تتجه أنظار المراقبين السياسيين صوب العراق الذي يتهيأ لخوض الانتخابات النيابية المقرر عقدها في 12 من مايو/ أيار من هذه السنة، وتُعقد الآمال عليها كثيرًا بأن أكبر التغيرات ستحدث كمفرزات عنها، ويرجح أن تنحصر المنافسة على رئاسة الحكومة المقبلة في ثلاث كُتل شيعيَّة لها أكبر الحظوظ في تشكيل الحكومة المقبلة وهي (كتلة دولة القانون بزعامة نوري المالكي وكتلة الفتح بزعامة هادي العامري وكتلة النصر بزعامة حيدر العبادي).

ونظرًا للتنافس الشديد بين كتلتي المالكي والعامري المدعومتين إيرانيًا من جهة، وكتلة العبادي المدعومة أمريكيًا، فمن المرجح أن تتحالف كتلتا دولة القانون والفتح بعد الانتخابات لتشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان؛ الأمر الذي يجعلها أقرب للفوز بتشكيل الحكومة المقبلة، بالمقابل من غير المرجح أن تثمر جهود الولايات المتحدة عن فوز العبادي بولاية ثانية رغم عمليات التلميع الكبيرة التي تقوم بها الولايات المتحدة لشخصه.

يبقى ما يتعلق بطرف المعادلة السياسية الأضعف في العراق، وهما كتل العرب السنَّة وكتُل الكُرد السياسية، فالطرف الشيعي سيحاول كسبهم لتحقيق الأغلبية في البرلمان القادم للفوز في رئاسة الوزراء، ذلك لأن الكتل السياسية الشيعية تعيش حاليًّا حالة انقسام كبيرة أدى بها للتشظي إلى أربع قوائم انتخابية متنافسة، وبالتالي فإن أي قائمة شيعية لا يمكنها تحقيق النصاب الذي يؤهلها للفوز برئاسة الحكومة المقبلة.

وعلى هذا الأساس فإن أنظار الساسة الشيعيين تتجه صوب العرب السنَّة والكُرد، بالمقابل فإن العرب السنَّة والكُرد سيحاولان أن يتنافسا فيما بينهما لوضع نفسيهما كبيضة القبان التي ترجح كفة رئيس الوزراء القادم من بين الشخصيات الشيعية المتنافسة على هذا المنصب.

لكننا نرجح أن يحقق الكُرد غلبة على حساب العرب السنَّة في هذا الموضوع، نتيجة لتمرسهما بالسياسة والدعم الإيراني لبعض الأطراف الكُردية والدعم الأمريكي الغربي للبعض الآخر، الأمر الذي جعل الكُرد يرتفعون بطموحاتهم السياسية للدرجة التي يطالبون فيها بمنصب رئاسة البرلمان والتضحية بمنصب رئيس الجمهورية الذي هو في حقيقة أمره منصب فخري لا قيمة سياسية له.

ومن خلال مراقبة جهود الطرفين في محاولاتهما للتأثير على نتائج الانتخابات، فإن الكفة على ما يبدو سترجح إلى ما تريده إيران، ورئيس الوزراء العراقي القادم سيكون واحدًا من اثنين إما نوري المالكي أو هادي العامري

أما عن مستقبل الصراع بين النفوذ الإيراني والأمريكي في العراق، فرغم ادعاء كلا الطرفين بعدم تدخلهما في نتائج الانتخابات أو على الأقل التأثير على نتائجها، فحقيقة الأمر غير ذلك، وهذا الصراع بين الطرفين ألقى بظلاله على العملية الانتخابية بشدة، فهناك عمل كبير يقوم به الطرفان لترجيح كفة المقرب لها من السياسيين الشيعة، على اعتبار أنه اُتفق عُرفًا أن تكون رئاسة الوزراء من حصة المكون الشيعي حصرًا.

وعلى هذا المبدأ تراهن الولايات المتحدة على العبادي وتلمع شخصيته لجعله الشخصية الأنسب والأكفأ لاستلام رئاسة الحكومة لولاية ثانية، كما تشجع العرب السنَّة والكُرد على التحالف معه بعد الانتخابات لتشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان للفوز برئاسة الحكومة.

بالمقابل تقوم إيران بنفس المحاولات الأمريكية، لكن مع كتلتي المالكي والعامري، لغرض الفوز برئاسة الحكومة القادمة، ولها مندوبين لهذا الغرض يعملون على ترتيب الأمور لتحالف بين الكتلتين فيما بعد الانتخابات، وتعمل إيران على تهيئة من يتحالف مع هاتين الكتلتين سواء من المكوّن الكُردي أو من المكون العربي السنَّي، ومن المتوقع أن الجهود الإيرانية ستثمر عن نجاحات كبيرة في هذا المجال نظرًا لحجم نفوذها بالعراق، على عكس الحال بالنسبة للأمريكان.

ومن خلال مراقبة جهود الطرفين في محاولاتهما للتأثير على نتائج الانتخابات، فالكفة على ما يبدو سترجح إلى ما تريده إيران، ورئيس الوزراء العراقي القادم سيكون واحدًا من اثنين إما نوري المالكي أو هادي العامري.

الأمر الذي نتوقع أنه سيثير حفيظة الولايات المتحدة بشكل كبير، وإذا ما علمنا أن الولايات المتحدة تحتفظ بقوة عسكرية في العراق يقترب حجمها من 12 ألف جندي متمركزين في عدة قواعد شمال وغرب العراق، فمن الممكن أن تستثمر نفوذها العسكري للطعن بنتائج الانتخابات إذا ما أسفرت عن نتائج لا ترغبها.

لكن إيران بالمقابل، تراهن عسكريًا على ولاء المليشيات لها التي تنتشر في عموم العراق، بالإضافة إلى العدد الأكبر من وحدات الجيش العراقي الحاليّ، ويمكنها أن تزج بهم لمواجهة الأمريكان في حال اختار الأمريكان التصعيد العسكري في العراق، لكن مع هذا فمن المرجح أن يتوصل البلدان المتنافسان إلى حلول وسط في العراق، يضمنان فيها حماية مصالحهما في العراق وتجنب المواجهة كما كانا يفعلان في كل انتخابات منذ 2003.

من غير المؤمل أن يتحالف العرب السنَّة والكُرد لتشكيل قوة ضغط سياسية على السياسيين الشيعة حسب ما كان متوقعًا قبل شهور

أما فيما يخص خيارات إيران في العراق، فنحن نعلم أن التنافس حاليًّا يتركز بين حيدر العبادي ونوري المالكي على الفوز بمنصب رئيس الوزراء القادم، وعلى الرغم من أن إيران تفضل بشدة نوري المالكي، فإنها مضطرة لاختيار شخصية أخرى غيره تكون لها مقبولية أكبر منه، على الأقل عند الأوساط الشيعية خصوصًا والشعب العراقي عمومًا، ذلك لأن المالكي لا يتمتع بشعبية كبيرة في تلك الأوساط، لذلك فإن إيران ربما ستضطر لاختيار هادي العامري كمرشح فعلي لإيران بديلًا عن المالكي، لكن مع ضمان بقاء نوري المالكي يُدير شؤون البلد من خلف الكواليس، نظرًا لافتقار العامري الخبرة الكافية التي تؤهله لذلك.

وفيما يتعلق بالمستقبل السياسي للعرب السنَّة والكُرد، فمن غير المؤمل أن يتحالف العرب السنَّة والكُرد لتشكيل قوة ضغط سياسية على السياسيين الشيعة حسب ما كان متوقعًا قبل شهور، وسوف يستثمر الطرف الشيعي التشتت السنَّي والكُردي لصالحه.

ففيما يتعلق بموقف العرب السنَّة السياسي فهو بالغ الضعف، بعد الضربة التي تلقوها في مدنهم وقراهم في معارك تحريرها من قبضة داعش، وهم حاليًّا أضعف من أن يكونوا منافسين حقيقيين أمام الشيعة، لكنهم سيحاولون استثمار احتياج الشيعة لهم لتحقيق الأغلبية الكافية لتشكيل الحكومة، للحصول على بعض المكاسب السياسية.

أما الكُرد فلم يعودوا مثل السابق، حينما كانوا يرجحون كفة رئيس الوزراء ويحددون هويته، ذلك بسبب انقسامهم إلى طرفين رئيسيين، أولهما موالٍ لإيران، والثاني الحزب الديمقراطي الكُردستاني بزعامة البارزاني الذي يعاني العزلة حاليًّا، ورغم التصريحات والنداءات التي يقوم بها بعض الساسة الكُرد إلى ضرورة الاجتماع وترك الخلافات جانبًا على الأقل في هذه الانتخابات، فالمتوقع أن التشظي الكُردي سيستمر في الفترة المنظورة.