في الوقت الذي تشهد فيه الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فضلاً عن السياسية تدهورًا كبيرًا في موريتانيا، انكبّ معظم رجال نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز على إصلاح حزبهم الحاكم استعدادًا للمحطات الانتخابية القادمة، دون أن يولوا اهتمامًا لأوضاع البلاد التي تصفها المعارضة بـ"المأساوية"، فيما تصفها تقارير لمنظمات دولية بـ"الخطرة"، فهل تؤدي سياسات ولد عبد العزيز إلى انفجار الوضع في البلاد؟

لملمة صفوف المولاة

بعد انتهائه من الحوار الوطني الذي قاطعته المعارضة، ركّز الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز على إصلاح حزبه الحاكم استعدادًا للانتخابات النيابية والبلدية والجهوية المقررة خلال العام الحاليّ وانتخابات الرئاسة المقررة منتصف العام المقبل.

وكلّف ولد عبد العزيز لجنة بإصلاح حزبه حزب الاتحاد، وتضم اللجنة التي ينسق أعمالها وزير الدفاع جالو أمادو باتيا، العديد من الوزراء في حكومة الوزير الأول يحيى ولد حدمين، وعلى الخصوص وزير الاقتصاد والمالية المختار ولد أجاي، ووزير المعادن والنفط محمد ولد عبد الفتاح، ووزير التكوين المهني سيدنا عالي ولد محمد خونه، ووزيرة الإسكان آمال بنت مولود، والأمين العام لوزارة الداخلية محمد ولد اسويدات، ورئيس الحزب سيدي محمد ولد محمد.

حتّمت هذه الأزمة بالنائب محمد ولد ببانه، إلى الاستنجاد برئيس البلاد محمد ولد عبد العزيز للتدخل بشكل سريع وفوري لإيجاد حل لها

ويعيش حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم بموريتانيا، أزمة داخلية ظلت صامتة خلال الأشهر الماضية، قبل أن تظهر إلى العلن بشكل تدريجي خلال الأسابيع الماضية، بين مدافع عن سياسة الحكومة ورئيسها، ومتهم لها بعدم الانسجام مع مبادئ الحزب الذراع السياسية للنظام وتوجهاته.

بدأت هذه الأزمة قبل أشهر، بتوتر غير معلن بين رئيس الحكومة يحيى ولد حدمين وعدد من وزرائه من جهة، ورئيس الحزب سيدي محمد ولد محمد وعدد من نواب الحزب في البرلمان من جهة أخرى، الأمر الذي دعا النائب البرلماني عن حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم محمد ولد ببانه، إلى الاستنجاد برئيس البلاد محمد ولد عبد العزيز للتدخل بشكل سريع وفوري لإيجاد حل لهذه الأزمة.

البلاد في "خطر"

تركيز الرئيس محمد ولد عبد العزيز على إصلاح البيت الداخلي لحزبه الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم وتكليف وزراء في الحكومة بذلك، يؤكّد تداخل أجهزة الحزب الحاكم مع أجهزة الدولة في موريتانيا، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأوضاع في هذا البلد العربي.

وفي بيان له، الأربعاء الماضي، قال المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة التي تضم غالبية الأحزاب والنقابات والحركات السياسية المعارضة: "النظام حوّل الحياة إلى مأساة يكابدها كل مواطن في عيشه اليومي، يعيشها في تدهور أحواله المعيشية، يعيشها في دوائه، يعيشها في تعليم أبنائه، يعيشها في تراكم الضرائب على نشاطاته، يعيشها في كل مناحي حياته".

في بيان لاحق نشره المنتدى السبت الماضي، طالب المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة بوقف ما أسماه "سياسات التجويع" التي ينتهجها النظام الموريتاني، وقال المنتدى في بيانه إن الأسر الموريتانية تعاني من ضيق ذات اليد وصعوبة العيش، "في ظل سياسات النظام المتمثلة في تجويع وإفقار المواطنين، ونهب خيرات البلد وتحويلها إلى جيوب وحسابات ثلة قليلة من الدائرة المقربة من رأس النظام" حسب تعبير البيان.

وأضاف المنتدى المعارض أن الظروف المعيشية للسكان "أصبحت لوحة قاتمة تتشكل من انعدام الأمن والقمع وارتفاع الأسعار والضرائب المجحفة والبطالة وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية والعطش".

انتقد رئيس حزب اتحاد قوى التقدم والرئيس الدوري لمنتدى المعارضة بموريتانيا محمد ولد مولود بشدة تصرفات نظام الرئيس

من جهته اتهم زعيم المعارضة في المجلس الدستوري الموريتاني الحسن ولد محمد السلطات الحاكمة بتعطيل دور مؤسسات الدولة، وأكد زعيم مؤسسة المعارضة خلال عرضه الحصيلة السنوية لمؤسسته، امتناع النظام عن تقديم المعطيات والمعلومات اللازمة عن عمل الحكومة "رغم مراسلتها من طرف المؤسسة، كما راسلت المجلس الدستوري الذي رفض التدخل".

واعتبر الزعيم أن النظام الحاكم يخاف من قيام مؤسسة المعارضة بدورها لأنها ستكشف تقصير الحكومة وفشلها، مؤكدًا "أن المؤسسة غير مستعدة لتجميل وجه النظام المحتاج لذلك ولن تتعامل معه تحت الطاولة على حساب المواطن"، وأشار ولد محمد خلال عرضه إلى أن سنة 2017 كانت كارثية على الشعب حيث تم خلالها تنظيم انتخابات غير توافقية أعادت البلاد لعهد التزوير والتضييق غير المسبوق على الحريات والارتفاع المذهل للأسعار، وفق تعبيره.

بدوره انتقد رئيس حزب اتحاد قوى التقدم والرئيس الدوري لمنتدى المعارضة بموريتانيا محمد ولد مولود بشدة تصرفات نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز تجاه الشعب، مؤكدًا أن تلاعبه بالثورة وتسخيرها لمحيط ضيق يقود البلد إلى المجهول، وقال ولد مولود في مهرجان للمعارضة بشأن موجة غلاء الأسعار، إن موريتانيا تعيش أوضاعًا سياسية واقتصادية واجتماعية صعبة، والشعب معرض لمجاعة كبيرة بسبب الجفاف الماحق وارتفاع الأسعار والسياسيات الحكومية العرجاء".

في غضون ذلك، قال منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته أمس إن الحقوقيين في موريتانيا يواجهون القمع عندما يُثيرون القضايا الاجتماعية الأكثر حساسية في البلاد، وتشمل هذه القضايا التمييز العرقي والفئوي والرق والحاجة إلى المساءلة بشأن حملة من الفظائع ارتكبت ضد جماعات معينة قبل 3 عقود.

أسلوب احتجاجي جديدة في موريتانيا

مؤخرًا صنف "صندوق السلام" (غير حكومي ومقره واشنطن)، موريتانيا ضمن الدولة المهددة على الصعيد العالمي، حيث وضعها في المنطقة الحمراء، وبنسبة خطر تبلغ 93.7 من أصل 120 درجة، وهو ما يجعلها في المرتبة الـ28 عالميًا، ويصنف مؤشر الدول الهشة الذي يعده الصندوق - وهو هيئة بحثية دولية مستقلة - سنويًا الدول على أساس 12 محددًا لقياس مدى هشاشة الدول، ويرتبها حسب تعرضها للخطر، وبقيت موريتانيا ضمن نفس الرتبة التي حلت فيها العام الماضي.

وتدحرجت موريتانيا خلال السنوات الماضية على سلم هذا المؤشر، حيث كانت في العام 2008 في المنطقة البرتقالية، وفي الرقم 47، وبنسبة خطر تبلغ 86.1 من أصل 120، وحلت موريتانيا بعد مالي المجاورة التي جاءت في الرتبة 31، والسنغال التي جاءت في الرتبة 60، فالجزائر في الرتبة 77، والمغرب في الرتبة 84.

تحركات ميدانية

بالتزامن مع هذه البيانات، نظّمت المعارضة العديد من التحركات الاحتجاجية في الشارع الموريتاني، آخرها تلك التظاهرات التي احتضنتها الأحياء الشعبية للعاصمة نواكشوط، حيث رفعت فيها بعض النساء مراجل خاوية احتجاجًا على الغلاء، وتعبيرًا عما تعانيه الأسر الموريتانية من صعوبة في العيش.

ضمن الاحتجاجات أيضًا، أعلنت نقابتا الأطباء الأخصائيين، والعاملين في موريتانيا مضيهما في التحضير لإضراب تدريجي يبدأ يوم 26 من فبراير الحاليّ، وأكدت النقابتان أن "الإشعار بالإضراب جاء بعد أن استنفدنا كل الحلول وبعدما لم تقدم الوزارة أي استجابة لأي من المطالب المعروضة".

هذه التجاذبات الحادة بين النظام والمعارضة من الموريتانية من شأنها، حسب عديد من المتابعين للشأن العام في موريتانيا، أن تزيد من حدّة الوضع

فيما تواصل خمسة اتحادات طلابية موريتانية، تنظيم تظاهرات يومية أمام مقر وزارة التعليم العالي والمؤسسات التعليمية، للمطالبة بالتراجع الفوري عن القرار الأخير القاضي بحرمان آلاف الطلاب الموريتانيين في الداخل والخارج من منحهم، مع وضع حد لمعاناة الطلاب اليومية الذين يئنون تحت وطأة رداءة المنظومة الخدمية.

هذه التجاذبات الحادة بين النظام والمعارضة من الموريتانية من شأنها، حسب عديد من المتابعين للشأن العام في موريتانيا، أن تزيد من حدّة الوضع هناك، خاصة مع تشبّث النظام بالمضي قدمًا في سياساته وتجاهل المعارضة الديمقراطية في البلاد.