تصدر حزب "حركة النهضة" ذو المرجعية الإسلامية في تونس نتائج الانتخابات المحلية التي جرت في البلاد أمس الأحد، متبوعًا بحزب "نداء تونس" حليفه في الحكم بحسب نتائج أولية واستطلاع رأي أجري عند خروج الناخبين؛ مما يجعل النهضة يتصدر مجددًا الساحة السياسية في تونس.

نتائج مهمة

النتائج الأولية أشارت إلى حصول "حركة النهضة" على 27.5% من أصوات الناخبين مقابل 22.5% لـ"نداء تونس"، ومباشرة إثر إعلان النتائج تجمع الآلاف من أنصار النهضة بحضور أغلب قيادات ونواب الحزب أمام مقر الحركة رافعين أعلام تونس وأعلام الحزب، ورددوا الأهازيج وأشعلوا الألعاب النارية احتفالًا بالفوز.

وعقدت حركة "النهضة" مؤتمرًا صحافيًا مساء أمس الأحد، لإعلان النتائج الأولية في انتظار النتائج النهائية التي ستعلنها هيئة الانتخابات بصفة رسمية في وقت لاحق، مؤكدة تصدرها لهذه الانتخابات، وفق مؤشرات أولية، بينما قالت الهيئة العليا للانتخابات إن نسبة المشاركة بلغت 33.7%.

تطمح "سعاد عبد الرحيم" المرشحة عن حركة النهضة أن تتولى منصب شيخ المدينة في تونس

ومن مجموع 5.3 مليون ناخب تونسي مسجل، صوت قرابة 1.796 مليون ناخب في هذه الانتخابات، لاختيار ممثليهم في 350 دائرة بلدية بمختلف جهات البلاد، وهي خطوة مهمة لإرساء تجربة الحكم المحلي ونظام اللامركزية الذي نص عليه الباب الـ7 من الدستور.

الفوز بكبرى البلدية

خلال هذه الانتخابات التي تعتبر الأولى في تونس بعد ثورة يناير 2011 فازت حركة النهضة الإسلامية في كبرى البلدية، حيث حصدت النهضة أغلب مقاعد المجلس البلدي ببلدية تونس المدينة لترشح بذلك امرأة لمنصب شيخ مدينة تونس للمرة الأولى في تاريخ البلاد. 

وتطمح "سعاد عبد الرحيم" المرشحة عن حركة النهضة أن تتولى منصب شيخ المدينة في تونس (رئيسة المجلس المحلي)، وتمكنت عبد الرحيم من الفوز في هذه المنافسة الانتخابية، لتكون بذلك أول سيدة تشغل هذا المنصب في تاريخ تونس (في انتظار انتخابها رسميًا من الأعضاء)، وتكون قد وصلت إلى منصبها هذا بفضل حركة النهضة الإسلامية.

احتفالات أنصار النهضة بفوزهم في الانتخابات

وسبق لحركة النهضة أن رشحت سعاد عبد الرحيم على رأس قائمتها بدائرة تونس خلال انتخابات المجلس الوطني التأسيسي لسنة 2011، وكان خبر ترشيحها آنذاك مفاجأة لجميع التونسيين باعتبارها غير منتمية للحركة، وهي سياسية مستقلة وغير محجبة وسبق أن نشطت عبد الرحيم في الاتحاد العام التونسي للطلبة المحسوب على الإسلاميين في الجامعة التونسية.

فضلًا عن ذلك تصدرت حركة النهضة نتائج بلدية صفاقس التي تعتبر العاصمة الاقتصادية لتونس، وبلدية القيروان العاصمة الثقافية للبلاد، والحمامات التي تضم أكبر منتجع سياحي في تونس وبلدية باردو التي تضم البرلمان وبلديات بنزرت وبن عروس وجرجيس وبلديات كبرى أخرى.

عودة المشهد التونسي إلى الحقيقة والواقع 

هذه النتائج أثبت وفقًا لعدد من الخبراء والمحللين قوة حركة النهضة وعودة المشهد التونسي إلى الحقيقة والواقع، وفي هذا الشأن يقول أستاذ العلوم السياسية في الجامعة التونسية هاني مبارك لنون بوست: "لا يتجاوز هذا الأمر لحظة العودة الى الحقيقة والواقع، فالنهضة هي الحزب الحقيقي الوحيد على الساحة وله وزن، وبالتالي طبيعي أن يصل إلى مثل هذه النتائج خاصة أن المنافسة منعدمة".

وأضاف مبارك في تصريحه لنون: "النهضة حزب منظم يعمل على واجهتين داخلية وخارجية، على مستوى الأولى حقق نجاحًا كبيرًا يبرز جليًا في تماسك وحدته وبالتالي حفاظه على مستويات معقولة على صعيد القوة الانتخابية، أما على الواجهة الخارجية وهي متعددة المستويات فنجح في التعامل معها هي الأخرى".

فوز حركة النهضة في هذه الانتخابات لا يخفي تراجع عدد الداعمين لها ولتوجهاتها العامة

ونافس حزب "النهضة" في كل الدوائر البلدية البالغة 350 دائرة، فيما شارك حزب "نداء تونس" حليفها بحكومة الوحدة الوطنية في 345 دائرة، وبعدهما حزب "التيار الديمقراطي" (3 نواب) في 69 دائرة، وشارك حزب "مشروع تونس" (21 نائبًا) بقيادة محسن مرزوق المنشق عن "نداء تونس" في 69 دائرة، وحزب "حراك تونس الإرادة" (4 نواب - أسسه المرزوقي) في 46 دائرة، وحزب "أفاق تونس" (6 نواب) في 43 دائرة.

تراجع منتظر

فوز حركة النهضة في هذه الانتخابات لا يخفي تراجع عدد الداعمين لها ولتوجهاتها العامة، حيث سجل الإسناد الانتخابي لهذا الحزب تراجعًا مقارنة بالانتخابات التشريعية السابقة سنة 2014، حيث بلغ عدد المصوتين للحركة في تلك الانتخابات أكثر من 991 ألف صوت.

واعتبر هاني مبارك هذا التراجع أمرًا طبيعيًا، مرجعًا سبب ذلك إلى عمليات تخريب الوعي السياسي التي تسببت بها الشعارات العريضة، سواء من النهضة في انتخابات 2011 أم من الأحزاب الأخرى التي ما فتئت تهاجم الحركة، حسب قوله.

وقال مبارك لنون "أعتقد أن هذه النتائج ستكون مناسبة لحركة النهضة لإعادة البناء وفق إستراتيجيات تعتمد النفس الطويل والهادئ لمنح شعارها الانتخابي المستقبلي درجة أعلى من المصداقية تدفع لزيادة حجم كتلة الإسناد الانتخابي لها في المناسبات القادمة".

وأكد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة التونسية هاني مبارك: "النسق الثقافي للعملية الانتخابية لا يحتمل مزيدًا من الإحباط الذي عادة يؤدي الى انتكاسات تعود بصاحبها للماضي وتعزف عن المشاركة في أي رؤية مستقبلية".

بعض الأحزاب المنافسة تفقد المصداقية

حالة الإحباط التي أرادت بعض الأحزاب المنافسة لحركة النهضة تصديرها للناخب التونسي، لم تجد لها طريقًا لدى معظم التونسيين وفقًا لمبارك الذي قال في حديثه لنون: "المضحك أن الأحزاب التي عملت على تغذية حالة الإحباط هذه كانت أول من تحمل نتائج ذلك، لأنها بذلت جهدًا لا على المنافسة في الأصول بل ذهبت للثانويات".

وتابع مبارك بالقول "ربما تكون هذه المعطيات أثرت على حزب حركة النهضة، ولكن ذلك كان فقط على مستوى قوة الإسناد الانتخابية وليس على الكتلة الحقيقة لقوة النهضة الانتخابية التي لم تتأثر بهذا الخطاب الذي تصدره بعض الأحزاب".

أثرت الانقسامات في نتائج حركة نداء تونس

هذه النتائج جاءت وفقًا لهاني مبارك دون أن تكسب الأحزاب التي عملت على تغذية روح الإحباط لدى الناس أي إضافة على مستوى قوة الكتلة الانتخابية لها، والأكثر أهمية تسجيل حالة من الانفصال بين زيادة حدة حالة الإحباط وقبول المبررات التي تستخدم لبناء هذه الوضعية، مما وضع هذه الأحزاب في فقدان المصداقية وزاد من ضعفها وأفقدها أي أمل بالمنافسة مع حركة النهضة.

"النداء" يتراجع

هذه الانتخابات المحلية أفقدت نداء تونس الفائز بأغلبية مقاعد البرلمان في انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2014 المرتبة الأولى وأرجعته إلى المرتبة الثانية في المشهد السياسي في تونس، حيث لم يحصل سوى على 22% من نسبة المقاعد البلدية وفقًا للنتائج الأولية للانتخابات، ويرجع سبب هذا التراجع وفقًا لعدد من المتابعين للشأن العام في تونس إلى فقدان نداء تونس لمصداقيته بين عموم التونسيين، وتسببه في العديد من الأزمات التي شهدتها البلاد منها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أيضًا نتيجة سياساته الخاطئة طيلة سنوات حكمه.

فضلًا عن ذلك، يرجع بعض الخبراء سبب هذا التراجع إلى حالة الانقسام التي شهدها الحزب بعد انتخابات 2014، حيث انشق عن الحزب الذي لم يوفق بعد في انجاز مؤتمره التأسيسي الأول، العديد من القيادات التي عبرت عن رفضها لسياسة الحزب العامة، وأنشأت أحزاب موازية فشلت هي الأخرى في تحقيق نتائج مرضية في هذا الاستحقاق الانتخابي المهم، إلى جانب ذلك يرجع محللون هذا التراجع إلى خطاب الإقصاء والترهيب والتخويف من حركة النهضة الذي انتهجه الحزب في الفترة الأخيرة.

انعكاس كبير على الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة

من المنتظر أن تكون لنتائج هذه الانتخابات انعكاس كبير على الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة المقرر اجرائها خريف السنة القادمة، ويقول هاني مبارك في هذا الشأن "ستتعرض الأحزاب الفائزة بالانتخابات البلدية خاصة النداء والنهضة لحملات مراقبة وتدقيق وتضخيم لأي خطأ يمكن أن يقع من أي منهما في محاولة للنيل منهما أو أحدهما".

و"هنا تجب الإشارة إلى أن الواقع الموضوعي سوف يساعد على نجاح مثل هذه الحملات، وهذا الواقع يمثل السبب الثاني، فحن نعرف عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الراهنة وحاجة الناس لحلول عاجلة لها، ففي حال الفشل الكلي أو الجزئي مع الضعف العام بمستويات الوعي السياسي لدى العموم فان ذلك سيؤثر سلبًا على توجهات الناخبين خلال الاستحقاقات القادمة" وفقًا لهاني مبارك.

ما يسجل في هذه الانتخابات المحلية أيضًا ارتفاع نسبة العزوف

وأكّد مبارك أنه بدأ تسجيل ميل كبير إلى هذا التوجه، فنتائج الانتخابات الحاليّة بينت ميلًا ما نحو المستقلين، فضلًا عن ارتفاع نسبة العزوف عن المشاركة في هذه الانتخابات وهو أيضًا مؤشر آخر على ذلك، وبلغت نسبة المقاعد التي فازت بها القوائم المستقلة قرابة 28% من جملة المقاعد، ويذكر أنه ترشحت 859 قائمة مستقلة في هذه الانتخابات.

وتفرض هذه النتائج على الأحزاب الفائزة النجاح في العمل على الأرض وتحقيق نجاح اتصالي مستمر ودائم، يقوم على إبراز الحقائق من جهة والتصدي لحملات التشوية المؤكدة عبر خطاب إعلامي واتصالي متوازن.

حزب المقاطعين

ما يسجل في هذه الانتخابات المحلية أيضًا ارتفاع نسبة العزوف التي سجلت مستويات عالية، حيث لم يشارك في الانتخابات سوى 33.7% من مجموع الناخبين المسجلين البالغ عددهم أكثر من 5 ملايين و369 ألف تونسي، وترتفع هذه النسبة لدى الشباب.

ويعود سبب هذا العزوف حسب هاني مبارك إلى النسق الثقافي لمفهوم السلطة لدى العامة، فهذا النسق يرى في السلطة قدرة استثنائية على اجتراح الحلول، وفي حالات الفشل يصيب العموم نوعًا مما يسمى بالارتكاس الجمعي ويسوقه نحو ارتدادات نحو الماضي ورفض الجديد أو معاودة التجربة.

ويؤكد "عزوف الشباب على نجاح الحملات التي ذكرناها من جهة ومن جهة أخرى غياب إعلام مضاد لتلك الحملات، فالأحزاب التي لم يكن لها نصيب في النجاح وبدلًا من المحاولة عملت على مراكمة حالات الإحباط  لدى قطاع واسع من الناس خاصة الشباب الذين هم في أمسّ الحاجة لشريكهم في صنع مستقبلهم".

ارتفاع عدد المقاطعين للانتخابات في تونس

ويرجع مراقبون هذا العزوف إلى ما أسموه بـ"فشل" الأحزاب الحاكمة في تحقيق قائمة الوعود الانتخابية الطويلة التي سبق أن رفعتها، ويؤكد العديد من الخبراء أن فشل الأحزاب الحاكمة في تحقيق وعودها الانتخابية ضرب جزءًا من مصداقية الأحزاب السياسية، وتتخوف الأحزاب التونسية من عزوف المواطنين على المشاركة في هذه الانتخابات بسبب انعدام الثقة في الأحزاب والسياسيين على خلفية تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالبلد.

فضلاً عن ذلك، يُجمع مراقبون أن تعكر الوضع السياسي في تونس سيجبر المواطنين على هجر الاستحقاقات الانتخابية القادمة في حال لم يتم تدارك الأمر، ويشعر العديد من التونسيين بعدم الرضا عن السياسيين، وعدم قدرة صناديق الاقتراع على تغيير اتجاهات الحكم لتصبح أكثر تعبيرًا عن انتظارات الناخبين، وتأكد ذلك عقب انتخابات 2014 التي فازت فيها حركة نداء تونس التي عجزت عن تحقيق آمال التونسيين.