أنهى المجلس النيابي اللبناني الخطوة الأولى من المسار الدستوري بعد الانتخابات النيابية التي جرت يوم الـ6 من مايو/أيار الحاليّ، وهي خطوة تعنيه بشكل مباشر، حيث انتخب اليوم الأربعاء 23 من مايو/أيار 2018 رئيسًا ونائبًا للرئيس وأميني سر وثلاثة أعضاء مفوضين، وهو ما يُعرف هنا في لبنان بـ"هيئة مكتب المجلس"، ودورها ووظيفتها وضع جدول أعمال الجلسات ومساعدة الرئيس في إدارة شؤون المجلس النيابي وفق صلاحيات حددها الدستور اللبناني والنظام الداخلي للمجلس النيابي.

بالعودة إلى عملية الانتخاب، فالمعروف أن رئاسة المجلس النيابي في لبنان، وفق النص الدستوري، من حصة الطائفة الشيعية، وحصة الطائفة الشيعية من مجموع عدد نواب المجلس (128 نائبًا) هي 27 نائبًا، فعمليًا الحق بالترشح إلى منصب رئاسة المجلس محصور بهؤلاء الـ27 نائبًا، وليس لبقية النواب الـ101 الباقين الحق بالترشح لرئاسة المجلس، كما أن رئاسة الجمهورية من حق الطائفة المارونية حصرًا، ورئاسة مجلس الوزراء (الحكومة) من حصة المسلمين السنة حصرًا أيضًا.

البعض يفضل ألف مرة أن يكون الرئيس بري -الذي يؤمن هو وحركته بنهائية الكيان اللبناني، في سدة الرئاسة الثانية- على أن يكون أحد نواب حزب الله في هذا المنصب

لقد تمكن تحالف حزب الله الذي يرأسه حسن نصرالله وحركة أمل التي يرأسها نبيه بري (الثنائي الشيعي) من حصد كل مقاعد المجلس النيابي المخصصة للشيعة، أي 27 مقعدًا، وأعلن هذا التحالف بشكل موحد، أن مرشحه لرئاسة المجلس النيابي هو الرئيس نبيه بري.

فعمليًا انتهت معركة رئاسة المجلس النيابي قبل أن تبدأ، إذ ليس هناك أي نائب منافس من الطائفة الشيعية  للرئيس نبيه بري، وبالتالي فلم يكن هناك معركة بما تعنيه الكلمة، ولكن الدستور أيضًا في هذا السياق، لا يتيح الفوز بالتزكية، فلا بد من إجراءات تنفيذية حتى يكتمل المعنى الدستوري لانتخاب رئيس المجلس.

اليوم اجتمع المجلس النيابي برئاسة أكبر الأعضاء سنًا ميشال المر وانتخب نبيه بري رئيسًا للمجلس النيابي بأغلبية 98 صوتًا من أصل 128 نائبًا حضروا جميعًا الجلسة، فيما صوت 29 نائبًا بورقة بيضاء، وورقة واحدة باسم نادين لبكي (فنانة) كانت من النائبة الجديدة بولا يعقوبيان.

صوتت كتل  للرئيس بري من منطلق اعترافها له بإدارته الجيدة للمجلس النيابي، وكونه شكل في المرحلة الأخيرة من عمر لبنان ضمانة للاستقرار والحوار والتلاقي بين اللبنانيين

وإذا ذهبنا إلى قراءة دلالة هذا التصويت فإننا نجد أن بعض الكتل النيابية أعلنت موقفها بشكل واضح وصريح وقبل أيام من جلسة الانتخاب، حيث أعلنت كتلة القوات اللبنانية (15 نائبًا) أنها صوتت بورقة بيضاء، ولم تصوت للرئيس بري، ليس اعتراضًا عليه، ولكن حتى تُبقي على الحياة الديمقراطية  في المجلس النيابي، مع أن البعض ذهب إلى وضع تصويت القوات بورقة بيضاء، في إطار الرد على بري الذي طرح منافسًا لمرشح القوات على منصب نائب رئيس المجلس.

فيما ذهب البعض الآخر إلى القول إن خطوة القوات جاءت في إطار المزايدة المسيحية على التيار الوطني الحر (حزب رئيس الجمهورية)، الذي كان يريد الرد على موقف بري وكتلته من انتخاب رئيس الجمهورية قبل حوالي سنة ونصف، عندما صوتت كتلة بري بورقة بيضاء.

إلا أن خطوة القوات أحرجت التيار، ووضعته أمام مسؤولية كبيرة لناحية إظهار بري وكأنه لا يتمتع بغطاء وتأييد مسيحي لموقعه، وهذا من شأنه أن يضعف عهد رئيس الجمهورية، ويفتح البلد على أزمات جديدة، ولذلك فضل التيار الانكفاء عن التصويت بورقة ييضاء، وترك الخيار لأعضائه بالتصويت بما يراه كل منهم مناسبًا، مع وضوح تلمسه الجميع في توجيه الأصوات لدى التيار بين التصويت لبري أو التصويت بورقة بيضاء، وهو ما جعل عدد الأوراق البيضاء يصل إلى 29 ورقة إذا احتسبنا أيضًا تصويت حزب الكتائب (3 نواب) الذي لم يكشف توجهه، ولكن أغلب الظن، عند المتابعين، أنه صوت أيضًا بورقة بيضاء.

بقية الكتل النيابية صوتت للرئيس نبيه بري من منطلق التحالف معه، ككتلة حزب الله والنواب المقربون من النظام السوري ونواب كتلته، ويكاد يلامس عدد أعضاء هذه الكتل نحو 44 نائبًا.

الرئيس بري بوجوده في سدة الرئاسة الثانية حاليًّا، قد يكون عنصرًا مساعدًا على حل العديد من الأزمات وإرساء المزيد من التوازنات الداخلية، لأن الاستحقاق الأهم والأبرز بعد انتخاب رئيس المجلس النيابي ونائبه، هو في تسمية رئيس الحكومة

بينما صوتت كتل أخرى للرئيس بري من منطلق اعترافها له بإدارته الجيدة للمجلس النيابي، وكونه شكل في المرحلة الأخيرة من عمر لبنان ضمانة للاستقرار والحوار والتلاقي بين اللبنانيين، والجميع يذكر له المبادرات التي أطلقها في أوقات الشدة للحوار بهدف تنفيس الاحتقانات الطائفية والسياسية، خاصة أنه لا بديل عنه في الوسط الشيعي حاليًّا سوى حزب الله، والحزب مستهدف في هذه الأيام بالعقوبات الأمريكية والقرارات الخليجية التي صنفته على قوائم الإرهاب، فضلًا عن أن الكثيرين في لبنان يتوجسون من سياسة حزب الله وارتباطاته الإقليمية، حتى إن بعضهم يتهمه بأنه جزء من النظام في إيران ومن حرسه الثوري.

ولذلك يفضل ألف مرة أن يكون الرئيس بري الذي يؤمن هو وحركته بنهائية الكيان اللبناني، في سدة الرئاسة الثانية، على أن يكون أحد نواب حزب الله في هذا المنصب، أو أي شخصية شيعية ليست بوزن وحكمة وقدرة الرئيس بري، وهذه الفلسفة ينظر لها على الدوام رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، ويشترك معه فيها أقطاب أساسيون في تيار المستقبل، وحتى في الساحة المسيحية.

انتخاب الرئيس نبيه بري وحجم الأصوات التي حصل عليها وخريطة توزع القوى النيابية حيال انتخابه لم يكن مفاجئًا في لبنان، ولن يغير كثيرًا في مشهد الحياة السياسية التي ألفها اللبنانيون، بل على العكس من ذلك، فإن الرئيس بري بوجوده في سدة الرئاسة الثانية حاليًّا، قد يكون عنصرًا مساعدًا على حل العديد من الأزمات وإرساء المزيد من التوازنات الداخلية، لأن الاستحقاق الأهم والأبرز بعد انتخاب رئيس المجلس النيابي ونائبه، هو في تسمية رئيس الحكومة، ومن ثم بعد ذلك تشكيلها وسط هذه الأمواج الدولية والإقليمية العاتية التي تتلاطم في بحر المنطقة، وتتصارع على المصالح والنفوذ.