لم يكن يتوقع أي من كان يدعو المملكة العربية السعودية لمواصلة مهامها القتالية والتدميرية في اليمن أن تلعب بأوراق سياسية، أحدها تكون ورقة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي نفسه، لا سيما أنه الشماعة التي جمعت الرياض ما يزيد على 11 دولة من أجل إعادته إلى كرسي الحكم بعد أن كان قد تركها وقدم استقالته للبرلمان اليمني في سبتمبر 2014، ومن ثم فرَ هاربًا نحو عدن.

في الآونة الأخيرة، تحدث نشطاء سياسيون يمنيون أن الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي فُرض عليه الإقامة الجبرية، وهو ما كان يبدو حديثًا مستبعدًا، لأن السعودية ذاتها تقاتل من أجل إعادته إلى الرياض، فكيف ستفرض عليه الإقامة الجبرية؟ ولماذا؟ وما دوافع ذلك؟

تتحدث دائمًا الناشطة السياسية اليمنية والحائزة على جائزة نوبل توكل كرمان، أن الرئيس هادي تحت الإقامة الجبرية أو محتجز منذ فترة، وتطالبه بأن يبحث عن وطن آخر يدير الدولة منه!

لا أحد من السياسيين أو ذوي الشأن الرفيع أو على الأقل في اليمن كان يأبه لما تقوله توكل كرمان، ربما بسبب مواقفها المتحولة خلال الفترة الأخيرة، خصوصًا بعد مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، فيما يخص موقفها من السعودية أو الإمارات العربية المتحدة أو من الحرب ككل في اليمن، وتدعو إلى مصالحة وتقارب مع الحوثيين، كونهم شركاء في ثورة 2011.

لكن وزير الدولة في اليمن صلاح الصيادي، أشار في منشور له على الفيسبوك في 11 من مارس 2018، أن الرئيس هادي تحت الإقامة الجبرية من خلال مقارنته برئيس الحكومة اللبنانية عندما احتجزته المملكة العربية السعودية في نوفمبر 2017 بسبب قضايا فساد، وأفرجت عنه بضغط دولي.

وأشار الصيادي إلى أن الرئيس عبد ربه منصور هادي محتجز في السعودية، مطالبًا اليمنيين بالتظاهر والاعتصام حتى عودته سالمًا، كما حدث مع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري.

صلاح الصيادي، وهو زير الدولة في حكومة بن دغر، تحدث في حسابه بغرض إثارة غضب الشعب اليمني، وبنوع من الحماس والإخلاص، ولم يكن يتوقع أن تأتيه أوامر بمغادرة عدن لينضم إلى قائمة وزراء هادي الباحثين عن وطن بعد منعهم المكوث في أي من المناطق المحررة في اليمن أو في جوار الرئيس اليمني المسلوبة حريته.

هل هادي تحت الإقامة الجبرية؟

بات الأنين الذي كان يردده اليمنيون سرًا تألمًا لوضع الرئيس اليمني وبلادهم التي أكلت الحرب فيها الأخضر واليابس وشردت أبنائها، غدًا اليوم، صيحة يجاهر بها سياسيون وصحفيون ووزراء يمنيون، دون أن يكون هناك أي رد فعل من المملكة العربية السعودية أو إعلامها، وهو ما يشير إلى احتمالية ذلك الحديث إما بالحجز أو بفرض الإقامة الجبرية عليه.

لكن لا نستطيع أن نقول إن السلطات فرضت الإقامة الجبرية على الرئيس اليمني، لسبب بسيط، وهو تحركاته الدولية، وممارسة اجتماعاته الطبيعية في الرياض، لكن القول الراجح إنه محتجز.

وما يعزز هذه المعلومة، هو حديث معمر الإرياني وزير الإعلام في حكومة أحمد عبيد بن دغر، لقناة بي بي سي، عن أسباب عدم عودة الرئيس اليمني إلى اليمن رغم أن مساحة 80% تحت سيطرة القوات الموالية له التي يدعمها التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، يعود إلى مخاوف الرياض من اغتيال هادي الذي تعلق عليه آمال استمرار الحرب من أجل هزيمة المشروع الإيراني في اليمن.

ووفقًا لحديث معمر الإرياني، فإن المملكة العربية السعودية تحتجز الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، خوفًا من اغتياله، وهو ما يناقض الواقع الذي تتحدث عنه الحكومة اليمنية أنها "حررت" ما يزيد على 80% من الأراضي اليمنية، دون أن يكون لها موطئ قدم، إذَا لمن تترك تلك المساحات الواسعة.

أسباب الاحتجاز

تأتي هذه الأحداث في وقت ما زالت فيها الإمارات العربية المتحدة تعمل على قدم وساق لتجميع المقاتلين، على اختلاف هوياتهم، تحت قيادة واحدة، تمهيدًا لإطلاق عمليات عسكرية جديدة تبدأ انطلاقها في الساحل الغربي، بعد أن يتم إعلان تحالف جديد يسمى "التحالف الوطني لتحرير اليمن".

جاءت فكرة التحالف، بعد أن قتل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، وفشل هادي بأن يلملم قيادة المؤتمر الشعبي العام واليمنيين جميعًا تحت قيادة واحدة، وعزم بكل قوة على إنهاء معاناة اليمنيين، وإعلان حرب حقيقية أو عملية سياسية تنهي معاناة اليمنيين. 

ولأن هادي رفض أن يكون هناك أي دور لأحمد علي عبد الله صالح في الجانب السياسي، وطارق صالح في الجانب العسكري، واشترط عليهما، أولًا إبداء حسن النية والذهاب له من أجل الاعتذار عما بدر منهما سابقًا، كان ذلك الدافع الكبير لتهميش دور الرئيس عبد ربه منصور هادي، مع الاحتفاظ بشرعيته كشماعة لاستمرار الحرب وتنفيذ الأجندة، وتثبيت السياسيات في اليمن المنكوب.

حاولت الإمارات أكثر من مرة إقناع عبد ربه منصور هادي، كونه رئيس الدولة ويحق له أن يرفع مذكرة إلى الأمم المتحدة يطالبها برفع العقوبات عن أحمد علي عبد الله صالح، إلا أنه رفض ذلك، بل رفض أن يخوض في هذا الحديث، وكان يخشى من خيانة تعدها الإمارات العربية المتحدة ضده من أجل الإطاحة به، بعد أن يتم القضاء على الحوثيين أو الوصول لتسوية سياسية معهم.

لجأت الإمارات العربية المتحدة إلى الخيار الثاني، وهو إيجاد شرعية موازية لشرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي، من أجل العمل معها ضد الحوثيين.

سيتم خلال الفترة القادمة تهميش الشرعية وحكومة عبد ربه منصور هادي، وسيكون الدعم العسكري غير المحدود من السعودية والإمارات لصالح قوة بديلة

ويبدو أنها نجحت في إقناع السعودية بضرورة إيجاد شرعية ثنائية تتمثل بأحمد علي عبد الله صالح وطارق محمد صالح وحزب المؤتمر الشعبي العام المناهض للحوثيين، ويرفض العمل مع هادي، بسبب عدم تحديد موقفه من مقتل صالح، والمرحلة التالية مع أولاد وأقرباء علي عبد الله صالح، إضافة لوجود حزب الإصلاح بجواره، والأخيرين تتهمهم الإمارات أنهم أسباب الفشل في الحسم العسكري طيلة الثلاث سنوات الماضية.

سيتم خلال الفترة القادمة تهميش الشرعية وحكومة عبد ربه منصور هادي، وسيكون الدعم العسكري غير المحدود من السعودية والإمارات لصالح قوة بديلة، ربما يكون العميد طارق صالح والتعاون معه والاعتراف بحضوره وحضور المؤتمر الرافض للحوثيين كقوة سياسية وعسكرية مناهضة للحوثيين، وستكون الحكومة الشرعية الخاسر الأكبر من المتغيرات الأخيرة في عدن، لكنها ستحافظ على بقاء حكومتها وستعاد لها معسكراتها بصورة رمزية، وكغطاء شرعي لتدخل التحالف العربي في اليمن ضد الحوثيين.

يبدو أن الرئيس اليمني فهم هذه الرسالة وحاول أكثر من مرة، ويريد الخروج من اليمن ليكون له القرار السياسي، لكن المملكة العربية السعودية ترفض ذلك خوفًا من أن يقلب الطاولة عليها، بسبب مواقفه السابقة التي غالبًا ما يتراجع عنها.

فالرئيس هادي تراجع في ثمانينيات القرن الماضي عن قرار عدم المشاركة في العملية السياسية أو المشاركة في الحرب ضد الجنوبيين بعد أن منح حق اللجوء إلى الجمهورية اليمنية حينذاك الوقت، لكنه عاد قائدًا عسكريًا في صيف 1949 في حرب الانفصال، وتراجع عن قرار استقالته في 2014، ومن خلالها مكن الرياض من الغطاء الشرعي لشن حملة عسكرية ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران.

زادت هذه الأيام شكوك اليمنيين بشأن احتجاز الرئيس هادي نتيجة لعدم وجود أي تغيير جذري على الأرض بالنسبة للحرب، وهذا يأتي من باب التحريض ولا أعتقد أنه كان يقصد اتهامًا ضمنيًا، وإنما كان يريد انتقاد السعودية لتغيير مواقفها في الحرب اليمنية.

قد يكون هناك توجه عام لتشكيل شرعية بديلة على الأرض، وهذا ما يبدو ملامحه تلوح في الأفق، من أجل التسريع بإنهاء الحرب، وهذا ما يقلق الرئيس هادي وحكومته

الرئيس اليمني ووفقًا لمعلومات وثيقة من مصادر حكومية كانت إلى وقت قريب مع عبد ربه منصور هادي في عدن، طالبت بعدم الإفصاح عن هويتها خوفًا من التحركات السياسية والعسكرية ضده، أنه محتجز بالفعل وليس تحت الإقامة الجبرية، ويتم له السماح بالتجول والسفر خارج المملكة العربية السعودية بمرافقة حرس من الديوان الملكي السعودي إلى جانب حارسه الشخصي.

ولأن معلومات احتجازه باتت حقيقة لا غبار عليها، فإن ذلك قد يكون له سببين: أولًا أن التحالف يتملكه القلق من أن يغير عبد ربه منصور هادي موقفه من الحرب الدائرة في بلاده، كما غير مواقفه السابقة، وهذا قد يشكل للمملكة العربية السعودية إحراجًا أمام المجتمع الدولي، فقد تخسر السعودية حربها مع إيران بسبب خطأ بسيط من هادي.

الرئيس هادي دائمًا ليس ثابتًا في مواقفه، وإنما يتغير بتغير الزمن، ولهذا يمكن أن نقول إن لديه أوامر بعدم الخروج من الرياض إلا وفقًا لبرامج معينة.

وثانيًا، قد يكون هناك توجه عام لتشكيل شرعية بديلة على الأرض، وهذا ما يبدو ملامحه تلوح في الأفق، من أجل التسريع بإنهاء الحرب، وهذا ما يقلق الرئيس هادي وحكومته، لأن هذا التوجه قد ينهي المستقبل السياسي للحكومة والرئيس هادي، ولهذا طالب من وزير الدولة البوح بذلك للشعب اليمني لعل ذلك يكون سببًا بتغيير الموقف الإماراتي والسعودي.