "جمهور المصري اللي هو الأداة، مدير الأمن، مسؤولي الإستاد، المسؤول اللي طفى النور واللي قفل الباب، كل دول كانوا مسؤولين عن تأمين المباراة، بورسعيد كلها أساسًا حافظين بعض ما تقوليش بلطجية، جمهور المصري عارف كويس أوي مين اللي عمل".

وبنفس السياق يتحدث أحد مشجعي نادي المصري: "أنا أقدر أقولك في أشكال غريبة كانت موجودة في الإستاد فعلاً، يعني تقدر تقول 10-15 سنة بخش المدرج ده، وعارفين أغلبية الناس وعارفين أغلبية الأشكال".

أحداث إستاد الدفاع الجوي بسبب 20 جنيهًا



أحداث استاد الدفاع الجوي.. اشتباكات وضحايا

20 شخصًا ماتوا بسبب 20 جنيهًا أو لعلها الرواية التي أراد مُفتعل الجريمة أن يصدقها العالم، لكارثة ما قبل مباراة الزمالك وإنبي، بإستاد الدفاع الجوي.

8 من فبراير 2015، تاريخ أسود للموسم الأول الذي قررت فيه كرة القدم المصرية إرجاع الثقة بعض الشيء بالجمهور منذ مأساة بورسعيد التي أسفرت عن تجميد الأنشطة الكروية بالبلد، أعقبتها عودة للفعاليات دون جمهور، قبل القرار الأخير بإعادة الأمور لمجاريها، بإرجاع الجماهير مرة أخرى لمدرجات الملاعب، فكُرة القدم لا تساوي شيئًا دون جمهور متحمس يملأ الملعب أهازيجًا.

فكرة القدم للجماهير، وثقافة التشجيع جزء أساسي من منظومة كرة القدم وتقاليدها المقدسة، لكن يبدو أن الأمر كان مُبكرًا على اتخاذ مثل هذه الخطوة، وحدث ما لم يكن يُرجى حدوثه.

يقول أحد شهود العيان: "كنا نتصرف بشكل طبيعي، الجميع كان يغني، كنا سعداء، وفجأة بدأوا بإلقاء قنابل الغاز، وبدأ الناس في الهرب"، ويتابع آخر: "ثم انهارت بوابة حديدية وعلق بعضنا تحتها، وكان الجنود يسحقون الناس، والناس يموتون، يموتون".

الداخلية المصرية نشرت بيانًا قالت فيه إن الشرطة اضطرت لهذا التدخل لأن الجماهير كانت تُحاول الدخول للملعب عنوة، الأمر الذي نفته جماهير التي تداولت على مواقع التواصل الاجتماعي صورًا لتذاكر المباراة مؤكدة أن حجة الداخلية واهية، ومهما كان الحال، فإن العذر أقبح من الزلة، أو كما عبرت إحدى الناشطات على موقع تويتر قائلة: "غير مقبول أن يموت الناس من أجل تذاكر ثمنها 20 جنيهًا، لكن قيمة حياتك أقل من ذلك".

لقد كره الكثيرون كرة القدم بسبب هذه الأحداث، ومع حلول شهر فبراير الأسود، تعود تلك الذكريات مرة أخرى ويعود أسر وأصدقاء شهداء هذه الأحداث لنشر صور الضحايا تخليدًا لذكراهم، حتى الشباب الذين أرادوا النأي بآلام وأحزان ثورة يناير، وإيجاد سلواهم في القميص الأحمر أو القميص الأبيض أو أي لون من ألوان قمصان الفرق المصرية، اشتاق الجميع لاستعادة المواضيع القديمة في المقاهي، عن كرة القدم وأحداث الدوري.

استُبدل كل ذلك فالحديث عن الشهداء والضحايا، وفقدت كرة القدم في مصر بريقها المعهود، رغم عودة كرة القدم للحياة في البلد مرة أخرى، صحيح أن المحاكمات عُقدت والأحكام صدرت ما بين براءة وإعدام، لكن ما حدث قد حدث، ومن مات قد مات، ستستمر الحياة وفي سجل الكرة المصرية نقطة سوداء شاء القدر أن تُختم في شهر فبراير.