صنفت منظمة البيئة العالمية التلوث الضوضائي نوعًا من التلوث البيئي، لما له من تأثيرات سلبية على الإنسان في حالته الطبيعية - أقصد المقيم في بلدٍ لا تشوبه صراعات عسكرية حادة - أي البلدان التي لم يصبها ما أصاب سوريا؛ فالسوريون ما زالوا يتجرعون سم الملوثات البيئية طوال ثماني سنوات مضت، فمن خرق الطائرات الحربية لجدار الصوت في اليوم عشرات المرات وماله من تأثيرات على الإنسان وخاصة الأطفال، إلى أزيز الرصاص الذي بات من بديهيات الأمور لديهم، إضافة لشم رائحة الموت بالسارين أو الكلور، هذا باختصار نوتة القطعة الموسيقية المستخدمة كموسيقى تصويرية لفيلم سوريا الحرب.

يعرف الضجيج أو التلوث الضوضائي بأنه "أصوات غير متجانسة تتجاوز شدتها المعدل الطبيعي لتصبح مؤذية للأذن ولصحة الإنسان، خطورة التلوث الضوضائي والضجيجي أنه يؤثر فينا شئنا أم أبينا، ومن غير شعور منا، فالأذن تلتقط دائمًا حتى في أثناء نومنا وليست كالعين التي نستطيع أن نغلقها عندما لا نريد أن نرى شيئًا".

طبقًا للتعريف السابق، تزيد من فرضية التلوث البيئي تلك الدول التي قدمت نفسها منذ بداية الأزمة على أنها صديقةً للشعب السوري، بمختلف توجهاتهم السياسية وانتماءاتهم المبطنة لقوى الصراع العسكري في سوريا، بحيث زاد معدل التلوث عن المتوقع.

في هذا الصدد، نموذجان مرا في الفترة الماضية عن أشكال تلوث ضوضائي؛ ارتفع فيهما مؤشر التلوث نتيجة الضجيج إلى مستويات غير معهودة، الأول ما حدث في عفرين التي نزح منها قرابة 200 ألف مدني، جراء العمليات العسكرية التي دارت في المدينة وريفها، بعد ما أعلن الجيش التركي بالتحالف مع قوات المعارضة السورية عملية غصن الزيتون ضد وحدات حماية الشعب، فمنذ اليوم الأول من المعركة تعالت الأصوات الداعية لحماية المدنيين من الحرب، من قادة سياسيين ودبلوماسيين عرب وأتراك وأوروبيين وأمريكيين، والأمم المتحدة الجامعة لهم، خف الضجيج تدريجيًا حتى انتهى، مع سيطرة الجيش التركي على عفرين.

في أروقة مراكز قرار الدول التي تعتبر نفسها حامية للحريات وحقوق الإنسان، عقدت الاجتماعات الدولية وارتفع الضجيج في قاعة مجلس الأمن الدولي، واتخذت قرارات خاوية من معانيها

بمطلق الأحوال، المتابع لتلك التصريحات، ظن أن تلك الدول ستسارع لبناء مخيمات لأولئك النازحين عوضًا عن مدنهم الأصلية، وهذا أضعف الإيمان، خاصة أنهم فقدوا في رحلة نزوحهم كل مقومات الحياة، وتعمل على إعادتهم إلى مدنهم وقراهم بعد أن تنتهي الحرب.

لكن الأمر كان أن أولئك المدنيين النازحين أصبحوا طي النسيان ما إن طفت تطورات جديدة على الساحة السورية، ووضع ملف نازحي عفرين على رفوف المكاتب إلى جانب ملف مهجري مدينة حلب الذين واجهوا ذات التجربة ومهجري باقي المناطق في سوريا، علمًا أن مأساة نازحي عفرين مضاعفة، حين نضع في الحسبان أنهم نزحوا إلى مناطق تسيطر عليها ميليشيات تابعة للنظام السوري؛ مما يعني أنهم هربوا من خطر العمليات العسكرية ليواجهوا خطر التجنيد الإجباري في صفوف النظام، أو الاعتقال للمطلوبين لأجهزة الأمن التابعة لدمشق.

بالتزامن مع ذلك، كانت قوات النظام السوري وبدعم من سلاح الجو الروسي والميليشيات الإيرانية تدك غوطة دمشق الشرقية وتهدم البيوت على رؤوس المدنيين فيها، حينها أيضًا صدحت الأصوات المنددة بالهجمة على الغوطة، في أروقة مراكز قرار الدول التي تعتبر نفسها حامية للحريات وحقوق الإنسان، وعقدت الاجتماعات الدولية وارتفع الضجيج في قاعة مجلس الأمن الدولي، واتخذت قرارات خاوية من معانيها فيما يخص تطبيق هدنة في سوريا بشكل عام، القرار الذي بقي أسير الأوراق التي كتب عليها، فالنظام استمر في قصفه وعملياته العسكرية ووصل لغايته بتهجير أهالي غوطة دمشق من مدنهم، واحتلال الميليشيات التابعة للنظام لهذه المدن.

 أيًا كانت التصريحات وأيًا كانت النتائج على المستوى الدولي، فالشعب قد نال ما ناله من تهجير وقتل وتشريد

من نافلة القول إن الضجيج هذا تحول فيما بعد لمدينة دوما في ريف دمشق الشرقي؛ فالنظام بعد أن أمن سيطرته على مدن الغوطة، وجه جحافل مرتزقته بدعم روسي إلى المدينة الأخيرة التي تسيطر عليها المعارضة السورية في محيط العاصمة دمشق، ورغم دخول لجنة مدنية من دوما في مفاوضات مع القوات الروسية (الراعي الرسمي للنظام السوري)، لحل القضية دون تدمير المدينة، فإن النظام استمر في عملياته لا بل تحدى المجتمع الدولي وتحذيرات الدول العظمى بشأن استخدام السلاح الكيماوي وتحديدًا في ذكرى قصفه لمدينة خان شيخون بريف إدلب بالسلاح الكيماوي قصف دوما بالسارين وغاز الكلور وقتل نحو 200 مدني وأصيب نتيجة القصف نحو 1000 مدني.

الحال، ونتيجة لاستخدام السلاح الكيماوي في دوما، نشهد ضجيجًا قد يكون بنبرة أقوى من ذي قبل، فالرئيس الأمريكي هدد بقصف النظام السوري لأنه قصف شعبه بالسلاح الكيماوي، وهو الآن داخل في البازارات السياسية ليقدم على ما وعد به، كذلك صدرت تصريحات من فرنسا والمملكة المتحدة في ذات الخصوص.

أيًا كانت التصريحات وأيًا كانت النتائج على المستوى الدولي، فالشعب قد نال ما ناله من تهجير وقتل وتشريد، فلا أهل عفرين زال عنهم بأس النزوح والتشرد في مراكز اللجوء العشوائية التي لا توفر أبسط شروط المعيشة، ولا أهالي الغوطة ودوما تجاوزوا محنة التهجير وهم الآن يطرقون أبواب إدلب وجرابلس والباب تاركين خلفهم مدنًا مدمرة تحتضن غرباء اغتصبوها وسط الضجيج العالمي الذي كانت مهمته التغطية على صرخات السوريين.

قصارى الضجيج، إن السوريين طوال سنوات ثورتهم الثمانية لم ينلهم من العالم وحماة حقوق الإنسان المفترضين سوى الضجيج وتلوثت أذهانهم وذاكرتهم الجمعية به، وما زال الضجيج ذاته يضيف ألوانًا جديدة للوحة مأساتهم يومًا بعد آخر، في الوقت الذي لا يكترث فيه مفتعلو الضجيج لمؤشر التلوث في سوريا، بل همهم مؤشر مصالحهم، وعليه يديرون حربهم.