ونحن نقترب من موعد الانتخابات النيابية العراقية، بادرني اثنان من أولادي بسؤال: هل نشارك بالتصويت أم لا؟ ولمن نصوت؟ فاجأني السؤال وهم الآن في السن الذي يؤهلهما للمشاركة بالتصويت في الانتخابات، كان سبب سؤالهما أنهما لم يرا بالمرشحين من يُمثل تطلعاتهما لمستقبل نظيف خالٍ من الدرن الموجود حاليًّا، لم تكن لدي إجابة لهذا التساؤل الذي يمكن أن يتساءله أكثر من ثلاثة ملايين شاب وشابة عراقية ممن أصبح لهم حق التصويت في عملية سياسية لم يشهدوا كيف بدأت وكيف تطورت منذ الاحتلال عام 2003 وإلى الآن.

فوفق ما نشرته وزارة التخطيط العراقية في بيان لها عام 2014 لتقدير السكان في العراق، تمثل شريحة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، 7 ملايين و315 ألف نسمة ويمثلون ما نسبته 20.3% من الشعب العراقي، وبالتالي فإن كل هذه النسبة سيكون من حقها التصويت في انتخابات 2018، مما يدلل على ثقلهم الانتخابي في الانتخابات التي ستعقد بعد أيام قليلة.

رُسمِت العملية السياسية بعد التغير الذي حصل بالعراق عام 2003، استنادًا إلى الرؤية الأمريكية وبمعونة إيرانية، واستندت على ما يسمى بأحزاب المعارضة العراقية التي كانت تأويها دول الجوار وبعض الدول الأوروبية، لتجعل من تلك العملية السياسية، مفاصلة بين واقع العراق التاريخي قبل 2003 وواقع العراق الحاليّ، وبدلاً من أن تكون الآليات الجديدة التي استحدثت في العمل السياسي في العراق، سببًا لتقدمه، كانت تلك الآليات نفسها سببًا لخرابه وتراجعه إلى الوراء.

فواقع العراق الآن يمكن توصيفه بأنه أشر من أعتى أنواع الديكتاتوريات التي شهدها العالم، صحيح أنها تستند إلى آليات تسمى ديمقراطية، لكن واقع الحال يفيد أن العراقيين لم يتخلصوا من الديكتاتورية بمعناها الدقيق، وما حصل أنه تم استبدال حكم البعثيين بحكم حزب الدعوة، واستبدال النفوذ السياسي الذي كان يسيطر عليه صدام حسين وأقربائه على أجهزة الدولة، إلى نفوذ المالكي أو العبادي وأقربائهم، واستحواذ نفوذ طائفة معينة على مقاليد الأمور في العراق وتهميش باقي مكونات الشعب.

ويدعو المالكي اليوم إلى حكم الأغلبية السياسية، بمعنى تكريس حكم حزب الدعوة للعراق بطريقة لا تختلف عن أي ديكتاتورية عتيدة من ديكتاتوريات العالم الفاشل.

وفق آخر الإحصاءات فإن الصراعات التي تجتاح العراق أدت إلى محدودية الفرص المتاحة للشباب العراقي للحصول على التعليم والعمل

أما عن الشباب الذين غالبًا ما يكون المحرك الأساسي للتغير في مختلف الشعوب، فإن نسبة من يؤمنون بجدوى المشاركة في عملية التصويت لم تتجاوز40%، رغم أنهم من الممكن أن يكونوا الشريحة المجتمعية القادرة على كنس وطرد كل الطبقة السياسية الحاكمة الآن في العراق، لكن الأحزاب الحاكمة في العراق لم تكن غافلة عن تأثيرهم، فعملوا على تطويعهم بمختلف الأساليب، لضمان ولائهم لنفس المومياءات التي تحكم العراق طيلة الـ15 سنة الماضية.

ومن أهم تلك الأساليب التي حرصوا على العمل عليها، تجهيل طبقة الشباب للدرجة التي يكونون فيها غير قادرين على تميز الحق من الباطل، وعملوا على نشر البطالة التي تدفع أولئك الشباب للانخراط في مخططاتهم لكي يستطيعوا تحصيل لقمة العيش، فنسبة التوظيف بين الجنسين لا تتجاوز نسبة 30%.

ووفق آخر الإحصاءات فإن الصراعات التي تجتاح العراق أدت إلى محدودية الفرص المتاحة للشباب العراقي للحصول على التعليم والعمل، ولم تبلغ نسبة الالتحاق بمرحلة ‏التعليم المتوسط إلا ما يصل إلى 40%، بينما لم تتجاوز نسبة الملتحقين بالتعليم الثانوي 30%، وارتفعت نسبة الأمية بشكل خطير في المجتمع العراقي.

مما جعل الفرصة سانحة لاستيعابهم بالمليشيات وأحزاب السلطة، أما الجموع الكبيرة من أولئك الشباب فلم تجد سبيلاً من الخروج من حالة فقدان الأمل في مستقبل زاهر لهم، سوى الهجرة من هذا البلد، ولنا في الهجرة الجماعية إلى أوروبا مثال بارز على ذلك، ووفق إحصائية مستقلة أفادت أن الشباب الذين هم من فئة 15 و29 سنة بلغت نسبة الراغبين منهم بالهجرة إلى خارج العراق 22% تقريبًا، ومن خلال ‏الإحصاءات التي ‏أعلنها الاتحاد الأوروبي تبين أن أكبر طالبي الجوء إلى الاتحاد الأوروبي من الشباب العراقيين.

إن من أحد أهم الأسباب التي توضح لنا سبب العزوف الحاليّ للشباب العراقي عن المشاركة في الانتخابات القادمة، الانفتاح الكبير على العالم الذي أتاحته شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، مما جعل الشباب ‏العراقي يقارن ويُقدر حجم الفوارق والهوّة الكبيرة في مجمل التطورات فيما يدور في العالم وفي بلده العراق، الأمر الذي يجعلهم يتأكدون من أن شيئًا خاطئًا يتم العمل فيه بالعراق، وأن القائمين على العملية السياسية، ليسوا الرجال المناسبين لقيادة العراق.

السر في بقاء هؤلاء على رأس السلطة هو الدعم المنقطع النظير من النظام الإيراني والولايات المتحدة الأمريكية

‏وفي الوقت الذي يعزف السياسيون على نغمة الطائفية والفئوية تارة وعلى نغمة القومية تارة أخرى، يجد الشاب العراقي نفسه بعيدًا عن ذلك كله، ويجد في نفسه في مفاصلة بينه وبين ما يدعوه إليه أولئك السياسيون الذين تخطاهم التاريخ، ويعيشون أوهامًا عفا عنها الزمن، ويحاولون بكل قوتهم أن يقولبون الشباب في قوالبهم الطائفية والفئوية والقومية.

لكن هل ينجحون في ذلك؟ نشك في ذلك والدليل ما هتفت به الجماهير الشبابية في ملعب النجف بأهازيج شعبية تردد "كلكم حرامية" حين كان ممثل رئيس الوزراء العراقي يلقي خطبته، الأمر الذي يدلل على أن محاولات السلطة في كسب الشباب لمشاريعهم الفاسدة فشلت فشلاً ذريعًا.

لكن ما السر في بقاء تلك السلطة رغم من رفض جماهير الشباب لهم؟ وكلنا نعلم أن الشباب مفتاح التغير في كل شعوب الأرض؟ إن السر في بقاء هؤلاء على رأس السلطة هو الدعم المنقطع النظير من النظام الإيراني والولايات المتحدة الأمريكية واللتين تعرفان أن أي تغير يقوم به الشعب العراقي وفي طليعته الشباب، سيكون حتمًا في غير صالحهم، وسينهي نفوذهما، وبالتالي فإن أي برنامج لإفساد الشباب وإزاحتهم عن القيام بدورهم التاريخي تجاه شعبهم وبناء مستقبلهم، لن يدخروا جهدًا للمضي به.

وما انتشار المخدرات والمثلية الجنسية وتفشي البطالة وتشجيع الشباب على الهجرة، إلا أمثلة على تلك الجهود المشتركة للاحتلالين الإيراني والأمريكي للعراق في إزاحة فئة الشباب عن القيام بدورها الحقيقي.