بينما كانت الإمارات العربية المتحدة تسير بخطواتٍ سريعةٍ ومستقرةٍ نوعًا ما نحو تحويل المواني القريبة منها إلى موانئ غير فاعلة أو تحت إدارتها على الأقل، كميناء عدن وبربرة وعصب، وغيرها، بهدف الإبقاء على ميناء دبي كميناءٍ حيوي يستقطب الحركة التجارية العالمية، رغم كونه لا يتمتع بميزة جيو - إستراتيجية فاعلة، ظهرت أمامها أمواج متلاطمة ربما تتسبب في إحباط ما تصبو إليه على صعيدٍ إستراتيجي.

البداية كانت من جيبوتي، حيث قال مكتب رئيس الجمهورية الجيوبتية، في 22 من فبراير/شباط المنصرم، إن جيبوتي أنهت عقدًا مع مواني دبي العالمية لتشغيل محطة "دوراليه" للحاويات، بشكلٍ سريعٍ، معزيًا ذلك إلى التجاوزات القانونية والأخلاقية التي تُحيط بالاتفاقية المُبرمة.

ولم يلبث الأمر طويلًا، حتى أصدرت الصومال، عبر وزارة المواني والنقل البحري، بيانًا، في 2 من مارس/آذار الحاليّ، يُلغي اتفاقية الشراكة الثلاثية المُبرمة بين مواني دبي وأرض الصومال "صومالي لاند" والحكومة الإثيوبية، في 1 من مارس/آذار، في تشغيل ميناء بربرة، ولا شك أن الأمر هنا واضح، فـ "صومالي لاند" تعني إقليم انفصالي غير شرعي في الصومال، وتوقيع اتفاقية معه، ترمز إلى عدم الاعتبار إلى الدولة الأم التي تمثلها الحكومة الاتحادية الصومالية، فالأمر فيه انتهاك صارخ للقانون الدولي.

تنبع أهمية مضيق باب المندب، بالنسبة للإمارات والدول الأخرى، كتركيا وإيران والصين وغيرهم، من كونه أحد أهم نقاط العبور البحري التي تستخدمها حاملات النفط في العالم، بكمية 4.7 مليون برميل من النفط يوميًا، فضلًا عن الحركة التجارية العالمية التي يمر ما نسبته 12% عبر المضيق المذكور

وليس هذا التجاوز الأول من الإمارات لسيادة الصومال، بل سبق ذلك توقيع اتفاقية مع أرض الصومال، في فبراير/شباط 2017، من أجل إنشاء قاعدة عسكرية في مدينة بربرة على ساحل خليج عدن لمدة 25 عامًا، مع حق الوصول لمطار المدينة.

وتنبع أهمية مضيق باب المندب، بالنسبة للإمارات والدول الأخرى، كتركيا وإيران والصين وغيرهم، من كونه أحد أهم نقاط العبور البحري التي تستخدمها حاملات النفط في العالم، بكمية 4.7 مليون برميل من النفط يوميًا، فضلًا عن الحركة التجارية العالمية، فيمر ما نسبته 12% عبر المضيق المذكور.

وفي إطار الربط السببي للظواهر، يصبح التساؤل الطبيعي في هذا السياق هو: ما أسباب هذه القرارات المتتالية؟

لعل أفضل تناول لهذه الواقعة يمكن من خلال النظر على المستوى المحلي "الإفريقي ـ الإماراتي"، والقومي والدولي. 

على الصعيد المحلي الإفريقي، تعزو حكومة جيبوتي تحركها إلى تقديم حكومة دبي مدفوعات غير قانونية "رشاوى" لمسؤولين فاعلين، في سبيل تأمين الحصول على امتياز لمدة 50 عامًا.

وربما العنصر الأساسي الذي يتعلق بالاتفاقية المذكورة هو عنصر "الاستعمار الحديث" الذي يعني استغلال دولة لثروة دولة أخرى عبر أساليب ظاهرها القانون ونية التعاون، وباطنها الاستغلال والتعطيل لمقدراتها، فالاتفاقية المُبرمة بين الإمارات وجيبوتي، عام 2005، تضمنت شروطًا مجحفةً بحق جيبوتي، حيث يمنع توسيع مباني الميناء أو إقامة أي مبانٍ جديدة، وجعل الإدارة المالية في يد شرك مواني جبل علي المشمولة بمجموعة مواني دبي العالمية، وحصول الشركة الإماراتية على نسبة أعلى في توزيع الأرباح، مما حدا بجيبوتي برفع قضية عام 2012، لكنها لم تحصل على ما تريده، مما جعلها تلغي الاتفاقية تحت بند "التحايل" الذي يتيح للدول فسخ الاتفاقيات، وفقًا لقواعد القانون الدولي.

ولا يمكن إغفال الرغبة الجيبوتية في المحافظة على سيادتها المستقلة من السياسة الإماراتية التي اتسمت، ربما، "بالاستخفاف" بسيادتها، حيث طلبت منها الإمارات منحها مساحة جغرافية لإنشاء قاعدة عسكرية لمتابعة الأوضاع في اليمن، الأمر الذي رفضته جيبوتي، حفاظًا على سياسة متزنة تضمن لها حركة تجارية متدفقة، عوضًا عن استخدام الميناء لأهدافٍ استخباراتيةٍ وأمنيةٍ، بالإضافة إلى هبوط طائرات إماراتية في مطارات جيبوتية دون تنسيق مسبق، وقد دفع التحرك الجيبوتي الإمارات لمعاقبتها عبر تقديم عروض للإثيوبيين للعزوف عن مواني جيبوتي، واستخدام موانئ أرض الصومال برسوم منخفضة جدًا.

أما الصومال، فلا يُعقل أن تقبل باتفاقيات تُبرم مع إقليمٍ انفصاليٍ لا تعترف به، فدعم إقليم انفصالي ليس فقط انتهاك صارخ للقانون الدولي، بل إمعان في عدم الاعتبار لسيادة الدولة الأم، وتجاوز لمبدأ "العهد والوفاء" الأساسي في بنية العلاقات الدولية، فضلًا عن كونه ينتهك مبدأ "التزام الدول بعدم السماح باستعمال إقليمها لغرض القيام بأعمال منافية لحقوق الدول الأخرى"، فاستقبال الإمارات مسؤولين من أرض الصومال، وتوفير أجواء دبلوماسية لهم لعقد اتفاقيات تنتهك حق الصومال "الدولة الأم"، يمكن تفسيره في إطار هذا المبدأ. 

وعلى الصعيد المحلي الإماراتي، ربما المكيافيلية "الغاية تبرر الوسيلة" المُفرطة، وانعدام الحنكة الدبلوماسية، وتصورها الصارخ بأن امتلاك خيوط دبلوماسية قوية مع الإدارة الأمريكية في عالم يسوده الفوضى لا القوانين، ولعل هيمنة مستشارين يولون أهمية كبيرة للأساليب الأمنية الصلبية، على مقاليد الحكم في الإمارات يلعب دورًا في إيمان متخذي القرار الإماراتيين بتلك الأساليب التي تُرى على أنها تحدٍ صارخ للدولة الأخرى. 

وتكاد الصفات السلوكية البنيوية الشخصية لحكام الإمارات، والقائمة على صفة الحكم المطلق والتملك اليسير والسريع، كما اعتادوا على الصعيد الداخلي، تؤدي دورًا في رسم معايير السياسة الخارجية المُتبعة، ولعل تهديد رئيس شركة جبل سلطان بن سليم، الحكومة الجيبوتية بإعادة الميناء كما كان عام 2005 مجرد مرسى بدائي، وإسراع وزير الخارجية الإماراتي بإجراء زيارة، في 12 من مارس/آذار الحاليّ، إلى إثيوبيا ـ جارة جيبوتي ـ لمناقشة سبل التعاون الأمني والاقتصاي والسياسي، سبقها اتفاقية مع أرض الصومال وإثيوبيا لتنمية مينائها بما ينافس ميناء جيبوتي، يشكلان دليلًا قاطعًا على انعكاس الصفات السلوكية "الاستعلائية المعتادة على الإمساك بكل زمام الأمور" على العلاقات الدولية.

وفي سياق الحراك الإقليمي، لا شك أن للسياسة القطرية الفاعلة دورًا، ولو نسبي، في ظهور هذه النتائج، لوحظ، بعد اندلاع الأزمة الخليجية، اختلال ميزان قوى الإقليم، نسبيًا، لصالح الدول "المقاطعة" أو "المحاصرة"، لا سيما بعد إقدام بعض الدول الإفريقية، كتشاد والسنغال وجيبوتي، لتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي، أو قطع علاقاتها مع قطر. 

لكن على النقيض من ذلك، بدأت الدول المذكورة مؤخرًا في إعادة علاقاتها مع قطر إلى وضعها الطبيعي، والمُرجح أن لتركيا دورًا بارزًا في دعم الموقف القطري الذي يشكل دعمًا محوريًا لها، فتركيا تخوض ما يمكن تسميته "بحرب المواني" الواضح مع الإمارات.

الطرفان يتنافسان بوضوح على مواني الصومال الجوية البحرية، ككسمايو، ومواني جيبوتي والأردن والقريبة من خليج عدن ومضيق باب المندب، وأخيرًا جزيرة سواكن "السودانية" التي تسعى تركيا لتحويلها لمرسى تجاري ومنطقة سياحية. 

أردوغان الذي زار إفريقيا لمرتين متتالتين في أقل من شهرين، حاول إقناع الدول الإفريقية بإعادة ترتيب أوراقها وحساباتها فيما يتعلق بميدان العلاقات الدولية، والأرجح أن الدول الإفريقية التي قاطعت قطر لصالح الأطراف الخليجية الأخرى، كانت تنوي فعل ذلك، لكنها كانت بحاجة لمن يكون بديلًا لتلك الأطراف

إن رجوح كفة ميزان القوى لصالح طرفٍ على حساب الطرف الآخر، هدف أي طرفين متنافسين، فكما ترمي الإمارات التي تنافس تركيا سياسيًا وفكريًا واقتصاديًا وإعلاميًا في المنطقة، إلى قضم نفوذ أي طرف إقليمي في محيط باب المندب والمواني القريبة منه، حتى تكفل حيوية موانيها في دبي، تسعى تركيا إلى ضمان نفوذ تجاري وعسكري يكفل لها تحسين مستوى نموها الاقتصادي وتكاليف النقل التجارية، ومستواها الدبلوماسي في المنطقة على حساب المنافسين الآخرين. 

المرشح أن الرئيس أردوغان الذي زار إفريقيا لمرتين متتالتين في أقل من شهرين، حاول إقناع الدول الإفريقية بإعادة ترتيب أوراقها وحساباتها فيما يتعلق بميدان العلاقات الدولية.

والأرجح أن الدول الإفريقية التي قاطعت قطر لصالح الأطراف الخليجية الأخرى، كانت تنوي فعل ذلك، لكنها كانت بحاجة لمن يكون بديلًا لتلك الأطراف التي وعدتها بضخ الاستثمارات وتخلفت عن وعدها، إذ إن تركيا ضخت استثمارات جديدة لعدد من الدول الإفريقية التي اتجهت لإعادة علاقاتها مع قطر التي ضخت بدورها استثمارات وفيرة. 

وفي إطار ميزان القوى، فإنه من صالح تركيا الساعية لرفع مستوى نفوذها التجاري والدبلوماسي، إبقاء المنطقة هادئة، فقد شهدنا في الآونة الأخيرة التحريض المصري الإريتري ضد السودان، والإمارات أقدمت قبل ذلك على تأزيم الأمور بين الصومال وإثيوبيا، عبر ضم إثيوبيا إلى اتفاقية ترميم أرض الصومال غير المعترف بها، وهذا ما يدفعها للعمل على إقناع الدول الإفريقية بالانتباه، وبدورها قد تصغى الدول الإفريقية، على الأرجح، لهذا الطلب، للحفاظ على مصالحها الاقتصادية.

ولكن هل تستطيع الإمارات، فعلًا، إقناع إثيوبيا التي تعاونت لفترة طويلة مع الحكومة الصومالية لمجابهة حركة الشباب الصومالي والتنظيمات المتطرفة، وضمان استقرار الحركة التجارية، كونها دولة حبيسة، وتحتاج لموازنة علاقاتها مع قطر التي دعمتها بسخاء العام الماضي، في البقاء على الاستمرار معها، ومواجهة التحديات الكبيرة التي قد تواجهها في المستقبل؟

وفي سياق الحراك الإقليمي أيضًا، هل يمكن القول إن السعودية تنافس الإمارات؟ قواعد العلاقات الدولية ترد على هذا السؤال بنعم، لا يوجد في العلاقات الدولية حليف دائم أو عدو دائم، بل هناك دولة قومية يحكم تحركها المصالح القومية التي عادة تكون مختلفة مع مصالح الدول المجاورة أو غير المجاورة.

وقد شهدنا بوضوح كيف اختلف الطرفان حيال اليمن، وقبل ذلك كان بينهما خلاف جسيم على بعض المناطق الحدودية، واليوم، أعلنت السعودية، مؤخرًا، تعيين وزير خاص للشؤون الإفريقية، لرفع مستوى استقطاب الدول الإفريقية، وبالأخص دول منطقة القرن الإفريقي، لتأسيس قواعد نفوذ صلبة لها في محيط باب المندب، ومواجهة التمدد الشيعي الإيراني، لا سيما في ظل احتمال إنشاء قاعدة لها في جيبوتي.

وإن لم يكن لها تأثير مباشر في دفع جيبوتي أو الصومال صوب "طرد" النفوذ الإماراتي، كان لها، على الأرجح، تأثير غير مباشر يكمن في منح هذه الدول نوعًا من الثقة بإمكانية الحصول على بديل للإمارات، يدعمها بسخاء.

الصين لعبت، بشكلٍ أو بآخر، دورًا في عرض بديل منافس للمشروع الإماراتي، بديل بروحٍ دولية، وبدعمٍ سخي، وسياسةٍ اقتصاديةٍ مثمرةٍ تمثلت في استثمارات وصلت إلى 300 مليار دولار سنويًا

على الصعيد الدولي، تظهر الصين في الواجهة، ولكن كيف؟ ترمي الصين إلى إنجاز مشروع "خط واحد ـ طريق واحد" الذي يتضمن ربط مواني العالم البرية والبحرية ببعضها البعض بعيدًا عن الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة، وفي ضوء هذا المشروع، جنحت الصين للاتفاق مع باكستان، لترميم وتوسيع ميناء "غوادر" التي تعد المنافس الأول لميناء دبي، ومالت للاتفاق مع "إسرائيل"، من أجل توسيع ميناء، ولبَت دعوة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، الذي دعاها لعقد مذكرة بشأن توظيف ميناء عدن في إطار هذه المبادرة، وتتفاوض مع تركيا لتحويل إسطنبول لعاصمة المنطقة في إطار هذه المبادرة، وترمي إلى الانطلاق من كينيا صوب الدول الإفريقية القريبة، الصومال وإريتيريا وجيبوتي. 

إن جميع العناصر المذكورة تؤكّد، بما لا يدع للشك مجالاً، أن الصين لعبت، بشكلٍ أو بآخر، دورًا في عرض بديل منافس للمشروع الإماراتي، بديل بروحٍ دولية، وبدعمٍ سخي، وسياسةٍ اقتصاديةٍ مثمرةٍ تمثلت في استثمارات وصلت إلى 300 مليار دولار سنويًا، فضلًا عن الأهمية الجيو ـ إستراتيجية الخاصة بجيبوتي بالنسبة للصين، فتُمثل جيبوتي نقطة بحرية محورية لمشروع "طريق الحرير"، حيث يتبوء موقعًا قريبًا من ميناء عدن وجدة وبربرة وقناة السويس وباب المندب، وغيرها من المناطق الإستراتيجية، عوضًا عن كونها موقعها الجيو ـ سياسي المهم في الحفاظ على أمن الملاحة البحرية العالمية التي تشكل الصين القسم الأكبر منه، فبدفع الإمارات للخارج تكون الصين قد تخلصت من منافس إقليمي.

في الختام، جُبلت العلاقات الدولية، كالإنسان، على الصراع والتنافس، وهذا ما يعني أن صراع المواني في محيط باب المندب، سوف يستمر في إطار خسارة طرف تارةً وخسارة طرف آخر تارةً أخرى.