لم تستمر تصريحات المستشار هشام جنينة الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات (أعلى جهاز رقابي حكومي في مصر) بشأن امتلاك الفريق سامي عنان الرئيس الأسبق لهيئة أركان الجيش المصري، وثائق تدين بعض الشخصيات وتكشف المستور عن فترة ما بعد ثورة 25 من يناير/كانون الأول 2011، طويلاً، حتى جاء الرد أسرع مما توقعه الكثيرون.

فبعد ساعات قليلة من نشر حوار جنينة الذي أجراه لموقع "هاف بوست عربي" أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة المصرية، مساء أمس الإثنين، اعتزام إحالة كل ما جاء فيه من تصريحات إلى جهات التحقيق المختصة.

المتحدث الرسمي باسم الجيش المصري تامر الرفاعي، قال في بيان له على صفحته الرسمية على "فيسبوك": "في ضوء ما صرح به المدعو هشام جنينة عن احتفاظ الفريق مستدعي سامي عنان بوثائق وأدلة يدعي احتواءها على ما يدين الدولة وقيادتها، وتهديده بنشرها حال اتخاذ أي إجراءات قانونية قبل المذكور، وهو أمر بجانب ما يشكله من جرائم يستهدف إثارة الشكوك عن الدولة ومؤسساتها، في الوقت الذي تخوض فيه القوات المسلحة معركة الوطن في سيناء لاجتثاث جذور الإرهاب".

وأضاف البيان: "تؤكد القوات المسلحة أنها ستستخدم الحقوق التي كفلها لها الدستور والقانون في حماية الأمن القومي والمحافظة على شرفها وعزتها، وأنها ستحيل الأمر إلى جهات التحقيق المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية قبل المذكورين".

وقبل قليل ألقت قوات الأمن القبض على جنينة، وبحسب شهادة ابنته فإن ما يقرب من 30 رجل شرطة اصطحبوا أباها من منزله في إحدى ضواحي القاهرة في سيارة، وأضافت أنها شاهدت الواقعة لكن لا تعرف الجهة التي اقتادوه إليها، وإن أشارت بعض المصادر إلى بدء التحقيق معه أمام النيابة العسكرية، بعد إقرار نيابة أمن الدولة بعدم اختصاصها في التهم المنسوبة إليه.

بئر الأسرار

عبر جنينة خلال حواره عن تخوفه من تعرض عنان للاغتيال في ظل تربص بعض الأجهزة به بسبب إعلانه الترشح للانتخابات الرئاسية المقررة مارس/آذار القادم، ملمحًا إلى إمكانية تكرار سيناريو المشير عبد الحكيم عامر مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات لفت إلى أن رئيس أركان حرب الجيش المصري الأسبق أخبره بالكثير من الحقائق المخفية عن الرأي العام خلال الفترة ما بين 25 من يناير/كانون الثاني 2011 وحتى 30 من يونيو/حزيران 2013، التي لعبت دورًا كبيرًا في الوصول إلى المرحلة الحاليّة.

وفي حديثه كشف أن عنان لديه وثائق وأدلة - أسماها جنينة "بئر أسرار" - وأنها ستغيّر مسار المحاكمات السياسية وتدين أشخاصًا آخرين، كما أنها ستميط اللثام عن "الطرف الثالث" الذي قام بالعديد من الجرائم السياسية في مصر عقب ثورة 25 يناير، ومنها كيفية اغتيال مدير المخابرات المصرية الأسبق عمر سليمان، واغتيال عماد عفت، معبرًا عن ذلك بقوله: "عنان يملك مخزن أسرار بالمستندات والأدلة".

وأضاف أن تلك الوثائق ليست موجودة في مصر، حيث قام الفريق بإخراجها خارج البلاد، وربط الكشف عنها بتعرض حياته للخطر، وهو التصريح الذي أثار حفيظة الكثيرين، خاصة أنه ألمح إلى بعض الأجهزة السيادية والشخصيات التي تتبوأ مكانة مرموقة في الوقت الراهن دون أن يسميها.

ناصر أمين: أعلن بصفتي محامي الفريق سامي عنان بأن كل ما جاء من تصريحات للمستشار هشام جنينة منسوبة للفريق سامي عنان، هي أقوال عارية تمامًا من الصحة وغير صحيحة ولا تمت للواقع بصلة

ما العلاقة؟

بعيدًا عن التساؤلات الشرعية المرتبطة بتصريحات جنينة عن وثائق عنان، ولماذا لم يتم الكشف عنها حتى الآن؟ فضلاً عن حق الشعب في معرفة تلك الحقائق التي يدفع الآلاف ثمن إخفائها، ومدى ما تشير إليه من صراع أجنحة داخل المؤسسة العسكرية وإخراج الشعب من دائرة حسابات السلطة، إلا أن السؤال الأبرز الذي فرض نفسه كان: ما علاقة المتحدث العسكري بتصريحات جنينة؟ وهل من المتعارف عليه أن تنتفض القوات المسلحة لتصدر بيانًا رسميًا عبر متحدثها العسكري للرد على تصريحات شخص أيًا كان موقعه خاصة أن تصريحات الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات لم تتطرق إلى الجيش لا من قريب أو بعيد ولم تلمح بأي إدانات أو انتقادات لرموزه؟

حالة من الانقسام صاحبت بيان المتحدث العسكري، بين من يرى ذلك استشعارًا واضحًا للقلق مما تتضمنه هذه الوثائق حال ثبوت امتلاك عنان لها فعلاً، ومدى ما يمكن أن تثيره من تداعيات سلبية قد تغير الخريطة السياسية للمشهد الراهن، مما يتطلب الرد بأقصى سرعة للحيلولة دون الكشف عن مزيد من التفاصيل عنها.

وفي المقابل هناك من يؤكد أن رد فعل المؤسسة العسكرية وبحسب بيانها الرسمي يشير إلى "كذب" جنينة في تصريحاته، وأنها لا تعدو كونها محاولة ابتزاز لتقوية موقف عنان من جانب، وموقفه الشخصي من جانب آخر، خاصة بعد تعرضه لمحاولة اغتيال قبل عدة أيام على أيدي عدد من البلطجية قال إن جهة سيادية قوية تقف ورائهم.

هناك من ذهب إلى أن هذه التحرك إنما يأتي في إطار الضغط على عنان، خاصة في أعقاب قرار التحفظ على أمواله وأسرته، لإثناءه عن موقفه الرافض للاعتذار عن قرار ترشحه

جنينة وحيدًا

بعد دقائق قليلة من بيان المتحدث العسكري، خرج ناصر أمين محامي عنان، لينفي تصريحات جنينة ووجود أي وثائق لدى موكلة، حيث كتب على صفحته الشخصية على "فيسبوك" يقول: "أعلن بصفتي محامي الفريق سامي عنان بأن كل ما جاء من تصريحات للمستشار هشام جنينة منسوبة للفريق سامي عنان، هي أقوال عارية تمامًا من الصحة وغير صحيحة ولا تمت للواقع بصلة".   

وأضاف "سوف نتخذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد كل من أدلى أو يدلي بتصريحات صحفية أو إعلامية ينسب فيها أي أقوال أو أفعال للفريق سامي عنان تؤدي إلى المساس بموقفه القانوني وتعرضه لخطر المساءلة القانونية والاجتماعية".

بدوره خرج سمير عنان نجل الفريق المعتقل، لينفي ما جاء في تصريحات جنينة، ملمحًا إلى وجود مخطط إخواني يستهدف إشعال مصر وإثارة الفتنة، حسبما نقل عنه البرلماني مصطفى بكري، عبر حسابه الشخصي على "تويتر".

بكري في تدوينة له كتب يقول: "اتصل بي الدكتور سمير نجل الفريق سامي عنان منذ قليل، ونفى صحة ما صرح به هشام جنينة من ادعاءات وأكاذيب ضد الجيش المصري"، وتابع: "سمير قال إنه كلف محامي والده بتقديم بلاغ ضد هشام جنينة في أقرب قسم شرطة، وقال إن ما صرح به هشام جنينة، يثبت وجود مخطط إخواني قذر يستهدف إشعال البلاد وإثارة الفتنة".

وأكمل: "قال سمير سامي عنان: والدي كان شريكًا في هذه المرحلة، فكيف يدعي كذبًا على نفسه والآخرين، ووالدي ينأى بنفسه عن هذه الأكاذيب"، وتساءل: "لو كان هذا الكلام صحيحًا، لماذا لم يقله بعد يوم أو يومين من قرار استدعاء الفريق سامي عنان، ونفى أكاذيب جنينة عن والده وقال إنني زرت أبي أكثر من مرة، وأكد لي أنه يُعامل باحترام بالغ من الجميع، وقال إن هشام جنينة بادعاءاته وأكاذيبه يخدم مخططات الإخوان وأعداء مصر".

هل يسجن؟

من المتوقع أن يواجه الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات عقوبة السجن حال ثبت كذبه فيما أدلى به بشأن وثائق عنان، بتهمة "نشر شائعات تهدد الأمن القومي"، حسبما أشار اللواء سيد هاشم المدعي العام العسكري الأسبق في مصر.

هاشم في تصريحات له أشار إلى أن العقوبات في "الجناية" تبدأ بالسجن من 3 سنوات إلى 15 عامًا، موضحًا أنه: "في حالة إنكار المستشار هشام جنينة للتصريحات المنسوبة له في أثناء التحقيق معه في النيابة العسكرية، وإثبات النيابة لها، فإنه سيواجه عقوبة من 3 إلى 15 عامًا"، موضحًا أنه إذا كان عنان يحتفظ بوثائق وجنينة شاهدًا على ذلك، فهذا أمر يخص القضاء العسكري، مشيرًا إلى أنه لا يوجد في الدولة موظف يحمل بعد نهاية خدمته وثائق ومستندات تابعة لعمله.

حالة من الانقسام صاحبت بيان المتحدث العسكري، بين من يرى ذلك استشعارًا واضحًا للقلق مما تتضمنه هذه الوثائق حال ثبوت امتلاك عنان لها فعلاً، ومن يؤكد أن رد فعل المؤسسة العسكرية وبحسب بيانها الرسمي يشير إلى "كذب" جنينة في تصريحاته

ماذا عن عنان؟

رغم التحرك السريع للسلطات العسكرية ضد جنينة، غير أن البعض طالب بالانتظار حتى يتحدث عنان بنفسه، إذ إنه من المستبعد أن يدلي شخص بحجم رئيس سابق لأكبر جهاز رقابي في مصر بمثل هذه التصريحات دون إذن من صاحبها أو تأكد من صحتها، خاصة وهو يعلم يقينًا بحكم الوظائف التي تقلدها (ضابط ثم مستشار ثم رئيس للجهاز المركزي للمحاسبات) ما يمكن أن يترتب عليها من ملاحقات قد تعرض حياته للخطر حال كذبها.

قرار محامي عنان بتقديم بلاغ ضد جنينة لدفع ما صرح به بحق موكله، جاء بناء على طلب من نجل الفريق الذي يسعى بكل السبل لتقليل حجم الضغوط والاتهامات الموجهة ضد والده، حتى ولو كان ذلك عبر اتهام نائبه ومساعده، وهو ما قد يتفهمه الكثيرون لتبقى شهادة عنان نفسها هي الفيصل في هذه المسألة.

وفي المقابل هناك من ذهب إلى أن هذه التحرك إنما يأتي في إطار الضغط على عنان، خاصة في أعقاب قرار التحفظ على أمواله وأسرته، لإثناءه عن موقفه الرافض للاعتذار عن قرار ترشحه، وذلك عبر مساومته، حريته مقابل الصمت، لكن يبقى السؤال: هل يكون جنينة كبش الفداء لهذه الصفقة؟ وهل يصمد عنان أمام تلك الضغوط أم يرضخ؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة.